Top
Image Alt

التعريف بالثعالبي

  /  التعريف بالثعالبي

التعريف بالثعالبي

هو: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي النيسابوري، لُقِبَ بالثعالبي؛ لأنه كان فرّاءً يخيط جلودَ الثعالب ويعملها. ويرى بعض من ترجم له أن عمل الجلود لم يكن صناعة يعيش عليها ويحيى لأجلها، فقد كان شيخنا يؤدب الصبيان في كتّاب، وكان عمل الجلود من الأعمال التي يعالجها المؤدبون في الكتاتيب، وهم يقومون بالتأديب والتعليم.

وقد عاش الثعالبي بنيسابور، وكان هو ووالد البخارذي صنوين لصيقي جار وقريبي جوار تدور بينهما كتب في الإخوانيات، ونشأ البخارذي في حِجر الثعالبي تأدب بأدبه واهتدى بهديه، وكان له أبًا ثانيًا يحدوه بعطفه ويحنو عليه ويرأف به.

وكان الثعالبي واعية كثير الحفظ، فعُرِفَ بحافظ نيسابور، وأوتي حظًّا في البيان بز فيه أقرانه، فلُقِبَ بجاحظ زمانه، وعاش بنيسابور حجة فيما يروي، ثقة فيما يحدث، مكينًا في عمله، ضليعًا في فنه، فقصد إليه القاصدون، يضربون إليه آباط الإبل، بعد أن سار ذكره في الآفاق سير المثل.

كما يذكر مَن ترجم له ومنهم: مصطفى السقا، وإبراهيم الإبياري، وعبد الحفظ شلبي، الذين حققوا (فقه اللغة وسر العربية) ورتبوه ووضعوا فهارسه، ولعل في الطرفة التي جرت بين شيخنا وبين سهل بن المرزبان ما يعطيك صورة عن الثعالبي شاعرًا قال الثعالبي:

قال لي سهل بن المرزبان يومًا: إن من الشعراء من شلشل، ومنهم من سلسل، ومنهم من قلقل، ومنهم من بلبل. وقبل أن أواصل ما قاله الثعالبي أذكر المراد بمن شلشل، وبمن سلسل، وبمن قلقل، وبمن بلبل:

يريد بمن شلشل الأعشى في قوله:

 وقد أروحُ إلى الحانوتِ يتبعني

*شاوٍ مِشلٌ شَلولٌ شُلْشُلٌ شولُ

 وأراد بمن سلسل مسلم بن الوليد في قوله:

سُلَّتْ وسُلَّتْ ثم سُلَّ سَلِيلُها

*فأتى سَلِيلُ سَلِيلِها مسلولا

 وأراد بمن قلقل المتنبي في قوله:

 فَقَلقَلتُ بِالهَمِّ الَّذي قَلقَلَ الحَشا

* قَلاقِلَ عيسٍ كُلُّهُنَّ قَلاقِلُ

 فقال الثعالبي: إني أخاف أن أكون رابع الشعراء، يقصد قول الشاعر:

 الشُّعراءُ فاعْلَمنَّ أربعةٌ

*فَشَاعِرٌ يَجْرِي ولا يُجْرَى معه

وَشَاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أنْ تَرْفَعَه

*وَشَاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أنْ تَسْمَعَه

وَشَاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أنْ تَصْفَعَه

*…. …. …. ….

 الثعالبي يخاف أن يكون رابع الشعراء -أي: شاعر من حقه أن تصفعه- ثم قال الثعالبي بعد ذلك بحين:

وإذا البلابلُ أفْصَحَتْ بلغاتِها

* فانْفِ البلابلَ باحتساءِ بلابلِ

 فكان الثعالبي بهذا رابع فحول ثلاثة لهم القدم الثابتة في الشعر، أي: الأعشى ومسلم بن الوليد والمتنبي، وهذا هو المراد بما جاء في صدر المقالة: “ومنهم من بلبل”.

أما بالنسبة لمولده فمعظم من ترجموا له ذكروا أنه ولد سنة خمسين وثلاثمائة، إلا أن الصفدي في كتابه (الوافي بالوفيات) ذكر أنه توفِّي سنة ثلاثين وأربعمائة، وقيل: سنة تسع وعشرين، وعلى الرأيين قد قضى الثعالبي نحبه في الثمانين من عمره تاركًا ما يربو على الثمانين مؤلفًا.

