Top
Image Alt

التعريف بالكتب السماوية السابقة

  /  التعريف بالكتب السماوية السابقة

التعريف بالكتب السماوية السابقة

أولًا: التعريف بالكتب السماوية المنزلة, التي ورد ذكرها في القرآن الكريم:

إن الإيمان بأركان الإيمان الستة الواردة في حديث جبريل عليه السلام وهي: الإيمان بالله تعالى، وملائكته عليهم السلام، وكتبه السماوية المنزلة، ورسله المصطفين -عليهم الصلاة والسلام- والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، حُلوه ومره- من الأمور الغيبية التي لا مجالَ في معرفتها والإحاطة بها بالرأي والاجتهاد؛ بل تتوقف معرفتها والإحاطة بها على الوحي الوارد في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فما فُصِّلَ لنا الحديث عنه في القرآن الكريم من هذه الأمور الستة وجب علينا معرفته بتفاصيله، وما أُجمل لنا الحديث عنه وجب علينا الإيمان به مجملًا، وكذلك فيما يرد في السنة المطهرة.

ومن هنا كان الحديث عن كتب الله تعالى المنزلة متوقفًا على الوحي -أي: ما ورد في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهناك آيات كثيرة وردت في شأن كتب الله تعالى المنزلة على الرسل؛ ففي بعض تلك الآيات تصريح بكتب سماوية منزلة على رسلٍ معينين, فهناك آيات صرحت بنزول الصحف على إبراهيم عليه السلام, وآيات صرحت بنزول صحف على موسى عليه السلام مع التصريح بنزول التوراة عليه أيضًا، وكذلك التصريح بنزول الزبور على داود عليه السلام, ونزول الإنجيل على عيسى عليه السلام, ثم نزول خاتمة كتب الله تعالى المنزلة وآخر رسالات الله إلى الأرض الكتاب الباقي للبشرية إلى قيام الساعة؛ القرآن الكريم المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وهناك بعض الآيات تُشير إلى كتب سماوية أنزلت على بعض الرسل، لم يخبرنا القرآن الكريم بأسمائها، إنما اكتفَى بالإشارة إليها، وذلك في قوله تعالى: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ} [الشورى: 15]. فكما أن هناك رسلًا لم يقصصهم الله تعالى علينا نؤمن برسالتهم في الجملة، كذلك هناك كتب أنزلت على رسل لم يخبرنا القرآن الكريم بأسمائها ولم يعطنا تفاصيل عنها، فنؤمن بنزولها في الجملة؛ لأن الحديث في هذا الموضوع من الأمور الغيبية التوقيفية التي يتوقف الحديث عنها، ومعرفة تفاصيلها على ما يورده الوحي من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

إذًا: الكلام عن الكتب السماوية والتعريف بها، وذكر ما يتعلق بها -من الأمور الغيبية التي نحن نتوقف في معرفتها، وذكرها على ما ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليس هناك مصدر يمكن أن نستقي منه هذا الكلام عن هذه الكتب، فمثلًا: الكتب السماوية السابقة قد لحقها التحريف، وحَرَّفتها أيدي البشر من أتباع هذه الديانات، إذًا: هي ليست مصدرًا ولا مرجعًا لمعرفة كتب الله تعالى المنزلة.

بينما كتاب الله المنزل على خاتم رسل الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم، كتاب لم تلمس فيه يد البشر بالتحريف، بل تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه، وذلك في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر: 9]، فقد حفظه الله سبحانه وتعالى من التحريف، وسيستمر ذلك الحفظ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهذا الكتاب هو الكتاب الموثوق به، الوحيد الذي يمكن أن يكون مصدرًا ومرجعًا للتعريف بكتب الله تعالى، ومعرفة المصرح به من المجمل، وعلى مَن أُنزل؟ وما الأمور التي اشتمل عليها؟

أ. صحف إبراهيم وموسى:

هذه الصحف من الكتب المنزلة على هذين النبيين الكريمين، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة النجم، قال تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى} [النجم: 36-41].

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- في تفسير هذه الآيات:

“{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ} هذا المدعي {بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} أي: قام بجميع ما ابتلاه الله به، وأمره به من الشرائع وأصول الدين وفروعه، وفي تلك الصحف أحكام كثيرة، من أهمها: ما ذكره الله بقوله: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} أي: كل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحدٌ عن أحدٍ ذنبه، {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} في الآخرة فيميز حسنه من سيئه، {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى} أي: المستكمل لجميع العمل الحسن الخالص بالحسنى، والسيِّئ الخالص بالسوأى والمشوب بحسبه, جزاء تقر بعدله وإحسانه الخليقة كلها” انتهى كلامه.

ففي آيات سورة النجم تعريف لنا ببعض الأحكام الواردة, في صحف إبراهيم وموسى -عليهما السلام.

