Top
Image Alt

التعريف بالجهاد ومراحله وأهدافه، وحكم جهاد المرتدين

  /  التعريف بالجهاد ومراحله وأهدافه، وحكم جهاد المرتدين

التعريف بالجهاد ومراحله وأهدافه، وحكم جهاد المرتدين

تعريف الجهاد:

“الجِهاد” -بكسر الجيم: مصدر “جاهدت العدو مجاهدة وجهادًا”، وأصله “جيهاد” كقيتال فخفف بحذف الياء، وهو مشتق من الجَهد -بفتح الجيم- وهو التعب والمشقة؛ لما فيه من ارتكابها أو من الجُهد -بالضم- وهو الطاقة؛ لأن كل واحد منهما بذل طاقته في دفع صاحبه؛ وعليه فإن الجهاد المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان أو ما أطاق الإنسان من شيء.

والجهاد في اصطلاح علماء الشريعة: هو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله -تعالى- وفسر ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه الإمام أحمد في (مسنده) عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: ((قال رجل: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن يُسلِم قلبك لله عز وجل وأن يَسْلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. قال: وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة. قال: فما الهجرة؟ قال تهجر السوء. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد. قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم. قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عُقِر جواده وأهريق دمه)). قال صلى الله عليه وسلم: ((ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما: حجة مبرورة، أو عمرة)).

وبمثل هذا التفسير للجهاد عن نبينا صلى الله عليه وسلم فسر علماء الإسلام الجهاد: مثل الإمام ابن حجر، وابن رشد.

حكم الجهاد:

الجهاد على نوعين:

1. جهاد الطلب والابتداء: وهو تطلب الكفار في عقر دارهم ودعوتهم إلى الإسلام، وقتالهم إذا لم يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام.

وهذا النوع فرض على مجموع المسلمين يدل على ذلك قول الله: {فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّواْ سَبِيلَهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [التوبة: 5] وقال تعالى: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفّةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ} [التوبة: 36].

وقال: {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [التوبة: 41] ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم)) أو قال: ((فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)).

وجهاد الطلب -على الصحيح- هو فريضة محكمة غير منسوخة، وما نقل عن بعض الصحابة من أن جهاد الكفار ابتداء تطوع، إنما يريدون به: أنه ليس فرضًا عينيَّا على كل مسلم، بل هو فرض كفائي، ويستحب أن يجاهد المسلم تطوعًا إذا قام غيره بالفرض، ولا يجوز أن يحمل كلامهم على غير هذا.

يقول ابن قدامة محتجًّا لمذهب الجمهور: “ولنا قول الله -تعالى: {لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ} [التوبة: 122] ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه”.

2. جهاد الدفع: وحكمه أنه فرض عين على المسلمين عمومًا؛ حتى يندفع شر الأعداء، وهذا بإجماع العلماء.

قال الجصاص: “ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو، ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم: أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة؛ إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم”.

ومن هنا ندرك أن تشريع الجهاد ضرورة، وأن هذا كان سببًا من أسباب الإبقاء على الدين، ومشروعية الجهاد إنما كانت بعد موسى عليه السلام في تاريخ النبوات؛ فإن الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى هم الذين طلبوا أن يجعل الله -تبارك وتعالى- لهم نبيًّا يقاتلون معه وبه لإقرار الحق، ونشر العلم والقصة في سورة البقرة

ونرى أيضًا: أن الجهاد يبرز إيجابية المسلم: فالمسلم يسلم باطنه وظاهره لله تعالى، وليست الحياة الدنيا في مفهوم المسلم مغنمًا يحرص عليه؛ وإنما هي مجال يطيع الله -تعالى- فيه ومن خلاله؛ ليغنم رضوان الله وجنته بعد هذه الحياة.

الجهاد يبرز أعلى درجات الاستسلام والطاعة لله؛ لأن المجاهد يدفع روحه لله، ويقبل بالموت راضيًا في سبيل الله.

الجهاد بذل للمال وللنفس، وترك للدنيا من أجل إعلاء كلمة الله -تبارك وتعالى- وذلك هو ذروة سنام الإسلام، قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 – 171].

إن الجهاد في الإسلام له غاية معلومة، وسبيل مفهومة من خلال تشريعه الصريح، وتطبيقاته عبر التاريخ.

