Top
Image Alt

التعريف بالإسرائيليات، وبيان مبدأ دخولها في التفسير

  /  التعريف بالإسرائيليات، وبيان مبدأ دخولها في التفسير

التعريف بالإسرائيليات، وبيان مبدأ دخولها في التفسير

الإسرائيليات: دخولها في التفسير – قيمتها – موقف المفسر منها:

أولًا: معنى الإسرائيليات:

الإسرائيليات: جَمْعٌ مفرده إسرائيلية، نسبةً إلى بني إسرائيل، والنسبة في هذا المركب الإضافي لعجزه لا لصدره؛ فيقال: إسرائيلي، وإسرائيلية.

والإسرائيليات: قصة أو حادثة تروى عن مصدر إسرائيلي، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم السلام- وبنو إسرائيل هم أبناءُ يعقوبَ بن إبراهيم -عليهم السلام- ومَن تناسلوا منهم فيما بعد إلى عهد موسى عليه السلام، ومن جاء بعده من الأنبياء حتى عهد سيدنا عيسى عليه السلام وحتى بعد عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ورد ذكرهم في القرآن منسوبين إلى إسرائيل؛ تذكيرًا لهم بأبوة هذا النبي الصالح؛ حتى يتأسوا به، ويتخلقوا بأخلاقه، ويتركوا ما هم عليه من نُكران نعم الله سبحانه وتعالى عليهم وعلى آبائهم.

وبنو إسرائيل كانوا -ولا يزالون- يتصفون بالجحود، والغدر، واللؤم، والخيانة، وذلك في مواضعَ كثيرة ذكرها القرآن، منها -على سبيل المثال-: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُون} [البقرة: 83].

وقد دعاهم القرآن إلى الإسلام واتباع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} [آل عمران: 64]؛ فمن آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد أصبح في عداد المسلمين، وأطلق عليهم “مسلمو أهل الكتاب”، مثل: عبد الله بن سلام، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار… وغيرهم.

ولفظ الإسرائيليات -وإن كان يدل بظاهره على القصص الذي يُروى أصلًا عن مصادر يهودية- يستعمله علماء التفسير والحديث، ويطلقونه على ما هو أوسع وأشمل من القَصص اليهودية؛ فهو في اصطلاحهم يدل على: كل ما تطرق إليه التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة في أصل روايتها إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيره؛ بل توسع بعض المفسرين والمحدثين، فعدوا من الإسرائيليات كل ما دَس أعداءُ الإسلام من اليهود وغيرهم على التفسير والحديث من أخبار لا أصلَ لها في مصدر قديم، وإنما هي من صنع أعداء الإسلام، وضعوها بخبث نية وسوء طوية، ثم دسوها في التفسير والحديث؛ ليفسدوا عقائدَ المسلمين، وما أكثر هذه الأخبار؟! وإنما أطلق علماء التفسير والحديث على كل ذلك لفظ: “إسرائيليات” من باب التغليب للون اليهودي، وإن كانت الإسرائيليات أيضًا تشمل الثقافة النصرانية.

مبدأ دخول الإسرائيليات في التفسير:

إن مبدأ دخول الإسرائيليات في التفسير، يرجع إلى عهد الصحابة رضي الله عنهم، حيث كان من مصدر الصحابة في التفسير الرجوع إلى أهل الكتاب، غير أن الصحابة رضي الله عنهم لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء، ولم يقبلوا منهم كل شيء؛ بل كانوا يسألون عن أشياء لا تعدو أن تكون توضيحًا للقصة وبيانًا لِمَا أجمله القرآنُ منها، مع توقفهم فيما يُلقى إليهم؛ فلا يحكمون عليهم بصدق ولا بكذب ما دام الأمر يحتمل الأمرين؛ امتثالًا لقولِ الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا تصدقوا أهلَ الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنَّا بالله وما أنزل إلينا)).

كما أنهم لم يسألوهم عن شيء يتعلق بالعقيدة أو يتصل بالأحكام، اللهم إلا إذا كان على وجه الاستشهاد؛ كذلك كانوا لا يعدلون عما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى سؤال أهل الكتاب؛ لأنه إذا ثبت الشيءُ عنه صلى الله عليه وسلم فليس لهم أن يعدلوا عنه إلى غيره.