ومن أشهر كتبه ما يلي:

كتاب (أجناس التجنيس)، (أحسن المحاسن) وهو كتاب أحسن ما سمعت، وكتاب (الأحاسن من بدائع البلغاء)، وكتاب (الآداب)، وكتاب (إعجاز الإيجاز)، وكتاب (غرر أخبار ملوك فارس)، وكتاب الأعداد وهو المسمى (ببرد الأكباد في الأعداد)، وكتاب (أفراد المعاني)، وكتاب (الاقتباس)، وكتاب (الأمثال والتشبيهات)، وكتاب (أنس الشعراء)، وكتاب (الأنيس في غزل التجنيس)، وكتاب (بهجة المشتاق)، وكتاب (التجنيس)، وكتاب (تحفة الوزراء)، وكتاب (التحسين والتقبيح)، وكتاب (ترجمة الكاتب في آداب الصاحب)، وكتاب (التفاحة)، وكتاب (تفضل المقتدرين وتنصل المعتذرين)، وكتاب (التمثيل والمحاضرة في الحكم والمناظرة)، وكتاب (الثلج والمطر)، وكتاب (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب) وهو المتشابه لفظًا وخطًّا، وكتاب (جوامع الكلم)، وكتاب (الجواهر الحسان في تفسير القرآن)، وكتاب (حجة العقل)، وكتاب (حلي العقد)، وكتاب (خاص الخاص)، وكتاب (خصائص الفضائل) وديوان أشعاره وكتاب (سجع المنثور)، وكتاب (سحر البلاغة وسر البراعة)، وكتاب (سحر البيان)، وكتاب (سر الأدب في مجاري كلام العرب)، وكتاب (سر البيان)، وكتاب (سر الوزارة)، وكتاب (السياسة)، وكتاب (الشكوى والعتاب وما وقع للخلان والأصحاب)، وكتاب (الشمس)، وكتاب (الشوق)، وكتاب (صفة الشعر والنثر)، وكتاب (طبقات الملوك)، وكتاب (الطرائف واللطائف)، وكتاب (عنوان المعارف)، وكتاب (عيون النوادر)، وكتاب (غرر البلاغة في الأعلام)، وكتاب (غرر المضاحك)، وكتاب (الغلمان)، وكتاب (الفرائد والقلائد)، وكتاب (الفصول الفارسية)، وكتاب (الفصول في الفضول)، وكتاب (فقه اللغة وسر العربية) وهو الكتاب الذي بين أيدينا الآن، وكتاب (الكشف والبيان)، وكتاب (الكناية والتعريض)، وكتاب (كنز الكتاب) وهو المنتحل، وكتاب (لطائف الظرفاء)، وكتاب (لطائف المعارف)، وكتاب (اللطيف الطيب)، وكتاب (الفضة)، وكتاب (ما جرى بين المتنبي وسيف الدولة)، وكتاب (المبهج)، وكتاب (المديح)، وكتاب (مرآة المروءات)، وكتاب (مفتاح الفصاحة)، وكتاب (المقصور والممدود)، وكتاب (مكارم الأخلاق)، وكتاب (المُلح والطرف)، وكتاب (نثر النظم وحل العقد)، وكتاب (نسيم السَّحر)، وكتاب (النهاية في الكناية)، وكتاب (النوادر والبوادر) و(يتيمة الدهر) و(يتيمة اليتيمة)، وكتاب (يواقيت المواقيت) وغير ذلك.

وقد كانت غاية شيخنا من تأليف كتابه نفس الغاية التي يذكرها كل من يتصدى للدرس اللغوي للعربية، وهي خدمة النص القرآني توصلًا إلى فهم أحكامه إذ استمع إليه وهو يقول في مقدمة كتابه (فقه اللغة):

“مَنْ أحبَّ الله تعالى أحبَّ رسوله محمدًا صلى الله عليه  وسلم، ومَنْ أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومَنْ أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عُني بها وثابر عليها وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه اعتقد أن محمدًا صلى الله عليه  وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب كالينبوع للماء والزند للنار، ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحر في جلائلها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هي عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلًا يحسن فيهما أثره ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصها الله U به من ضروب الممادح يكل أقلام الكتبة، ويتعب أنامل الحسبة؟!.