كما ورد ذكر صحف إبراهيم وموسى -عليهم السلام- في سورة الأعلى، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 18، 19].

ذكر الإمام ابن كثير -رحمه الله- الخلاف في المشار إليه بقوله: {إِنَّ هَذَا}؛ هل هو الإشارة إلى ما ورد في سورة الأعلى كاملة؟ أم هو إشارة إلى قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 14-17]؟

وذكر ابن كثير -رحمه الله- أن هذا الرأي الأخير هو الراجح؛ وهو أن تكون الإشارة في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا} إشارة إلى الآيات بعدها, وهي{قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}: أي: يرجح ابن جرير رحمه الله -كما ينقل الإمام ابن كثير- أن الإشارة إلى هذه الآيات، وليس إلى السورة كاملة.

ثم نقل ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهماأنه قال: “لَمَّا نزلت: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} قال: كلها في صحف إبراهيم وموسى، ولما نزلت: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} قال: وَفَّى إبراهيم, {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[ يعني: أن هذه الآية كقوله تعالى في سورة النجم: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى} الآيات” انتهى كلامه.

وروى ابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ((قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالًا كلها، قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى عليه السلام؟ قال: كانت عبرًا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأنّ إليها، عجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم لا يعمل)) انتهى كلامه بنصه.

ب. زبور داود عليه السلام:

الكتاب الذي أنزل على نبي الله داود عليه السلام اسمه الزبور، من الزبر وهو الكتابة؛ ولهذا قال تعالى واصفًا اللوح المحفوظ عنده بالكتاب في قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون} [الأنبياء: 105], فالزبور هنا المراد به اللوح المحفوظ. أما زبور داود عليه السلام فقد ورد ذكره في سورتين: الأولى في سورة النساء، وهي قوله تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163] والثانية سورة الإسراء عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: 55].

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- في تفسير هذه الآية, والتي قبلها:

يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله من الشرع العظيم, والأخبار الصادقة ما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وفي هذا عِدة فوائد:

منها: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من الرسل، بل أرسل الله قبله من المرسلين العدد الكثير والجم الغفير، فاستغراب رسالته لا وجه له إلا الجهل أو العناد.

ومنها: أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم من الأصول والعدل الذي اتفقوا عليه، وأن بعضهم يصدق بعضًا، ويوافق بعضهم بعضًا.

ومنها: أنه من جنس هؤلاء الرسل، فليعتبره المعتبر بإخوانه المرسلين، فدعوته دعوتهم، وأخلاقهم متفقة، ومصدرهم واحد، وغايتهم واحدة، فلم يقرنه بالمجهولين، ولا بالكذابين، ولا بالملوك الظالمين.

ومنها: أن في ذكر هؤلاء الرسل وتعدادهم من التنويه بهم, والثناء الصادق عليهم، وشرح أحوالهم؛ مما يزداد به المؤمن إيمانًا بهم ومحبة لهم واقتداءً بهديهم.

ولَمَّا ذكر اشتراكهم بوحيه ذكر تخصيص بعضهم؛ فذكر أنه آتى داود الزبور، وهو الكتاب المعروف المزبور الذي خص الله به داود عليه السلام؛ لفضله وشرفه.

وهذا من كمال عِزته تعالى وحكمته أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وذلك أيضًا من فضله وإحسانه. انتهى كلامه.

ولم نقف على تفاصيل عن كتاب الله تعالى الزبور, المنزل على داود عليه السلام غير ما ذكره بإجمال الشيخ السعدي في كلامه المنقول سابقًا. 

ج. توراة موسى عليه السلام:

لقد تقدم معنا ذكر الصحف المنزلة على إبراهيم وموسى -عليهما السلام- فمن العلماء من يرى أن صحف موسى هي ما آتاه الله من الوحي قبل أن تنزل عليه التوراة مشافهةً من غير واسطة, ومنهم من يرى أن الصحف المنزلة على موسى عليه السلام المراد بها التوراة لا شيء آخر، والقرآن يعبر عن الكتاب المنزل على موسى عليه السلام تارةً بالتوراة، وتارةً بالصحف، وتارةً أخرى بالألواح.

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله-:

ثم أخبر تعالى أنه كتَبَ له في الألواح من كل شيء موعظةً وتفصيلًا لكل شيء. قيل: كانت الألواح من جوهر، وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظَ وأحكامًا مفصلةً مبينةً للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملةً على التوراة التي قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} [القصص: 43] وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة, فالله أعلم. انتهى كلامه.

وقد أخبر الله تعالى عن التوراة المنزلة على موسى عليه السلام أن فيها هدًى ونورًا، وأثنى عليها بقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} [المائدة: 44], وهذا صريح في أن التوراة كتاب أنزل من عند الله، وأنها اشتملت على كل حق وصدق، وأن فيها الهدى التام والنور المبين، مثلها مثل غيرها من كتب الله المنزلة.

