Top
Image Alt

التعريف بالخوارج، وذِكْر أسباب خروجهم

  /  التعريف بالخوارج، وذِكْر أسباب خروجهم

التعريف بالخوارج، وذِكْر أسباب خروجهم

أ. التعريف بالخوارج لغةً واصطلاحًا:

“الخوارج” في اللغة: جمع خارج. و”خارجيٌّ”: اسم مشتق من الخروج، وقد أطلق علماء اللغة كلمة الخوارج في آخر تعريفاتهم اللغوية في مادة “خرج” على هذه الطائفة من الناس معللين ذلك بخروجهم عن الدين، أو على الإمام أو لخروجهم على الناس.

أما تعريف الخوارج في الاصطلاح: فقد اختلف العلماء في تعريفهم اصطلاحًا، وحاصل ما ذكروه من التعريفات هو:

أولًا: منهم من عرف الخوارج تعريفًا سياسيًّا عامًّا؛ بحيث قد اعتبر الخروج على الإمام المتفق على إمامته الشرعية خروجًا في أي زمان كان، قال الشهرستاني -رحمه الله: “كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًّا؛ سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين لهم بإحسان والأئمة في كل زمان.

ثانيًا: بعض أهل العلم عرف الخوارج اصطلاحًا بأنهم: الطائفة الذين خرجوا على الإمام علي رضي الله عنه وفي ذلك يقول الأشعري -رحمه الله: “والسبب الذي سموا له: “خوارج” خروجهم على علي بن أبي طالب رضي الله عنه “.

وقد زاد الإمام ابن حزم فقال: إن اسم الخارجي يلحق كل من أشبه الخارجين على الإمام علي أو شاركهم في آرائهم في أي زمن، وهذا يتفق مع تعريف الشهرستاني.

ثالثًا: ما ذكره بعض علماء الإباضية بأنهم طوائف من الناس في زمن التابعين، وتابعي التابعين أولهم نافع بن الأزرق. وهذا التعريف لم يقل به أحد فيما نعلم سوى الإباضية، وهذا التعريف لأبي إسحاق أطفيش، وهو إباضي، ويريد منه أن يبين أنه لا علاقة بين المحكمة الأولى الذين لا يعتبرهم خوارج لشرعية خروجهم -كما يزعم- وبين من بعدهم إلى قيام نافع سنة أربعة وستين.

وهذا التعريف الأخير غير مقبول حتى عند بعض علماء الإباضية، ويبقى الراجح هو التعريف الثاني؛ لكثرة من مشى عليه من علماء الفرق في تعريفهم بفرقة الخوارج، وقيام حركتهم ابتداء من خروجهم في النهروان، وهو ما يتفق أيضًا مع مفهوم الخوارج كطائفة ذات أفكار وآراء اعتقادية أحدثت في التاريخ الإسلامي دويًّا هائلًا.

ب. ألقاب الخوارج:

للخوارج ألقاب كثيرة سأذكرها، وأبين وأشير -إن شاء الله- لماذا أطلقت عليهم هذه الألقاب.

اللقب الأول: “الخوارج”: وقد سموا بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بأنهم يخرجون على حين فرقة من المسلمين؛ ولأنهم يخرجون على أئمة المسلمين وعلى جماعتهم بالاعتقاد والسيف، وهذا وصف عام لكل من سلك سبيلهم إلى يوم القيامة.

اللقب الثاني: “المحَكِّمَة”: وقيل لهم المحكمة؛ لأنهم فارقوا عليًّا رضي الله عنه وجماعة المسلمين بسبب مسألة التحكيم، حينما زعموا أن عليًّا حكَّم الرجال، وقالوا: لا حكم إلا لله، وقد كفروا عليًّا والحكمين، ومن قال بالتحكيم ورضي به، وهذا اسم لجماعة الخوارج الأولين -أعني: الذين خرجوا على الإمام علي رضي الله عنه وكان سبب الخروج ينحصر في مسألة التحكيم.

اللقب الثالث: “الحرورية”: وهم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وجماعة الصحابة؛ وقيل لهم حرورية لأنهم حين خرجوا انحازوا إلى مكان يقال له حروراء بالعراق.

اللقب الرابع: “أهل النهروان”: نسبة إلى المكان الذي قاتلهم فيه علي رضي الله عنه وهم الحرورية المحكمة.

اللقب الخامس: “الشُّراة”: وأطلق عليهم هذا اللقب؛ لأنهم زعموا أنهم يَشْرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله في قتالهم المسلمين، وقد أطلق على فئات من الخوارج الأولين، ولا يزال الخوارج المعاصرون -كالإباضية مثلًا- يرون هذا الوصف يمكن تحقيقه إذا توافرت شروطه، ويعدونه مسلكًا من مسالك الدين.