مراحل تشريع الجهاد:

إن الجهاد بنوعيه جهاد الطلب، وجهاد الدفع مرا بعدة مراحل قبل أن يصل إلى حكمه النهائي، من هذه المراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة الكف عن المشركين، والإعراض عنهم، والصبر على أذاهم، مع الاستمرار في دعوتهم إلى دين الحق، يدل على هذه المرحلة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا)) وهذا منصوص عليه في كتاب الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوَاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلآ أَخّرْتَنَا إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدّنْيَا قَلِيلٌ وَالاَخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ اتّقَىَ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 77].

ولما استأذن أهل يثرب ليلة العقبة نبينا صلى الله عليه وسلم أن يميلوا على أهل منى فيقتلوهم، قال: ((إني لم أؤمر بهذا)) وفي قوله تعالى: {قُل لّلّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيّامَ اللّهِ} [الجاثية: 14] قال ابن كثير: أي: يصفحوا عنهم، ويحملوا الأذى منهم. وهذا كان في ابتداء الإسلام.

المرحلة الثانية: إباحة القتال من غير فرض، ومن أدلة هذه المرحلة قوله تعالى: {إِنّ اللّهَ يُدَافِعُ عَنِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ} [الحج: 38 – 40]. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية -وقال غير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية.

المرحلة الثالثة: فرض القتال على المسلمين لمن يقاتلهم فقط، ومن أدلة هذه المرحلة قول الله -تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلّ مَا رُدّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوَاْ إِلَيْكُمُ السّلَمَ وَيَكُفّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مّبِيناً} [النساء: 90، 91].

المرحلة الرابعة: قتال جميع الكفار على اختلاف أديانهم وأجناسهم ابتداء، وإن لم يبدءوا بقتال حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وهذا على خلاف بين العلماء، وهذه المرحلة على كل حال بدأت من انقضاء أربعة أشهر من بعد حج العام التاسع من الهجرة، ومن بعد انقضاء العهود المؤقتة، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم والعمل على هذه المرحلة الأخيرة، وعليها استقر حكم الجهاد. ومن أدلتها قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّواْ سَبِيلَهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [التوبة: 5].

وقال تعالى: {قَاتِلُواْ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتّىَ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].

أهداف الجهاد وغاياته:

وللجهاد حكم بالغة وأهداف جليلة، شرع ذلك العليم الخبير، والهدف الرئيس هو تعبيد الناس لله وحده، وإخراج الخلق من العبودية للعباد إلى عبودية رب العباد، وإزالة هذه الطواغيت من الأرض جميعًا، وإخلاء العالم من الفساد، وذلك أن خضوع البشر للبشر هو من أعظم الفساد.

وتقديم أنواع العبادة لهم من الدعاء، والنذر والتعظيم والتشريع، والتحاكم هو أسُّ فساد الأديان المتعاقبة من لدن نوح عليه السلام إلى يومنا هذا، وهو انحراف بالفطرة السوية عما خلقها الله عليه من التوحيد، كما قال عز وجل على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم: ((إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن هم أتتهم الشياطين؛ فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا)) إذًا: هدف الجهاد الأكبر هو إرجاع البشر إلى الأصل، وهو العودة إلى الملة الحنيفية التي بها يخضعون لرب العالمين.

والأدلة على أن هذا هو هدف الجهاد الأكبر قول الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ} [البقرة: 193]

وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39].

قال ابن كثير: ثم أمر الله -تعالى- بقتال الكفار حتى لا تكون فتنة -أي: شرك- قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم، ويكون لله، أي: يكون دين الله هو الظاهر على سائر الأديان، والنبي صلى الله عليه وسلم: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) ويقول: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)) وكان يقول: ((بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله -تعالى- وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري)).