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- في تفسير هذه الآية:

إنا أنزلنا التوراة على موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم فيها هدًى يهدي إلى الإيمان والحق ويعصِم من الضلالة، ونور يُستضاء به في ظلم الجهل والحيرة والشكوك والشبهات والشهوات، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِين} [الأنبياء: 48].

يحكم بها بين الذين هادوا -أي: اليهود- في القضايا والفتاوَى. النبيون الذين أسلموا لله، وانقادوا لأوامره، الذين إسلامهم أعظم من إسلام غيرهم، وهم صفوة الله من العباد. انتهى كلام السعدي -رحمه الله.

د. إنجيل عيسى عليه السلام:

عيسى عليه السلام هو آخر أنبياء بني إسرائيل، أوحى الله إليه الإنجيل، وهو كتاب سَماوي يتبع في تعاليمه التوراة التي سبقته المنزلة على موسى بن عمران عليه السلام ولم يخالفها إلا في القليل النادر، يقول الله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِين * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [المائدة: 46، 47].

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره:

يقول تعالى: {وَقَفَّيْنَا} أي: أتبعنا {عَلَى آثَارِهِم} يعني: أنبياء بني إسرائيل {بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} أي: مؤمنًا بها حاكمًا بما فيها، {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات، {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} أي: متبعًا لها غير مخالف لما فيها, إلا في القليل النادر مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]؛ ولهذا كان المشهور من قول العلماء أن الإنجيل نسخ بعضَ أحكام التوراة.

وقوله تعالى: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِين} [آل عمران: 138]؛ أي: وجعلنا الإنجيل هدى يُهتدى به، {وَمَوْعِظَةٌ} أي: وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم، {لِّلْمُتَّقِين} أي: لمن اتقى الله، وخاف وعيده وعقابه.

وقوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ} قرئ: “وليحكمَ أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه” بالنصب على أن اللام لام “كي”, أي: للتعليل, أي: وآتيناه الإنجيل؛ ليحكم أهل ملته في زمانهم. وقرئ: “وليحكمْ” بالجزم على أن اللام لام الأمر؛ أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أُمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد. انتهى كلامه.

إذًا: فنبي الله عيسى عليه السلام من جملة أنبياء بني إسرائيل، وهو آخرهم، وكتابه الإنجيل قريب في المماثلة للتوراة التي سبقته، والتي أُنزلت على موسى بن عمران عليه السلام؛ ولهذا كثيرًا ما يقرن القرآن الكريم بين هذين الكتابين السماويين في الحديث، كقوله تعالى: {وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل  * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ} [آل عمران: 2، 3] وكقوله تعالى: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [المائدة: 110] وكقوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157], إلى غير ذلك من الآيات.

هـ. قرآن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:

أما القرآن الكريم المنزل على سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو خاتمة الكتب السماوية المنزلة، وآخر الكتب نزولًا بعد كتاب الإنجيل المنزل على عيسى ابن مريم -عليهما السلام- فهو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة الذي نسخ الله به كلَّ الشرائع، وجعله الله حجةً على الخلائق أجمعين، ولا يقبل من أحد عملًا حتى يتبعه.

يقول الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله-:

أنه ليس لأحد الخروج عن شيء من أحكامه, وأن من كذب بشيء منه من الأمم الأولى فقد كذب بكتابه، وأن من اتبع غير سبيله ولم يقتفِ أثره ضَلَّ، كما قال تعالى: {المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين * اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون} [الأعراف: 1-3].

فلا بد في الإيمان به من امتثال أوامره واجتناب مناهيه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بقصصه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه، والوقوف عند حدوده، وتلاوته آناءَ الليل والنهار، والذبِّ عنه؛ لتحريف الغالين وانتحال المبطلين، والنصيحة له ظاهرًا وباطنًا بجميع معانيها. انتهى كلامه.

والآيات التي تُصرح بإنزال الله تعالى القرآن الكريم على خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة؛ منها قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} [المائدة: 48].

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية:

لَمَّا ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها، وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإنجيل ومدحه، وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه -كما تقدم بيانه- شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} أي: بالصدق الذي لا ريبَ فيه أنه من عند الله {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} أي: من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقًا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسل الله. انتهى كلامه.

ومن تلك الآيات أيضًا قوله تعالى: {الم * اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَام} [آل عمران: 1- 4].

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- في تفسير هذه الآية:

ومن قيامه تعالى بعباده ورحمته بهم، أن نزَّل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الذي هو أَجَلُّ الكتب وأعظمها، المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدقٌ، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه، {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب السابقة فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به؛ فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم.

