Top
Image Alt

التعريف بالأشاعرة وبمؤسسها، وأشهر علمائها

  /  التعريف بالأشاعرة وبمؤسسها، وأشهر علمائها

التعريف بالأشاعرة وبمؤسسها، وأشهر علمائها

أ. التعريف بالأشاعرة:

الأشاعرة فرقة كلامية إسلامية، تنسب للإمام أبي الحسن الأشعري -رحمه الله- الذي خرج على المعتزلة، وقد اتخذت الأشاعرة البراهين والأدلة العقلية والكلامية، وسيلة في محاججة خصومهم، من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم، وذلك لإثبات حقائق الدين، وقد سلكوا في مرحلة من المراحل مسلك عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب القطان -رحمه الله- وهذا يدل على أن الأشاعرة حقًّا من الفرق الكلامية.

ب. التعريف بمؤسس الأشاعرة، وذكر الأطوار التي مر بها:

الإمام الأشعري -رحمه الله- سلك طرقًا مختلفة متعددة، وكان في بعض مراحله على منهج المعتزلة، ثم خرج عليهم كما أشرت سابقًا، وسلك طرقًا أخرى، ولا بد من تفصيل ذلك بعد أن أذكر اسمه ونسبه -رحمه الله- فأقول: هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، ومن المعلوم أن أبا موسى -رحمه الله- من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

والأشعري كان يكنى بأبي الحسن، وقد ذكر السمعاني -رحمه الله- أنه قيل له الأشعري؛ لأنه من ولد أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل، وقد طعن الأهوازي، وهو أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي، وألف كتابًا باسم (مثالب ابن أبي بشر) طعن وحمل فيه على الأشعري -رحمه الله.

وقد تولى ابن عساكر الدفاع عن أبي الحسن الأشعري في ذلك، ورد على الأهوازي قوله، فقال: “وأما حكايته النكرة عن بعض شيوخ البصرة، من أن أبا بشر كان يهوديًّا، فأسلم على يدي بعض الأشعريين، فحكاية مفترٍ عن مجاهيل مفترين، ما حكي أن أحدًا نفاه عن أبي موسى الأشعري غير هذا الجاهل المتحامل المفتري، وهو لا يُعرف في الشرق ولا في الغرب إلا بهذه النسبة. وقال أيضًا: وفي إطباق الناس على تسميته بالأشعري تكذيب لما قاله هذا المفتري”.

وقيل: يقال له الأشعري أيضًا نسبةً إلى أشعر، وهي قبيلة مشهورة باليمن من أولاد سبأ، والأشعر هو نبت بن أدد. قال ابن الكلبي: “إنما سمي نبت بن أدد بن زيد بن يجشب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ الأشعري؛ لأن أمه ولدته وهو أشعر، والشعر على كل شيء منه”.

ولم أقف على لقب للأشعري -رحمه الله- في كتب التراجم التي ترجمت له ووقفت عليها، إلا أن ابن عساكر -رحمه الله- ذكر أنه نودي على جنازته بناصر الدين، وعلى هذا يمكن أن نقول: إن الأشعري لقب بناصر الدين، وإن المسلمين في جنازته هم الذين لقبوه به، ولم يعرف بذلك في حياته؛ إذ لو عرف لنُقل لنا شيء من ذلك، كما أن هذا اللقب غير متداول بين المؤرخين.

أما عن موطنه ومولده -رحمه الله- فتجمع المصادر التي تكلمت عن الأشعري أنه ولد بمدينة البصرة، ثم انتقل منها إلى بغداد بعد رجوعه عن الاعتزال، ولم أرَ في ذلك خلافًا بين المؤرخين، ويقولون في ترجمته: وهو بصري سكن بغداد.

 أما عن تاريخ ولادته -رحمه الله- فتكاد تجمع المصادر على تحديده أيضًا، فمعظمهم يثبت أنه ولد سنة ستين ومائتين، وابن عساكر -رحمه الله- هو مؤرخ له قيمته، إلى جانب أيضًا أنه كان قريب العهد بالأشعري، يذكر عن أبي بكر الوزَّان ذلك ويعقّب عليه بقوله: “لا أعلم لقائل هذا القول في تاريخ مولده مخالفًا”. يعني: أنه ولد سنة ستين ومائتين.