اللقب السادس: “المارقة”: وسموا بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماهم مارقة، ووصفهم بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

اللقب السابع: “المكفِّرة”: وذلك لأنهم يكفِّرون بالكبائر، ويكفِّرون من خالفهم من المسلمين، وهذا وصف لكل من نهج هذا النهج في كل زمان؛ فكل من كفَّر بالكبيرة أو كفَّر من خالفه في مسألة ما من المسلمين كفَّره هكذا مباشرة؛ فيمكن أن يطلق عليه هذا اللقب -أعني به لقب المكفِّرة.

اللقب الثامن: “السبئية”: وذلك لأن منشأهم من الفتنة التي أوقدها عبد الله بن سبأ اليهودي، وهذا وصف أصيل لأصول الخوارج الأولين ورءوسهم.

اللقب التاسع: “الناصبة”: وسموا أو أطلق عليهم الناصبة؛ لأنهم ناصبوا عليًّا رضي الله عنه كما ناصبوا آله العداء، وصرحوا ببغضهم.

جـ. متى خرج الخوارج؟

اختلف المؤرخون وعلماء الفرق في تحديد بدء نشأتهم، وخلاصة ذلك ما يلي:

قيل بأنهم بدءوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقيل بأنهم نشئوا في عهد عثمان رضي الله عنه، وقيل بأنهم نشئوا في عهد علي رضي الله عنه حين خرج عليه طلحة والزبير -كما يزعم بعض علماء الإباضية- وقيل: خرجوا حين خرج الخوارج من المحَكِّمة عن جيشه، وهذا هو الراجح، وقيل: بأنهم ظهروا في عهد نافع بن الأزرق ابتداءً من سنة أربعة وستين هجرية، كما تقدم إشارة إلى شيء من ذلك في التعريف بالخوارج.

وأود هنا أن أناقش هذه الأقوال، وأن أبين الصحيحَ منها فأقول -وبالله التوفيق:

بالنسبة للقول الأول: الذين ذهب أصحابه إلى أن الخوارج خرجوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم قصدوا بذلك ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم من قيام ذي الخويصرة -واسمه عبد الله ذي الخويصرة التميمي- في إحدى الغزوات في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم معترضًا على قسمة الرسول صلى الله عليه وسلم للفيء، وأنه لم يعدل -وحاشاه، صلى الله عليه وسلم، من ذلك.

وقد قال بهذا القول كثير من العلماء؛ منهم: الشهرستاني، وابن حزم، وابن الجوزي، والآجري؛ إلا أنه ينبغي التفريق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وبين ظهور الخوارج كفرقة لها آراء وتجمع قوي؛ فذو الخويصرة لا يعتبر في الحقيقة زعيمًا للخوارج؛ لأن فعلته حادثة فردية تقع للحكام كثيرًا ولم يكن له حزب يتزعمه، ولا كان مدفوعًا من أحد إلا طمعه وسوء أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو رجل كان يطمع في المال، ولا يعرف الأدب فاندفع وقال ما قال، ولكن -مع كل ذلك- يمكن لنا أن نقول: بأن نزعة الخروج قد بدأت بذرتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أرى أن نتجاوز هذا الأمر.

وأما بالنسبة للقول الثاني: وهو الذي ذهب أصحابه إلى أن الخوارج خرجوا ونشئوا في عهد عثمان رضي الله عنه فهذا الرأي لبعض العلماء أيضًا؛ كابن كثير، وابن أبي العز -رحمهما الله تعالى- ولكن يرد على هذا أن أولئك الثوار البغاة كان هدفهم قتل عثمان رضي الله عنه وأخذ المال، ولا ينطبق عليهم وصف فرقة ذات طابع عقائدي خاص؛ ولهذا اندمجوا مع المسلمين بعد تنفيذ جريمتهم ولم يشكلوا فرقة مستقلة، وإن كان فعلهم يعتبر خروجًا عن الطاعة وخروجًا على الإمام إلا أنهم ليسوا هم الخوارج كفرقة عقائدية سياسية لما تقدم.

وأما بالنسبة للقول الثالث: وهو أنهم نشئوا في عهد علي رضي الله عنه حين خرج عليه طلحة والزبير؛ فإنه قول مردود؛ فإن طلحة والزبير رضي الله عنهما لا يصح وصفهما بالخوارج، ولا ينطبق عليهما وصف الخوارج كفرقة، وكان معهما أيضًا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وقد شهد الله لها بالإيمان، وطلحة والزبير رضي الله عنهما من العشرة المبشرين بالجنة.

وأما بالنسبة للقول بأن نشأتهم تبدأ من قيام نافع بن الأزرق فإنه لم يقل به غير من ذكرنا من علماء الإباضية؛ وذلك لنفيهم وجود صلة ما بين المحكِّمَة، ومن سار على طريقتهم وبين الأزارقة بعدهم؛ وهو قول غير مقبول لوجود تسلسل الأحداث وارتباطها من المحكمة إلى ظهور نافع بن الأزرق.

والحاصل أن الخوارج بالمعنى الصحيح: اسم يطلق على تلك الطائفة ذات الاتجاه السياسي والآراء الخاصة، والتي خرجت عن جيش الإمام علي رضي الله عنه والتحموا معه في معركة النهروان الشهيرة.