ثم قال تعالى: {وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ} أي: على موسى، {وَالإِنجِيل} أي: على عيسى، {مِن قَبْلُ} أي: قبل إنزال القرآن، {هُدًى لِّلنَّاسِ} الظاهر أن هذا راجع لكل ما تقدم، أي: أنزل الله القرآن والتوراة والإنجيل هدى للناس من الضلال، فَمَن قبِلَ هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلاله. انتهى كلامه.

فالقرآن الكريم هو معجزة محمد صلى الله عليه وسلم الخالدة، فيه شفاء لأمراض القلوب والأبدان، وفيه نبأ من قبلنا، ودستور حياتنا، هو القول الفصل ليس بالهزل، من تمسك به نجا، ومن أعرض عنه هلَك.

ثانيًا: الإيمان بالأصول الأولى للتوراة والإنجيل فقط؛ لوقوع التحريف في الموجود منهما الآن:

1. وجوب الإيمان بأصول التوراة والإنجيل:

لقد بعث الله تعالى رسوله موسى بن عمران نبي الله، وكليمه إلى بني إسرائيل، وأنزل عليه كتابه التوراة فيها هدى ونور، كما ثبت في القرآن الكريم أن موسى عليه السلام طلب من ربه عز وجل أن يرسل معه أخاه هارون لفصاحته, وأن موسى عليه السلام كلّمه الله تعالى مباشرة من غير واسطة من الملائكة، وأوحى إليه التوراة حتى صار يعرف موسى عليه السلام من بين سائر الرسل بالكليم؛ وذلك لقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164], بينما كانت الرسل يأتي إليها الوحي من الله عز وجل بواسطة الملائكة.

والملك المُوَكّل بالوحي إلى الرسل هو جبريل عليه السلام, وقد ينزل معه بعض الملائكة؛ ولكن يكون ذلك بالتبعية لا الاستقلال. وقد ثبت كلام الله عز وجل مباشرة من غير واسطة لثلاثة هم: كليم الله موسى عليه السلام وقد اشتهر بذلك؛ لأن الرسالة الموحى بها إلى موسى عليه السلام ثبت أنها أوحيت إليه كفاحًا من غير واسطة، وثبت التكليم كذلك بدون واسطة لنبي الله آدم أبي البشر، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، كذلك ثبت في قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، فثبت النداء هنا لآدم عليه السلام مباشرة من غير واسطة، والمكلَّم الثالث أيضًا من غير واسطة هو خاتم الرسل والأنبياء نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك في ليلة المعراج عندما عرج به جبريل إلى السَّمَوَات السبع، وكلم الله عز وجل وأوحى الله إليه الصلوات الخمس، فثبت التكليم هنا أيضًا لآدم عليه السلام, ولخاتم المرسلين والنبيين محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد بلّغ موسى عليه السلام رسالته إلى قومه بني إسرائيل على أكمل وجه وأتمه، حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وسلم، فيجب في شريعة الإسلام الإيمان بالأصول الأولى لكتاب الله تعالى التوراة، وأنها اشتملت على صدق وحقّ وعدل؛ ولهذا وصف الله تعالى التوراة بأنها اشتملت على الهدى والنور، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور} [المائدة: 44]. وفي آية أخرى من كتاب الله تعالى وُصفت التوراة بأن فيها حكمَ الله, قال تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ} [المائدة: 43].

وكثيرًا ما يردُ في القرآن الكريم في معرض جدال أهل الكتاب, أن الله تعالى يأمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يحتجّ عليهم بما في التوراة من الحقّ, الذي يخالف ما عليه أهل الكتاب.

وهذا أكبر دليل على أن أصول التوراة كانت باقية، وفيها الحق والتوحيد، قال الله تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في إحدى المجادلات بينه وبين أهل الكتاب: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِين} [آل عمران: 93].

يقول الشيخ عبد القادر شيبة الحمد في كتابه (الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة):

التوراة في اللغة كلمة عبرانية معناها: الشريعة أو الناموس، وهي في اصطلاح اليهود: عبارة عن خمسة أسفار يعتقدون أن موسى عليه السلام كتبها بيده، وهي:

الأول: سفر التكوين.

الثاني: سفر الخروج.

الثالث: سفر اللَّاويين أو الأخبار.

الرابع: سفر العدد.

الخامس: سفر التثنية.

أما التوراة في اصطلاح النصارى, فهي تُطلق على جميع الكتب التي يسمّونها كتب العهد القديم، وهي كتب أنبياء بني إسرائيل، وتاريخ قضائهم وأخبار ملوكهم قبل المسيح عليه السلام؛ سواء عرفوا كاتبه أو لم يعرفوه، وقد يطلقون هذه التوراة على مجموع هذه الكتب وعلى الأناجيل أيضًا.

والتوراة في اصطلاح المسلمين: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى نورًا وهدًى للناس، وألقاه إليه مكتوبًا في الألواح، وقد يُطلق بعض المسلمين التوراة على مجموع كتب العهد القديم.