ولما شرفها الله تعالى -عزَّ اسمه- وعظَّمها ورفع خطرها وكرَّمها، وأوحى بها إلى خير خلقه، وجعلها لسان أمينه على وحيه وخلفائه في أرضه، وأراد بقاءها ودوامها حتى تكون في هذه العاجلة لخيار عباده، وفي تلك الآجلة لساكني جنانه ودار ثوابه قيَّد لها حفظة وخزنة من خواصه من خيار الناس وأعيان الفضل وأنجم الأرض؛ تركوا في خدمتها الشهوات وجابوا الفلوات ونادموا لاقتنائها الدفاتر، وسامروا القماطر والمحابر، وكدُّوا في حصر لغاتها طباعهم، وأسهروا في تقييد شواردها أجفانهم، وأجالوا في نظم قلائدها أفكارهم، وأنفقوا على تخليد كتبها أعمارهم، فعظمت الفائدة وعمَّت المصلحة وتوفَّرت العائدة، وكلما بدأت معارفها تتنكَّر أو كادت معالمها تتستَّر أو عَرَض لها ما يشبه الفترة ردَّ الله تعالى لها الكرَّة، فأحبَّ ريحها ونفق سوقها بفرد من أفراد الدهر أديب ذي صدر رحيب وقريحة ثاقبة ودراية صائبة ونفس سامية وهمَّة عالية، يحبُّ الأدب ويتعصَّب للعربية، فيجمع شملها ويكرُم أهلها ويحرِّك الخواطر الساكنة لإعادة رونقها، ويستثير المحاسن الكامنة في صدور المتحلين بها، ويستدعي التأليفات البارعة في تجديد ما عفا من رسوم طرائفها ولطائفها، مثل الأمير السيد الأوحد أبي الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي أدام الله تعالى بهجته، وحرس مهجته”.

أبان فيما نقلته الغاية من تأليفه هذا الكتاب، وهي حبه للعربية التي بها نزل القرآن الكريم؛ حيث جعل أن حبها من حب الله تعالى، ومن حب رسوله صلى الله عليه  وسلم وقد كانت له صحبة بالوزير أبي الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي، المتوفى سنة ست وثلاثين وأربعمائة.

وبنو ميكال أسرة من أعيان خرسان في الدولة السامانية، اشتهر منها كثيرون بالعلم والأدب والكتابة والرياسة، وأبو الفضل واحد منهم، ولقد مدحه شيخنا، وذكر أن صحبته له هي التي أوحت إليه بمادة الكتاب؛ حيث يقول الثعالبي في مقدمة كتابه أيضًا:

“وقد كانت تجري في مجلسه -آنسه الله- نُكَتٌ من أقاويل أئمَّة الأدب في أسرار اللغة وجوامعها ولطائفها وخصائصها، مما لم يتنبَّهوا لجمع شمله، ولم يتوصَّلوا إلى نظم عقده، وإنما اتجهت لهم في أثناء التأليفات وتضاعيف التصنيفات لُمَعٌ يسيرة كالتوقيعات، وفِقَرٌ خفيفة كالإشارات فيُلَوِّح لي -أدام الله دولته- بالبحث عن أمثالها وتحصيل أخواتها، وتذييل ما يتَّصل بها، وينخرط في سلكها وكسر دفتر جامع عليها، وإعطائها من النِّيقة حقها. وأنا ألوذ بأكناف المحاجزة وأحوم حول المدافعة”.

إلى أن يقول الثعالبي: “فقال لي: إنك إن أخذت فيه أجدت وأحسنت، وليس له إلا أنت. فقلت له: سمعًا سمعًا، فأقام لي في التأليف معالم أَقِفُ عندها، وأقفو حدَّها، وأهاب بي إلى ما اتخذته قِبلة أُصلِّي إليها، وقاعدة أبني عليها من التمثيل والتنزيل والتفصيل والترتيب والتقسيم والتقريب”.

ثم يقول الثعالبي: “وأمر -أعلى الله أمره- بتزويدي من ثمار خزائن كتبه -عمَّرها الله بطول عمره- ما أستَظهِرُ به على ما أنا بصدده؛ فكان كالدليل يعين ذا السفر بالزاد، والطبيب يتحف المريض بالدواء والغذاء”.