وهناك أهداف وحكم للجهاد كلها تابعة للهدف الرئيس الذي تقدم آنفًا، ومن ذلك على سبيل المثال:

  1. رد اعتداء المعتدين على المسلمين، قال -سبحانه: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] وقال تعالى: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نّكَثُوَاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمّواْ بِإِخْرَاجِ الرّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مّؤُمِنِينَ} [التوبة: 13].
  2. إزالة الفتنة عن الناس حتى يستمعوا إلى دلائل التوحيد من غير عائق، وحتى يروا نظام الإسلام مطبقًا؛ ليعرفوا ما فيه من عدل وصلاح وإصلاح.
  3. حماية الدولة الإسلامية من شر الكفار، ومن الأدلة على هذا الهدف العظيم ما رواه أحمد في (مسنده) بسنده عن ابن عبد الله بن أنيس، قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة، فائته فاقتله)) قال: قلت: يا رسول الله، انعته لي حتى أعرفه، قال: ((إذا رأيته وجدت له قشعريرة)).

قال: فخرجت متوشحًا بسيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلًا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدته ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة؛ فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود؛ فلما انتهيت له، قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لهذا، قال: أجل، أنا في ذلك.

قال: فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته؛ ثم خرجت، وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني فقال: ((أفلح الوجه)) قال: قلت: قتلته يا رسول الله، قال: ((صدقت)) قال: ثم قام معي رسول الله؛ فدخل في بيته فأعطاني عصا، فقال: ((امسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس)).

قال: فخرجت بها على الناس؛ فقالوا: ما هذه العصا. قال قلت: أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني أن أمسكها قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله؛ فتسأله عن ذلك، قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله: لمَ أعطيتني هذه العصا؟ قال: ((آية بيني وبينك يوم القيامة إن أقل الناس المنحصرون، يومئذ يوم القيامة)) فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فصبت معه في كفنه ثم دفنا جميعًا، ومن ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف اليهودي وسلام بن أبي الحقيق؛ فإنهما كانا مصدرًا خطر على الدولة الإسلامية؛ فأرسل لهما النبي من يقتلهما، وقد مضى معنا ذلك.

  • إرهاب الكفار وإخزاؤهم وإذلالهم وتوهين كيدهم وإغاظتهم، قال -جل من قائل: {وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ} [الأنفال: 60] وقوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَىَ مَن يَشَآءُ} [التوبة: 14، 15] وقال -جل من قائل: {ذَلِكُمْ وَأَنّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 18].

ولا تقتصر تلك الحكم، وتلك الأهداف السامية، والمصالح الكريمة، والفوائد العظيمة على ما يتحقق في أنفس الكفار من الرهبة، وإنما تتحقق مصالح للمسلمين في ذوات أنفسهم إذا مارسوا الجهاد، منها على سبيل المثال:

  1. كشف المنافقين.
    1. تمحيص المؤمنين من ذنوبهم.
    1. تربية المسلمين على الصبر والثبات والطاعة، وبذل النفس.
    1. تلك الغنائم التي كانت تمد دولة الإسلام وتقويها، وإن لها لموقعًا في النفس البشرية إلى غير من الفوائد والحكم التي تجل عن الحصر، وتفوق على العد بحمد الله تبارك وتعالى.

حكم جهاد المرتدين:

قدمنا أن الردة والنفاق من أخبث أنواع الكفر، قال تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ} [البقرة: 217] وقال: {إِنّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} [النساء: 145] والردة -والعياذ بالله: الرجوع عن دين الإسلام، فكل من دخل في الإسلام ثم خرج منه إلى دين النصارى أو اليهود أو أي دين من الأديان الوضعية كالبوذية أو إلى غير دين كالملاحدة أو نقض إسلامه بناقض، وإن لم يرد الخروج من الإسلام بالكلية؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكل من تلبس بنوع من أنواع الشرك والكفر والنواقض الآتية بعد دخوله في الإسلام يجاهد بالسيف بعد قيام الحجة الرسالية عليه.

الترغيب في الجهاد وبيان فضائله:

ومما ورد في الترغيب في الجهاد وبيان فضائله، ذلك الركن من أركان الإسلام الذي لا قوام للإسلام ولا قوام لشرائعه إلا به قول الله: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاّ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] وقال: {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [البقرة: 218] وقال -جل من قائل: {وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 – 171].

وفي (صحيح البخاري) من حديث أبي هريرة أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؛ قال: ((لا أجده)) قال: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك؛ فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر)) قال: ومن يستطيع ذلك. قال أبو هريرة: “إن فرس المجاهد ليستن في طِوَله فيكتب له حسنات”. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)) الحديث.

error: النص محمي !!