وسيمرّ معنا أن الكتاب المقدس الذي بأيدي اليهود والنصارى الآن, يشتمل على قسمين: قسم يسمّونه العهد القديم وهذا يقصدون به التوراة, وقسم يسمّونه العهد الجديد وفيه الأناجيل الكثيرة جدًّا، والتي اقتصروا منها على أربع: إنجيل متى، وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل برنابا، هذه الأناجيل الأربعة يسمونها العهد الجديد، ويقصدون بذلك الإنجيل، أي: يطلقون مجموعة الأناجيل على الإنجيل، وهو اسم كتاب الله المنزّل على نبيه عيسى عليه السلام.

إذًا: يجب الإيمان بالأصول الأولى للتوراة قبل التحريف، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسوله موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل, الذين كان فرعون يضطهدهم ويأمرهم بعبادته، {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} -والعياذ بالله، كما يجب الإيمان بأن الله تعالى أيّد نبيه موسى عليه السلام بكتابٍ أنزله عليه، وهو التوراة التي فيها حكم الله، والتي فيها الهدى والنور والصدق والحق, وأن خاتم النبيين محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يدعو اليهود إلى التحاكم إليها؛ إذ لما هاجر إلى المدينة -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- وجد اليهود في المدينة.

وتذكر كتب السيرة أن هناك فصيلين مشهورين في المدينة المنورة على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ قسمًا كان يسمى يهود بني قريظة، والقسم الآخر يسمى يهود بني قينقاع، فقد حاكم النبي صلى الله عليه وسلم أحد اليهود وحكم عليه بالرجم، فلما أنكروا وجود هذا الحكم ندب النبي صلى الله عليه وسلم أحد القراء الذي كان يقرأ بالعبرية إلى قراءة التوراة، فقرأها، فلما وصل القارئ إلى موضع الرجم وضعوا أيديهم عليه حتى لا يراه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيّدٌ بالوحي فأعلمه الله بهذه الحيلة، فأمر القارئ أن يقرأه فقرأ الحكم الثابت الموافق للقرآن الكريم، وهو إثبات الرجم، وسيأتينا أنهم غيّروا هذا الحكم إلى تسويد وجه الفاعل، والتشهير به بدل الحكم عليه بالرجم, وهذا تغيير وتحريف للتوراة، كما سيمرّ معنا في العصور الثانية.

وفي هذه القصة دليل على الإيمان بالأصول الأولى للتوراة، وأنها كانت موجودة، وفيها الحق والعدل والأحكام الثابتة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حاكم اليهود إلى كتابهم في أيامه صلى الله عليه وسلم.

إذًا: فأهل التوراة كتابيّون موحّدون في الأصل؛ لأن أصل التوراة فيها التوحيد والإيمان قبل أن تحرّفها أيدي المحرفين من البشر -كما صرّحت بذلك (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة). وكما وجب الإيمان بأصول التوراة -كما مر معنا- وجب الإيمان أيضًا بأصول الإنجيل، فلقد بعث الله نبيه عيسى عليه السلام رسولًا إلى بني إسرائيل، وأنزل عليه كتابًا أيّده به كما ثبت ذلك في القرآن الكريم، وأن كتاب عيسى عليه السلام اسمه الإنجيل، وهو أحد كتب الله المنزلة التي صرّح القرآن الكريم بأسمائها، قال الله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل} [آل عمران: 48]، وقال تعالى: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [المائدة: 110]، وقال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِين} [المائدة: 46].

يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية:

يقول تعالى: {وَقَفَّيْنَا} أي: أتبعنا {عَلَى آثَارِهِم} يعني: أنبياء بني إسرائيل {بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} أي: مؤمنًا بها حاكمًا بما فيها، {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات، {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} أي: متبعًا لها غير مخالف لما فيها, إلا في القليل النادر مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]؛ ولهذا كان المشهور من قول العلماء أن الإنجيل نسخ بعضَ أحكام التوراة.

وقوله تعالى: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِين} [آل عمران: 138]؛ أي: وجعلنا الإنجيل هدى يُهتدى به، {وَمَوْعِظَةٌ} أي: وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم، {لِّلْمُتَّقِين} أي: لمن اتقى الله، وخاف وعيده وعقابه” انتهى كلام ابن كثير، رحمه الله.

ويقول الشيخ عبد القادر شيبة الحمد في كتابه (الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة) في تعريف الإنجيل:

“الإنجيل كلمة يونانيّة معناها: البشارة، أما في الاصطلاح فيطلق على كتاب الله تعالى المنزّل على عيسى عليه السلام. وقد وصف الله -تبارك وتعالى- هذا الإنجيل بقوله عز وجل: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِين} [المائدة: 46]، بيد أن هذا الإنجيل لا وجود له عند النصارى، ولم يذكر أحد من علماء التاريخ أنه رأى نسخةً منه، ويبدو أن عيسى عليه السلام لم يكتبْه، وإنما كان يبشّر به في بني إسرائيل، وقد وَرَدَ ذكرُهُ في الأناجيل التي أُلّفت بعد رفع المسيح عليه السلام؛ فقد ذكره متَّى في إنجيله في الإصحاح الرابع منه” انتهى كلامه -حفظه الله.