ومع هذا فبعض من جاء بعد ابن عساكر -كابن خلكان رحمه الله والمقريزي أيضًا- يذكران خلافًا في مولده، فابن خلكان يقول: “ولد سنة سبعين، وقيل: ستين ومائتين بالبصرة”. أما المقريزي -رحمه الله- فيقول: “ولد سنة ست وستين ومائتين، وقيل: سنة سبعين”.

وفي الحقيقة: أن هذا الخلاف لا يعتبر؛ لأن أقوى المصادر السابقة عليهما واللاحقة تذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، وهو ما يتفق مع حياته وأطواره التي عاشها، حيث تذكر لنا المصادر أنه بقي في الاعتزال أربعين عامًا، وأن تحوله عنه كان عام ثلاثمائة، وعليه فيكون مولده عام ستين ومائتين، وهذا الذي أراه صحيحًا وأرجحه، وقد رجح ذلك أيضًا الشيخ مرتضى الزبيدي -رحمه الله- في ترجمته عن الأشعري، فقال: “ولد سنة ستين ومائتين، وقيل: سنة سبعين، والأول أشهر”.

أما عن المراحل والأطوار التي مر بها، وهي مسألة دقيقة ومهمة يجب أن يتنبه لها طالب العلم؛ ذلك أن المراحل والأطوار التي مر بها الأشعري، تجعلنا نصل في النهاية إلى ماذا كان عليه هذا الإمام في آخر حياته؛ لأن الأشعري مر بأطوار مختلفة؛ وذلك نظرًا لاختلاف البيئة التي نشأ فيها وتربى بينها، ولا شك أنه نشأ معتزليًّا، ثم انتقل بعد ذلك إلى المذهب الكلامي، وهو مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، ثم هداه الله عز وجل بعد ذلك إلى الحق، ورجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة.

وابن النديم -رحمه الله- وهو أول من ترجم للأشعري فيما وقفت عليه، يقول: “كان أولًا معتزليًّا، ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن”.

وهو يريد بذلك أنه رجع عن هذه الأقوال التي كانت تدين بها المعتزلة، ثم تاب -كما ذكر ابن النديم- في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة، وأعلن ذلك أمام الناس.

وقول ابن النديم هذا، سار عليه معظم المؤرخين القدامى والمحدثين، إلا أن الحذاق منهم وأهل الفقه والعلم بعقيدة السلف، ذكروا أنه تنقل في أطواره، فكان أولًا معتزليًّا، ثم سلك طريقًا وسطًا بين الاعتزال وأهل السنة والجماعة، وأخيرًا استقر أمره ورجع إلى عقيدة سلف هذه الأمة الصالحين، وعلى هذا فالأطوار التي مر بها الإمام الأشعري -رحمه الله- ثلاثة؛ هي كما يلي:

الطور الأول: وكان فيه معتزليًّا، يقول بقولهم ويأخذ بأصولهم، حتى صار إمامًا لهم.

الطور الثاني: فقد خرج فيه على المعتزلة، ومال إلى أهل السنة والحديث، ولَمَّا يلحق بهم، وفي هذا الطور سلك طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، وعبد الله بن سعيد هذا من المتكلمين، الذين أطلق عليهم بأنهم من أهل السنة والجماعة، وكان -رحمه الله- يثبت الصفات اللازمة لله فقط، وينفي الصفات الاختيارية أو صفات الأفعال عن الله -تبارك وتعالى.

وأنا أرى بأن خير كتاب يمثل هذا الطور عند الأشعري، فيما بين يدينا من كتب له (اللُّمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)، ذلك أن الأشعري في هذا الكتاب يهاجم المعتزلة هجومًا شديدًا، ويدخل معهم في مناقشات جدلية تصل إلى حد التعقيد أحيانًا، وهو بهذا يتخلص من مذهب الاعتزال ويرد عليه ويفنده.