ثم يقول الثعالبي: “وَتُرِكْتُ والأدب والكتب أنتقي منها وأنتخب وأفَصِّل وأبَوِّب وأقَسِّم وأرَتب وأنتجع من الأئمة مثل: الخليل، والأصمعي، وأبي عمرو الشيباني، والكسائي، والفرَّاء، وأبي زيد، وأبي عبيدة، وأبي عبيد، وابن الأعرابي، والنضر بن شميل، وأبوي العبَّاس -يقصد أبا عباس محمد بن يزيد المبرد الأزدي، إمام نحاة البصريين في القرن الثالث، وأبا العباس أحمد بن يحيى الملقب بثعلب، إمام نحاة الكوفة في عصر المبرد- ثم يذكر الثعالبي أيضًا: وابن دريد ونِفطَويه وابن خالَوَيه والخارَزَنجي والأزهري ومن سواهم من ظرفاء الأدباء، الذين جمعوا فصاحة البلغاء إلى إتقان العلماء، ووعورة اللغة إلى سهولة البلاغة؛ كالصاحب أبي القاسم، يقصد أبا عبيد صاحب (الغريب المصنف).

 وذكر أيضًا: حمزة بن الحسن الأصبهاني وأبا الفتح المراغِيَ وأبا بكر الخوارزمي والقاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز الجُرجاني وأبا الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القَزويني.

يقول الثعالبي:”وأجتبي من أنوارهم، وأجتني من ثمارهم، وأقتفي آثار قوم قد أقفرت منهم البقاع وأجمع في التأليف بين أبكار الأبواب والأوضاع، وعُون اللغات والألفاظ كما قال أبو تمَّام:

 أمّا المعاني فهي أبكار إذا افــــ

*ـــتُضَّتْ ولكنَّ القوافِيَ عُونُ

 انتهى كلامه.

إذًا، إن هذا الوزير كان سببًا مهمًّا في تأليف هذا الكتاب؛ حيث ذكر الثعالبي أن صحبته له هي التي أوحت إليه بمادة الكتاب، ليس هذا فقط، كما أن هذا الوزير هو الذي اختار للثعالبي عنوان كتابه؛ إذ يقول الثعالبي:

“ثم اعترضتني أسباب وعَرَضت لي أحوال أدَّت إلى إطالة عِنانِ الغيبة عن تلك الحضرة المسعودة، ولما عاودتُ رواقَ العزِّ واليُمن من حضرته، وراجعت روح الحياة ونسيم العيش بخدمته، وجاورت بحر الشَّرف والأدب من عالي مجلسه، أدام الله أسَّ الفضل به، فتح لي إقبالهُُ رِتاجَ التخير، وأزهر لي قربه سِراجَ التَّبَصُّر في استتمام الكتاب وتقرير الأبواب، فبلغت بها الثلاثين على مهل ورويَّة، وضمَّنتها من الفصول على ما يُناهِزُ ستَّمائة”.

وبعد أن ذكر الأبواب الثلاثين وما تضمنته من فصول، ختم مقدمته بقوله:

“وقد اخترت لترجمته، وما أجعله عنوان معرفته ما اختاره -أدام الله توفيقه- من (فقه اللغة) وشَفَعْتُهُ بـ”سر العربية”؛ ليكون اسمًا يوافق مسمَّاه ولفظًا يطابق معناه. وعهدي به -أدام الله تأييده- يستحسن ما أنشدته لصديقه أبي الفتح: علي بن محمد البُستيِّ ورَّثه الله عمره:

لا تُنكِرَنَّ إذا أَهدَيتُ نحوك مِنْ

*علومِكَ الغُرَّ أو آدابكَ النُّتَفا

فَقَيِّم الباغ قد يُهدي لمالكه

*برسمِ خِدمَتِهِ من باغهِ التُّحَفا

 “فَقَيِّم الباغِ”: الباغ هو الكرم والبستان.

يقول الثعالبي: “وهكذا أقول له بعد تقديم قول أبي الحسن بن طَبَاطَبَا، فهو الأصل في معنى ما سقت كلامي إليه:

لا تُنْكِرَنْ إهداءنا لك منطِقًا

*منك استَفَدْنا حُسنَهُ ونِظامَهُ

فالله U يَشكُرُ فِعلَ مَنْ

*يَتْلو عليه وحيَهُ وكلامَهُ

error: النص محمي !!