فمِمّا سبق يتّضح لنا أنه يجب الإيمان بأصول التوراة والإنجيل، المنزّلين على النبيّين الكريمين موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام.

أما الآن فقد لحق التحريف بهذين الكتابين، ومُدَّتْ إليهما أيدي الذين يبدّلون كتاب الله ويشترون به ثمنًا قليلًا، ولم يبقَ لليهود ولا للنصارى شيء صحيح من الوحي يتمسّكون به في هذين الكتابين؛ وذلك بسبب ما يلي:

الأمر الأول: أن هذه الكتب السماوية السابقة لم يتكفّل الله عز وجل بحفظها من التغيير والتحريف والتبديل؛ لأنها كانت رسائل لأمم مخصوصين، ولفترات زمنية محدّدة، فتنتهي بانتهاء تلك الأمة، ولعلّ هذا هو السر في تحريف وضياع أصول تلك الكتب.

الأمر الثاني: أن هذه الرسالات، وهذه الكتب السماوية كانت الحكمة منها أن تنقذ أمة معينة من الضلال إلى الهدى والنور، وأن هذه الرسالات لم تكن رسالة عامة لجميع الناس, صالحة لكل زمان ومكان، كما هو الحال والشأن في رسالة الإسلام، رسالة خاتم النبيين والمرسلين محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

فهذه قد تكفّل الله تعالى بحفظها أولًا، وثانيًا أتتْ رسالة عامة لجميع البشر ولجميع الناس، لكل زمان ومكان؛ فلذلك كانت قادرة على البقاء، وتكفُّل الله سبحانه وتعالى بحفظها يدلّ دلالة قوية على أنها لن تصلْ إليها أيدي المحرفين والعابثين, إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إذًا: لم يتكفل الخالق سبحانه وتعالى بحفظ كتابٍ غير القرآن الكريم، فهو الكتاب السماوي الوحيد المحفوظ من التحريف والتبديل إلى يوم الدين, قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر: 9].

2. تحريف التوراة الموجودة الآن:

الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن أنزلت لأقوام معينين، ولفترة زمنية محدودة، ولم تنزلْ شريعة خالدة عامة؛ فلذلك لم يتكفّل الله عز وجل بحفظها كما تكفل بحفظ القرآن الكريم، فضاعت أصول تلك الكتب، وتغيّرت أحكامها؛ فالتوراة فُقدت منذ زمن قديم، وضاعت بسبب التنكيل, والنكبات التي مرّت ببني إسرائيل من قتلٍ وتشريدٍ، وتسليط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب؛ جزاء بغيهم وإفسادهم في الأرض. فالتوراة الموجودة الآن محرفة، وليست هي التوراة التي أنزلت على نبي الله موسى بن عمران عليه السلام؛ وإنما هي مجموعة من الأسفار كتبها اليهود بأيديهم، ثم قالوا: هي من عند الله؛ ليشتروا بها ثمنًا قليلًا، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُون} [البقرة: 79].

ومن الأدلة على تحريف التوراة ما تضمّنته من عقائد فاسدة، وحكايات كاذبة، وتناقضات واضحة، وإفسادٍ للأخلاق، وتزويرٍ للأحكام، فالله سبحانه وتعالى نسبت إليه التوراة من صفات النقص ما يتنزّه عنه سبحانه وتعالى؛ فجعلته إلهًا خاصًّا ببني إسرائيل، وهو سبحانه وتعالى ربّ العالمين، وصوّرته كالإنسان يتعب ويستريح فتقول: إنه خلق السَّمَوَات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع يوم السبت -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. وقد ردّ الله على كذبهم وضلالهم بقوله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوب} [ق: 38].

يقول الشيخ عبد القادر شيبة الحمد:

“اتفق المسلمون على أن التوراة قد دخلها تحريف وتغيير وتبديل، غير أن بعض العلماء يذهب إلى أن هذا التحريف لم يكن تحريفًا في حروف التوراة؛ وإنما كان في صرف المعاني التي جاءت بها التوراة إلى غير وجهها، وحملها على غير ما وُضعت له.

وسائر علماء المسلمين على أن التوراة قد دخلها تحريف في ألفاظها ومعانيها، وقد جاء التصريح بذلك في كتاب الله تعالى حيث يقول: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون} [البقرة: 75]، فدلّ هذا على أن التوراة كانت قد فُقِدَتْ، وأن الذي جاء بها هو حِلْقِيَا الذي سلّمها لِشَافَانَ الكاتب، وسلمها هذا بدوره إلى الملك؛ على أن فقد التوراة أمر متفق عليه عند جميع بني إسرائيل, فقد أقرّ الجميع أنها فُقدت مع التابوت لما خرّب بُخْتنَصّر الهيكل، وفي بعض الأخبار أنه حرّق جميع نسخ التوراة.