كما أنهم كانوا لا يسألون عن الأشياءِ التي يشبه أن يكون السؤال عنها نوعًا من اللهو والعبث؛ كالسؤال عن لون كلب أهل الكهف… إلخ، فكانوا يعدون مثل ذلك قبيحًا من قبيل تضييع الأوقات، كذلك كان الصحابة لا يصدقون اليهودَ فيما يخالف الشريعةَ أو يتنافَى مع العقيدةِ؛ بل بلغ بهم الأمر أنهم كانوا إذا سألوا أهل الكتاب عن شيءٍ فأجابوا عنه خطأً؛ ردوا عليهم خطأهم، وبينوا لهم وجه الصواب فيه.

فمن ذلك: ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: ((فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها)).

فلما سمع هذا الحديث سأل أبو هريرة كعبَ الأحبار عن ذلك؛ فيجيبه كعب بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة قوله هذا، ويبين أنها في كل جمعة؛ فيرجع كعب الأحبار إلى التوراة؛ فيرى الصواب مع أبي هريرة فيرجع إليه.

وسأل أبو هريرة أيضًا عبدَ الله بنَ سلام عن تحديد هذه الساعة، ويقول له: “أخبرني ولا تضن عليَّ”. فيجيبه عبد الله بن سلام بأنها آخر ساعة يوم الجمعة؛ فيرد عليه أبو هريرة بقوله: “كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي)) وتلك الساعة لا يصلى فيها؟” فيجيبه عبد الله بن سلام بقوله: “ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فيه، فهو في صلاة حتى يصلي))؟!” فمثل هذا يدل على أن الصحابة كانوا لا يقبلون كل ما يقال لهم؛ بل كانوا يتحرون الصوابَ ما استطاعوا، ويردون على أهل الكتاب أقوالهم إن كانت لا توافق وجه الصواب؛ هذا هو مبلغ رجوع الصحابة إلى أهل الكتاب.

ثم جاء بعد ذلك عصر التابعين، وفيه اتسع النقل عن أهل الكتاب، ونمت رواية الإسرائيليات في التفسير والحديث نموًّا مزعجًا؛ وكان مرجع ذلك إلى كثرة مَن دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وشدة ميل نفوس القوم لسماع ما في كتبهم من أعاجيب؛ حتى وجد في هذا العهد جماعة من المفسرين أرادوا أن يسدوا ما يرونه ثغراتٍ قائمةً في التفسير بما وصل إليهم من الإسرائيليات؛ فجاء ما رُوي عنهم في التفسير مليئًا بقصص كله سخف ونَكارةٍ، كالذي نراه في كتب التفسير منسوبًا إلى قتادة ومجاهد رضي الله عنهما وغيرهما.

ثم جاء بعد عصر التابعين مَن عَظُمَ شغفُه بالإسرائيليات، وأفرط في الأخذ منها؛ إلى درجة جعلتهم لا يردون قولًا ولا يحجمون عن أن يلصقوا بالقرآن كل ما يُروى لهم وإن كان لا يتصوره العقل، واستمر هذا الشغف بالإسرائيليات، والولع بنقل الأخبار التي يعتبر الكثير منها نوعًا من الخرافة إلى إن جاء دور التدوين.

ثم جاءت مرحلة التدوين، وكان التفسير بابًا من أبواب الحديث؛ ففي أول الأمر كان ما جمع من التفسير بالمأثور مذكورًا بأسانيده، وكان في جملته خاليًا من الإسرائيليات إلا قليلًا منها لا يعارضه نص شرعي، ثم لما انفصل التفسير عن الحديث ودُون كل منهما على حِدة؛ كان لا يدون في أول الأمر مقرونًا بأسانيده، وكان فيما يدون طائفة من الإسرائيليات غير قليل وفي بعض منها نكارة، وكان من يفعل ذلك من المفسرين يرى أنه ما دام قد ذكر الإسناد فقد خرج من العُهدة، ومن هؤلاء ابن جرير الطبري.

ثم جاءت بعد ذلك طبقة ممن دونوا التفسير والحديث حذفوا الأسانيد ولم يتحروا الدقة فيما يكتبون؛ فجمعوا الصحيح وغيرَه في مصنفاتهم، وفي ظل ذلك كثيرٌ من الإسرائيليات، فلبَّسوا على ذلك بالناس أمرَ دينهم؛ وكلما تقدم الزمن بالناس كلما تهاون بعض مَن تصدوا لكتابة التفسير والحديث؛ حتى وجد بينهم من أُغرم بالقَصص الإسرائيلي؛ حتى لا يكادوا يدعون شاردةً ولا واردةً إلا ذكرها؛ وليتهم لم يفعلوا ذلك؛ صيانةً للقرآن وحرمته وللحديث وقداسته.

error: النص محمي !!