Top
Image Alt

التعريف بالبعث والنشور

  /  التعريف بالبعث والنشور

التعريف بالبعث والنشور

المراد بالبعث: هو الميعاد الجسماني وإحياء العباد في يوم الميعاد والنشور. وكلمة النشورِ مرادفة لمعنى البعث، يقال: نُشر الميت نشورًا؛ إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله، أي: أحيَاهُ، فإذا شاء الحق -تبارك وتعالى- إعادة العباد وإحياءهم؛ أمر إسرافيل فنفخ في الصور لتعود الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلاّ مَن شَآءَ اللّهُ ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىَ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68].

وقد حدثنا الحق -تبارك وتعالى- عن مشهد البعث العجيب الغريب، فقال: {وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَإِذَا هُم مّنَ الأجْدَاثِ إِلَىَ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ}(51) {قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرّحْمـَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}(52) {إِن كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 51- 53].

وقد جاءت الأحاديث مخبرة؛ أنه يسبق النفخة الثانية في الصور نزول ماء من السماء, فتنبت منه أجساد العباد، ففي (صحيح مسلم) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثم يُنفخ في الصورِ، فلا يسمعه أحد إلا أصغَى لِيتًا ورفع لِيتًا))، و”ليتًا” من لات فلانًا حقه ليتًا أي: أنقصه إياه، والليت: صفحة العنق، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)).

وأما البعث في الشرع: فهو الميعاد الجسماني، وإحياء الأموات يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم، فيعيدُ اللهُ فيه العباد أنفسهم، ولكنهم يُخلقون خلقًا مختلفًا شيئًا ما عما كانوا عليه في الحياة الدنيا؛ حتى يتناسب ذلك مع الحياة التي سيعيشونها في الآخرة، فمن ذلك أنهم لا يموتون مهما أصابهم البلاء بعد هذه الحياة، قال تعالى: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ} [إبراهيم: 17]، وقال تعالى: {وَهُوَ الّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَىَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27]، وقال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوّلَ خَلْقٍ نّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنّا كُنّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104].

والإيمان بالبعث داخلٌ ضمن الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالغيب عمومًا، وإنكار البعث كفر بالله عز وجل, ومنكر البعث كافر بالله -تبارك وتعالى- وبرسله وبكتبه وباليوم الآخر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني الله كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادتِهِ، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا, وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد)).

وأول من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مُشَفَّع)).

ثم يأتي حشر الخلائق جميعًا إلى الموقف العظيم، وقد سمى الله يوم الدين بيوم الجمع؛ لأن الله يجمع العباد فيه جميعًا، قال تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مّجْمُوعٌ لّهُ النّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مّشْهُودٌ} [هود: 103]، ويستوي في هذا الجمع الأولون والآخرون: {قُلْ إِنّ الأوّلِينَ وَالاَخِرِينَ}(49) {لَمَجْمُوعُونَ إِلَىَ مِيقَاتِ يَوْمٍ مّعْلُومٍ} [الواقعة: 49، 50]، وكما أن قدرة الله محيطة بكل عباده، تأتي بهم حيثما كانوا؛ فكذلك علمه محيط بهم، فلا ينسى منهم أحدًا، ولا يضل منهم أحدًا، ولا يشذ منهم أحد، فقد أحصاهم خالقهم -تبارك وتعالى- وعدّهم عدًّا، قال تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} [الكهف: 47].

وهذه النصوص بعمومها تدل على حشر الخلق جميعًا، الإنس والجن والملائكة، ولا حرج على من فهم منها أن الحشر يتناول كذلك البهائم، وحكي عن القرطبي خلاف أهل العلم في حشر البهائم، ورجح أن ذلك كائنٌ للأخبار الصحيحة في ذلك.

قال القرطبي: واختلف الناس في حشر البهائم، وفي قِصَاصِ بعضِهَا من بعْض، فروي عن ابن عباس أن حشر البهائم موتها، قاله الضحاك. وروي عن ابن عباس في رواية أخرى أن البهائم تحشر وتبعث، وقاله أبو ذر وأبو هريرة وعمرو بن العاص وغيرهم وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5]، وقوله: {ثُمّ إِلَىَ رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38].

قال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كُلَّهُم يوم القيامة؛ البهائم والطير والدواب وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجَمّاء من القَرْناء -والجماء التي ليس لها قرون-ثم يقول: كوني ترابًا, فذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40].

صفة حشر العباد:

الله سبحانه وتعالى يحشر العباد حفاةً عراةً غرلًا -أي: غير مختونين- ففي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنكم محشورون حفاةً عراةً غرلًا)), ثم قرأ: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوّلَ خَلْقٍ نّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنّا كُنّا فَاعِلِينَ}.

وعندما سمعت عائشة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا)) قالت: يا رسول الله, الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: ((يا عائشة, الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض)). وقد جاء في بعض النصوص أن كل إنسان يُبعث في ثيابه التي مات فيها، ويبعث على الحالة التي مات عليها من الإيمان والكفر، واليقين والشك، كما يُبعث على العمل الذي يعمله عند موته، فالذي يموت وهو مُحْرِمٌ يبعث يوم القيامة ملبيًا، ففي (صحيح البخاري) عن عبد الله بن عباس قال: إن رجلًا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقصته ناقته -ي: أسقطته-فكسرت عنقه وهو محرم فمات، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تُمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)).

error: النص محمي !!