ومع هذا نجد أنه لا يَذكر الإمام أحمد، ولا يشيد بمذهبه، كما فعل في (الإبانة)، كما أنه لم يتعرض لذكر كثير من الصفات، التي يؤمن بها السلف؛ كالوجه والاستواء، ويتكلم عن نظرية الكسب بإسهاب، ولهذا أمكننا أن نقول بأنه كان في هذا الطور وسطًا بين السلف -كالإمام أحمد بن حنبل- والمعتزلة.

وقد أشار ابن تيمية -رحمه الله- إلى ذلك في قوله: “وأبو الحسن لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كُلَّاب، ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما ذكر ذلك في كتبه كلها كـ (الإبانة) و(الموجز) و(المقالات) وغيرها”.

ونلاحظ هنا من كلام ابن تيمية هذا، أنه ذكر طورين للأشعري دون أن يفصل بينهما ويوضح، وإن كان هو -رحمه الله- يفرق بين طريقة ابن كُلَّاب ومذهب الإمام أحمد، ولكني لم أقف في الحقيقة على تحديد للمدة، التي بقاها الأشعري على طريقة ابن كلاب بعد البحث والتحري، ولكن الثابت عنه أنه انتقل إلى مذهبه.

وقد أوضح ذلك وفصّله تلميذه الحافظ ابن كثير -رحمه الله- فقال في الطبقة الثالثة من كتابه (طبقات فقهاء الشافعية) قال: “ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:

الحال الأول: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.

الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة؛ وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وتأويل الخبرية؛ كالوجه واليدين والقدم والساق، ونحو ذلك.

الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه، جريًا على منوال السلف، وهي طريقته في (الإبانة) التي صنفها آخرًا”.

ويقول المقريزي: “إن الأشعري خرج على الاعتزال وأخذ في الرد عليهم، وسلك بعض طريق أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب القطان، وبنى على قواعده”.

وقد فصل هذا الأمر أكثر العالم الفاضل محب الدين الخطيب -رحمه الله- في تعليقه على كتاب (المنتقى من منهاج الاعتدال) فقال: “أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، من كبار أئمة الكلام في الإسلام، نشأ في أول أمره على الاعتزال، وتتلمذ فيه على الجبائي، ثم أيقظ الله بصيرته وهو في منتصف عمره وبداية نضجه، فأعلن رجوعه عن ضلالة الاعتزال، ومضى في هذا الطور نشيطًا يؤلف ويناظر، ويلقي الدروس في الرد على المعتزلة، سالكًا طريقًا وسطًا بين طريقة الجدل والتأويل وطريقة السلف، ثم مَحَّض طريقتها وأخلصها لله، بالرجوع الكامل إلى طريقة السلف، في إثبات كل ما ثبت بالنص من أمور الغيب، التي أوجب الله على عباده إخلاص الإيمان بها.

وكتب بذلك كتبه الأخيرة، ومنها في أيدي الناس كتاب (الإبانة) وقد نص مترجموه على أنها آخر كتبه، وهذا ما أراد أن يَلْقَى الله عليه، وكل ما خالف ذلك مما ينسب إليه، أو صارت تقول به الأشعرية، فالأشعري رجع عنه إلى ما في كتاب (الإبانة)”.

ونقطة تحول الأشعري هذه، هي أهم شيء حدث له في تاريخ حياته، وكان لها أثر كبير في نصرة مذهب السلف أهل السنة والجماعة، ودحض الباطل الذي كان عليه قبل ذلك، وخاصة بعدما حرر نفسه بالرجوع الكامل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ذلك في طوره الأخير، وهو الطور الثالث، الذي أعلن فيه الأشعري انتسابه إلى الإمام أحمد، كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه (الإبانة)، وتصريحه بذلك يدل على أنه وقف على كتب الإمام أحمد، واستقى منها كثيرًا في العقيدة، وهذا يظهر في كلامه على الصفات، ومطابقته لكلام الإمام أحمد فيها.