ونحن -المسلمين- نعتقد أن التوراة لم تحرّف تحريفًا كليًّا، وإنما وقع التحريف في بعض ألفاظها، وأن بعض الأحكام التي شرّعها الله لبني إسرائيل في التوراة لم تُبَدّل كرجم الزناة والقصاص، وإن كان اليهود قد انْحَرَفُوا عن العمل بهذه الأحكام، فبدّلوا الرجم بتسويد وجه الزاني وتشهيره.

وكذلك بعض صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بَقِيَتْ في التوراة، وإن حاول اليهود كتمان كل صفة تدلّ عليه صلى الله عليه وسلم، ولهذا المعنى يطلب الله من بني إسرائيل العمل بالتوراة وتحكيمها؛ إذ إن هذا موافق لما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ونعتقد أن من التحريف ادّعاءهم أن العزير ابن الله، وقولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75].

وكذلك ما وَصَفوا به بعض الأنبياء -عليهم السلام- كوصفهم ليعقوب بأنه صارع الرب جلّ وعلا، وكذكرهم أن لوطًا شرب الخمر وزنى بابنتيه بعد نجاته إلى جبل صوغر، وكوصفهم لداود بأنه قَبُحَ في عين الرب، إلى غير ذلك -والله أعلم” انتهى كلامه -حفظه الله.

ومن هذا نعتقد أن تحريف التوراة أمرٌ ثابت لا مرية فيه، والعقلاء من جميع الطوائف يؤكّدون ذلك ويصرّحون به؛ لأن هذه الأحكام الموجودة الآن بأيدي المتّبعين للتوراة كلها تُخالف شرع الله، فهي ضدّ التوحيد، وهي ضدّ الأحكام الثابتة التي أقرتها رسالة الإسلام.

أضف إلى ذلك تاريخ ضياع هذا الكتاب، والتشريد والاضطهاد الذي لحق بأتباعه، والقصص التاريخية التي ثبت من خلالها أن بختنصر لما حكم على اليهود بالاضطهاد، حرّق الكتب -التوراة- التي كانت بأيديهم.

3. تحريف الإنجيل الموجود الآن:

أما الإنجيل وهو الكتاب المنزّل على نبي الله عيسى عليه السلام والمعروف عند النصارى في الكتاب المقدس بالعهد الجديد، وسنذكر أنه عدّة أناجيل -فهو محرّف أيضًا مثل التوراة -كتب العهد القديم- حيث إن الإنجيل قد فُقِدَ واندثر لأمور منها، كما ذكرها صاحب كتاب (البيان في أركان الإيمان):

أولًا: الاضطهادات التي تعرّضت لها النصارى بعد المسيح عليه السلام, وكانت سببًا في اختفاء النسخة الحقيقية.

ثانيًا: أن عيسى عليه السلام كان رسولًا إلى بني إسرائيل, فرسالته محدّدة لقوم مخصوصين، والإنجيل الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على عيسى ابن مريم كتاب واحد، والإنجيل الموجود اليوم ليس إنجيلًا واحدًا؛ بل هو أناجيل كثيرة، وقد اتّفق النصارى على أربعة منها، وهي: إنجيل لوقا، إنجيل متّى، إنجيل مرقص، إنجيل يوحنّا.

فنحن أمام كُتُب أربعة، وليس أمامنا كتاب واحد, وهذا أكبر دليل على التحريف؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يثبت أنه أنزل أناجيل على عيسى عليه السلام, وإنما الثابت أنه أنزل إنجيلًا واحدًا.

ثالثًا: أننا لم نجد إنجيلًا واحدًا يُنسب لعيسى عليه السلام, وإنما هي منسوبة إلى مؤلفيها من البشر. وهذا -لعمر الله- أكبر دليل وأقواه على أن هذه الأناجيل مكتوبة بأيدي البشر، وأن الإنجيل -الرسالة السماوية التي أنزلت على عيسى عليه السلام حُرّف، وبُدّل، وضيّع، وفقد، وقد اختيرت هذه الأناجيل الأربعة من سبعين إنجيلًا، ومع ذلك بينها اختلافات كثيرة، وتُسَمّى هذه الأسفار الأربعة العهد الجديد.

ومما يدلّ على تحريف الإنجيل أن هذه الأناجيل الموجودة عبارة عن قصص، وروايات في سيرة المسيح عليه السلام، تُنسب إلى مؤلفيها، وقد اشتملتْ على عقائد باطلة لا يقرّها دين ولا يقبلها عقل، ومن ذلك:

أ. نسبة الولد إلى الله تعالى: فقد اتّفقت الأناجيل الأربعة على أن عيسى عليه السلام هو ابن الله -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- والله تعالى يقول في سورة الإخلاص: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد} [الإخلاص: 3، 4].