د. أسباب خروج الخوارج:

عندما نأتي لنبحث عن الأسباب، والعوامل التي أدت إلى خروج الخوارج؛ نجد أن العلماء يختلفون في هذا السبب أو ذاك، وفي تحديد مدى فاعلية بعض الأسباب؛ ولكني أرى -والله أعلم- أن الراجح في ذلك أن هناك أسبابًا مجتمعة هي التي أدت إلى خروج الخوارج، وسأوجز -إن شاء الله- أهم هذه الأسباب فيما يلي:

السبب الأول: النزاع على الخلافة:

ربما يكون هذا هو أقوى الأسباب في خروجهم؛ فالخوارج لهم نظرة خاصة في الإمام معقدة وشديدة، والحكام القائمون في نظرهم لا يستحقون الخلافة؛ لعدم توفر شروط الخوارج القاسية فيهم، أضف إلى هذا عدم الاستقرار السياسي الذي شجعهم على الخروج، وإلى الحسد الذي كان كامنًا في نفوسهم ضد قريش، إضافة إلى أنهم فسروا الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما بأنه نزاع حول الخلافة، ومن هنا استسهلوا الخروج على علي ومعاوية من بعده.

السبب الثاني: قضية التحكيم:

وقضية التحكيم من الأسباب الواضحة في خروج الخوارج -وإن كان لا وجه لهم في ذلك.

هؤلاء الخوارج أجبروا الإمام عليًّا رضي الله عنه على قبول التحكيم، وحينما تم ذلك طلبوا منه أن يرجع عنه، وأن يعلن إسلامه لأنهم كفَّروه؛ فرد عليهم رضي الله عنه ردًّا عنيفًا، وهناك من العلماء من يقلل من شأن هذه القضية كعامل في ظهور الخوارج، ولا شك أن هذا خطأ؛ فقد كان التحكيم من الأسباب القوية في ظهورهم.

وقد رد بعض العلماء وشنع على من يقول من المؤرخين وكتَّاب الفرق بأنه كان في قضية التحكيم خداع ومكر؛ كالقاضي ابن العربي في كتابه: (العواصم من القواصم)؛ حيث فصل القول في هذا الأمر.

السبب الثالث: جور الحكام وظهور المنكرات:

والسبب هذا واضح عند الخوارج، وواضح من حديثهم وكلامهم على المنكرات التي تظهر بين الحين والآخر في المجتمعات، ونحن نجد أن الخوارج دائمًا يرددون في خطبهم ومقالاتهم أن الحكام ظلمة، وأن المنكرات فاشية، ولا شك أن الواقع يبين أنهم حينما خرجوا فعلوا أضعاف ما كان موجودًا من المظالم والمنكرات؛ فهم عابوا على غيرهم وجود بعض المخالفات؛ ولكنهم لما قاموا وقعوا في منكرات أشد وأعظم؛ وذلك لأنهم رأوا أن قتال مخالفيهم لهم قربة إلى الله تعالى وأن الأئمة ابتداء بالإمام علي، مع عدله وفضله ومكانته رضي الله عنه ثم بحكام الأمويين والعباسيين، كلهم ظلمة في نظرهم دون تحرٍّ أو تحقيق، مع أن إقامة العدل والنهي عن المنكرات يتم بغير تلك الطريقة التي ساروا عليها في استحلال دماء مخالفيهم حكامًا ومحكومين بعد أن اتهموهم بالكفر -والعياذ بالله.

السبب الرابع: العصبية القبلية:

هذه العصبية القبلية جاء الإسلام وقضى عليها، حتى ماتت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر وعمر -رضوان الله تعالى عليهما، ولكنها قامت بعد ذلك في عهد الخليفة الراشد الزاهد عثمان رضي الله عنه وما بعده، وكانت قوية وشرسة، وهذه العصبية القبلية كانت قبل الإسلام بين ربيعة وبين مُضَر، وقد قال المأمون في إجابته لرجل من أهل الشام طلب منه الرفق بالخوارج: “وأما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مُضَر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريًا”.

وهناك أسباب أخرى أشير إليها إشارة سريعة بعد أن فصلت هذه الأسباب الأربعة، وهذه الأسباب ترجع إلى بعض العوامل الاقتصادية، ونفهم هذا من قصة ذي الخويصرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم كما أيضًا نفهم هذا من ثورة هؤلاء الخوارج الممقوتة على عثمان رضي الله عنه وذلك حيث نهبوا بيت المال بعد قتله مباشرة؛ كما أنهم نقموا على علي رضي الله عنه في معركة الجمل، ومن الأسباب التي أجملها: هو الحماس الديني الذي مدحهم به بعض المستشرقين كـ”جولد تسيهر” حينما ذكر أن تمسك الخوارج الشديد بالقرآن أدى بهم إلى الخروج على المجتمع. ولا شك أن هذه مغالطة واضحة؛ لأن التمسك بالقرآن والسنة لا يؤدي إلى سفك الدماء بغير حق.

error: النص محمي !!