ويذكر في سبب رجوع الأشعري عن الاعتزال، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثلاث مرات، في كل مرة كان يأمره باتباع منهجه وسلوك طريقته، كما تذكر لنا المصادر أن الأشعري كان يورد الأسئلة على أستاذه في الدرس، فلا يجد في جوابه ما يكفي ويشفي، وكان يناظره أحيانًا في هذه الأسئلة، ولعل ذلك كان أيضًا سببًا في رجوعه عن الاعتزال، وسلوكه منهج الحق والصواب.

ولا شك أن الأشعري كان يعيش مرحلة حرجة في تلك الفترة، التي سبقت رجوعه إلى منهج السلف، بعد إعلانه خروجه من الاعتزال، لدرجة أنه اعتزل الناس خمس عشرة يومًا في بيته، خرج بعدها بالقرار الذي أعلنه على الناس في المسجد الجامع بالبصرة، في يوم الجمعة، حيث رقى كرسيًّا ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا يُرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع للرد على المعتزلة.

ويلاحظ من هذا القرار أن الأشعري يعلن براءته صراحة من المعتزلة، وينص على بعض العقائد التي خرج عليهم فيها، وسلك فيها سبيل أهل الهدى والرشاد، ومن وقت الإعلان بدأ الأشعري -رحمه الله- يدافع عن عقائد أهل السنة، ويحارب المعتزلة بكل ما أوتي من لسان وبيان، حتى صار شجى في حلوق المعتزلة.

جـ. أبرز علماء المذهب الأشعري:

سأذكر هنا باختصار بعض علماء وأئمة المذهب الأشعري، وذلك على حسب ترتيب وفياتهم:

أولًا: القاضي أبو بكر الباقلاني -رحمه الله- وهو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، من كبار علماء الكلام، وقد هذَّب بحوث الأشعري، وتكلم في مقدمات البراهين العقلية للتوحيد، وغالى فيها كثيرًا؛ إذ لم ترد هذه المقدمات في كتاب ولا سنة، ثم انتهى بعد ذلك إلى مذهب السلف، وأثبت جميع الصفات كالوجه واليدين على الحقيقة، وأبطل أصناف التأويلات التي استعملها المؤولة، وذلك في كتابه (تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل).

وقد ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي فيها، وقد وجهه عضد الدولة سفيرًا عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية، بين يدي ملكها، ومن كتبه: (إعجاز القرآن) و(الإنصاف) و(مناقب الأئمة) إلى غير ذلك.

ثانيًا: أبو إسحاق الشيرازي، واسمه: إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، العلامة المناظر، ولد في فيروزآباد بفارس، وانتقل إلى شيراز ثم البصرة ومنها إلى بغداد، وقد ظهر نبوغه في الفقه الشافعي وعلم الكلام، وكان مرجعًا للطلاب ومفتيًا للأمة في عصره، وقد اشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة، بنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية على شاطئ دجلة، فكان يدرس فيها ويديرها.

وقد عاش -رحمه الله- فقيرًا صابرًا، وكان حسن المجالسة طلق الوجه فصيحًا مناظرًا، ينظم الشعر، وقد مات ببغداد وصلى عليه المقتدي العباسي، وقد ألف بعض الكتب والمصنفات، ومنها (التنبيه) و(المهذب) في الفقه و(التبصرة) في أصول الشافعية. وغير ذلك من الكتب.

ثالثًا: أبو حامد الغزالي، وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، ولد في الطابران قصبة طوس بخراسان، وتوفي بها، رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز، فبلاد الشام فمصر ثم عاد إلى بلدته، والغزالي -رحمه الله- لم يسلك مسلك الباقلاني، بل خالف الباقلاني وخالف الإمام الأشعري في بعض الآراء، وخاصة فيما يتعلق بالمقدمات العقلية في الاستدلال.

وقد خاض -رحمه الله- في علم الكلام، وإن كان قد رجع عن ذلك وذم علم الكلام، وبيَّن أن أدلته لا تفيد اليقين، كما جاء ذلك في بعض كتبه كـ (المنقذ من الضلال) وككتاب (التفرقة بين الإيمان والزندقة).