ب. نسبة الصلب إلى عيسى عليه السلام: وذلك تكفيرًا عن خطيئة آدم وفداءً للبشر، القصة المشهورة في دين النصارى، وأن عيسى عليه السلام صُلِبَ وقتل في هذه الدنيا؛ ليكفّر الخطيئة التي ارتكبها آدم من أكله للشجرة لما نهاه الله سبحانه وتعالى، فعندما أكل آدم من تلك الشجرة لصقت هذه الخطيئة بالبشر، فأرسل الله عيسى عليه السلام ثم قدّم عيسى عليه السلام نفسه فداءً لجميع البشر؛ من أجل أن تُمحى عنهم هذه الخطيئة.

وهذه القصة الخرافية ردّ عليها القرآن الكريم وكذّبها، وذلك في قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]، وفي آية أخرى يقول الله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، أي: إن عيسى عليه السلام لم يُقتل ولم يُصلب؛ وإنما ألقى الله شبهه على رجل فقتله اليهود وظنوا أنه عيسى عليه السلام, بل المسيح عليه السلام رفعه الله إليه.

جـ. تحميل خطيئة آدم في أكله الشجرة لبنيه: وذلك ليكون صلبه فداءً لهم، والله تعالى يقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر: 7], فلا يمكن أن تعذّب نفس بما كسبت نفسٌ أخرى, فهذا لا يقرّه دين ولا يقبله عقل. كما أن الله سبحانه وتعالى صرّح بقبول توبة آدم، وذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122]، وهذا أكبر دليل في الردّ على هذه القصة الخرافيّة -قصة الصلب والفداء.

د. اعتماد الإنجيل المحرّف في أحكامه وشرائعه على التوراة -كتب العهد القديم: والتوراة محرفة، فيكون الإنجيل محرّفًا كذلك؛ لأن القاعدة المشهورة تقول: ما بني على باطل فهو باطل، وهنا نقول: ما بني على محرّفٍ فهو محرّف مثله.

أضف إلى ذلك التضارب بين كتب العهد الجديد -أي: الأناجيل نفسها- وأول ما يقابل المرء من ذلك هو اختلاف في أمر واحد لا يقبل إلا حقيقة واحدة، وهو اختلاف إنجيل متَّى عن إنجيل لُوقا في نسب المسيح عليه السلام, وهذا مثال واحد والأمثلة كثيرة, إلى غير ذلك من التضادّ والاختلاف؛ مما يدل على أن النصارى واليهود ليسوا على شيءٍ، بل هي كتابات كتبها قساوستهم وعلماؤهم بأيديهم؛ ليشتروا بها ثمنًا قليلًا, ممّا جعل التحريف أمرًا مجمعًا عليه بين العقلاء عند هاتين الطائفتين، ولم يبقَ وحيٌ من عند الله يُتْلَى لم تمسّه أيدي المحرفين سوى كتاب خاتم النبيين حبيبنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم, ألا وهو القرآن الكريم.

والدليل على ذلك هو حفظ الله سبحانه وتعالى لهذا الكتاب من التبديل والتحريف، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر: 9]، ولو ظهر لنا رجل؛ سواء كان ينتمي إلى ملّة الإسلام أو هو معادٍ لها، وقرأ علينا كتاب الله سبحانه وتعالى، ثم دسّ لنا حرفًا واحدًا محرفًا, زيادة أو نقصًا- فإننا سنجد الأمة بعلمائها ونسائها وأطفالها يردّون عليه؛ لأن هذا الكتاب حُفظ في الصدور قبل أن يحفظ في السّطور، وهذا أكبر دليل على أن حفظه باقٍ إلى يوم القيامة.

كما تكفّل الله عز وجل بذلك؛ لأنه رسالة الوجود الخالدة، فكما أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ولا نبيّ بعده؛ كذلك كتابه خاتم الكتب ورسالته خاتمة الرسائل, فلا رسالة بعده ولا كتاب بعد القرآن، فلذلك حفظ الله هذا الكتاب؛ لأن الأمة ستحتاج إلى وحي يُنير لها السبيل، ويبين لها الحلال والحرام, ويصلح من شأنها ويهديها الصراط القويم المستقيم, ولن نجد ذلك إلا في هذا الكتاب المحفوظ من التحريف والتبديل. أما الكتب السماوية السابقة، فللعلّة التي مرّت معنا لم يتكفّل الله سبحانه وتعالى بحفظها؛ لأنها رسالة خاصة بأمة معينة وتزول بزوال تلك الأمة، وأن بقيّة أصولها موجودة إلا أن التحريف والتبديل اختلط بها.

error: النص محمي !!