وقد حرّم الخوض -رحمه الله- في كتابه الأخير (علم الكلام) فقال: “لو تركنا المداهنة لصرحنا بأن الخوض في هذا العلم حرام”. وقد كان -رحمه الله- من أئمة المتصوفة، وكان يرى ويعتقد أن التصوف هو الطريق الوحيد للمعرفة، ولكنه -رحمه الله- عاد في آخر حياته إلى السنة، وقد ذكر بعض من ترجموا له أنه مات و(صحيح البخاري) على صدره؛ لأنه كان يداوم القراءة فيه -رحمه الله.

رابعًا: أبو إسحاق الإسفراييني، وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران أبو إسحاق الإسفراييني، كان عالمًا بالفقه والأصول، وكان يلقب بركن الدين، وهو أول من لقب به من الفقهاء، نشأ في إسفرايين بين نيسابور وجرجان، ثم خرج إلى نيسابور، وبنيت له مدرسة عظيمة فدرس فيها، ورحل إلى خراسان وبعض أنحاء العراق، فاشتهر في العالم الإسلامي، وقد ألف بعض الكتب في علم الكلام، ككتابه الكبير الذي سماه (الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين). قال ابن خلكان -رحمه الله- عن هذا الكتاب: “رأيته في خمسة مجلدات”.

خامسًا: إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني الفقيه الشافعي، ولد في بلدة جوين من نواحي نيسابور، ثم رحل إلى بغداد فمكة، حيث جاور فيها أربع سنين، وذهب إلى المدينة النبوية فعاش فيها وأفتى ودرس، ثم عاد إلى نيسابور، فبنى له الوزير نظام الملك المدرسة التي عرفت بالمدرسة النظامية، وكان يحضر دروسه أكابر العلماء، وبقي على ذلك قريبًا من ثلاثين سنة، لا يزاحمه أحد في ذلك.

وقد دافع عن مذهب الأشعري فشاع ذكره في الآفاق، إلا أنه في نهاية حياته رجع إلى مذهب السلف، وقد قال في رسالته (النظامية): “والذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقيدة: اتباع سلف الأمة؛ للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة”.

سادسًا: الإمام الفخر الرازي -رحمه الله- وهو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني، الرازي المولد، الملقب بفخر الدين المعروف بابن الخطيب، الفقيه الشافعي، قال عنه صاحب (وفيات الأعيان): “إنه فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات، وهو المعبر عن المذهب الأشعري في مرحلته الأخيرة، حيث خلط الكلام بالفلسفة، بالإضافة إلى أنه صاحب القاعدة الكلية التي انتصر فيها للعقل، وقدمه على الأدلة الشرعية”.

قال فيه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في (لسان الميزان): “كان له تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة، وكان يورد شُبَه الخصوم بدقة، ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهن، إلا أنه أدرك عجز العقل، فأوصى وصية تدل على حسن اعتقاده، وقد نبَّه في أواخر عمره إلى ضرورة اتباع منهج السلف، وأعلن أنه أسلم المناهج، بعد أن دار دورته في طرق علم الكلام”.

وأخيرًا أقول: بعد أن ذكرت بعض أئمة علماء المذهب الأشعري، وقد ذكرت عن بعضهم أنه رجع إلى منهج السلف، قد يستشكل طالب العلم ذلك، كيف يكون هؤلاء من أئمة المذهب الأشعري، والأشعري قد رجع إلى مذهب السلف؟

فأقول: بأن من جاء بعد الأشعري -رحمه الله- طوَّر مذهبه ووقفوا عند المرحلة الثانية، أو عند الطور الثاني الذي سلك فيه الأشعري طريقة عبد الله بن كُلَّاب القطان، وبعضهم رجع، وبعضهم بقي على هذا المذهب، المذهب القائم اليوم والمعروف بمذهب الأشاعرة، إنما هو مذهب كلامي يقوم على الطور الثاني، الذي كان عليه الأشعري -رحمه الله، ولا يَرجع مذهب الأشاعرة اليوم إلى الطور الأخير، الذي رجع فيه الإمام الأشعري إلى منهج سلف هذه الأمة الصالحين، وانتسب إلى الإمام أحمد -رحمه الله تبارك وتعالى.

error: النص محمي !!