Top
Image Alt

التعريف بالمدعو، وبيان حقوقه وواجباته

  /  التعريف بالمدعو، وبيان حقوقه وواجباته

التعريف بالمدعو، وبيان حقوقه وواجباته

مَن هو المدعو؟

الإنسان، أيُّ إنسان كان هو المدعو إلى الله تعالى؛ لأنَّ الإسلام رسالة الله الخالدة، بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الناس أجمعين، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28] وهذا العموم بالنسبة للمدعوين لا يستثنَى منه أي إنسان مخاطب بالإسلام ومكلف بقبوله والإذعان له، وهو البالغ العاقل، مهما كان جنسه ونوعه ولونه ومهنته وإقليمه، وكونه ذكرًا أو أنثى، إلى غير ذلك من الفروق بين البشر، ولذلك كان ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم العربي كأبي بكر، والحبشي كبلال، والرومي كصهيب، والفارسي كسلمان، والمرأة كخديجة، والصبي كعلي بن أبي طالب، والغني كعثمان بن عفان، والفقير كعمار، وعلى هذا فالدعوة إلى الله عامة لجميع البشر وليست خاصة لجنس دون جنس، أو طبقة دون طبقة، أو فئة دون فئة، ولهذا يخاطب القرآن البشر بصفتهم الآدمية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] وقال سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].

وعلى الداعي أن يفقه عموم دعوته إلى الله، ويحرص على إيصالها لكلّ إنسان يستطيع الوصول إليه، وهذا لا يناقض ابتداء الداعي بالأقربين إليه، فيدعوهم قبل البعيدين؛ لأنَّ لكل إنسان الحق في إيصال الدعوة إليه، فليس الأبعد بأولى من الأقرب، بل الأقرب أولى؛ لسهولة تبليغه واحتمال صيرورته داعيًا أيضًا بعد إسلامه، فيسهل إيصال الدعوة إلى البعيدين، ولهذا جاء في القرآن الكريم: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} [الشعراء: 214] وهذا وإن كان خطابًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه يشمل الدعاة إلى الله، فعليهم أن ينذروا الأقربين إليهم، مبتدئين بأفراد أسرهم وأقاربهم ومن يعرفونهم، بل إنّ دعوة الأهل وأفراد الأسرة أوجب من غيرهم؛ لأنّ الداعي إن كان رب أسرة، فإنه مسئول عنه: ((كلكم راع ومسئول عن رعيته)).

حقوق المدعو:

ومن حقِّ المدعو أن يؤتَى ويُدعَى، أي: أنَّ الداعي يأتيه ويدعوه إلى الله تعالى، ولا يجلس الداعي في بيته وينتظر مجيء الناس إليه، وهكذا كان يفعل ذلك الداعي الأول نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يأتي مجالس قريش ويدعوهم، ويخرج إلى القبائل في منازلها في موسم قدومها مكة، ويدعوهم، ويذهب إلى ملاقاة من يقدم إلى مكة ويدعوه، فقد جاء في (سيرة ابن هشام): فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حين يبيّن عن الله ما بعثه به، فيقف على منازل القبائل من العرب فيقول: ((يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي، وتمنعوني حتى أبيّن عن الله ما بعثني به)).

وكان صلى الله عليه وسلم لا يسمع بقادم إلى مكة من العرب له اسم وشرف إلّا تصدى له، فدعاه على الله وعرض عليه ما عنده، ولم يكتفِ صلى الله عليه وسلم بأهل مكة ومَن كان يأتيها، وإنما ذهب إلى خارجها.

ونسأل هنا: لماذا كان المدعوّ يؤتى ويدعى ولا يأتي؟ والجواب على ذلك من وجوه:

الوجه الأول: إن وظيفة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم التبليغ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67] وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِين} [النور: 54] وهذا التبليغ قد يستلزم نقلة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكان من يراد تبليغه؛ لاحتمال عدم وصول خبر الدعوة إليه، أو إنها وَصَلته بصورة غير صحيحة، أو وصلته بصورة صحيحة ولكن لم ينهض، فيأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليسمع منه، فلأجل هذه الاحتمالات كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي إلى أماكن الناس لتبليغهم الدعوة إلى الله.

الوجه الثاني: شفقته صلى الله عليه وسلم على عباد الله، وحرصه على هدايتهم، وتخليصهم من الكفر، كل ذلك كان يحمله على الذهاب إليهم في أماكنهم ومنازلهم، ويبلّغهم الدعوة إلى الله.

الوجه الثالث: إنَّ البعيد عن الإسلام قلبه مريض، ومرضَى القلوب لا يعرفون مرضهم، ولا يحسون به، فلا يشعرون بالحاجة إلى علاجه، فلا بدّ من إخبارهم بمرضهم من قِبَل الرسل الكرام، ولا ينتظرون مجيئهم إليهم ليخبروهم، بل يذهبون إليهم ويخبرونهم بالمرض والعلاج؛ لأن من أعراض مرضهم إعراضهم عن الدعوة والمجيء إلى صاحبها، وعلى الداعي المسلم أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم فينتقل إلى الناس في أماكنهم ومجالسهم وقراهم، ويبلّغهم الإسلام ويدعوهم إلى الله تعالى، ويا حبذا لو توزّع الدعاة إلى القرى والمحلات، وتفرّغ كل واحد منهم إلى جهة.  وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي: يتكفّل كل عالم بإقليم أو بلدة أو محلة أو مسجد أو مشهد، فيعلم أهله دينهم، وتمييز ما يضرهم عمَّا ينفعهم، وما يشقيهم عمّا يسعدهم، ولا ينبغي أن يصبر إلى أن يُسأل عنه، بل ينبغي أن يتصدى إلى دعوة الناس إلى نفسه، فإنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم، بل كانوا ينادونهم إلى مجامعهم، ويدورون على أبواب دورهم في الابتداء، ويطلبون واحدًا واحدًا، فيرشدونهم.

وهكذا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو كل إنسان يلقاه أو يذهب إليه، جاء في السيرة النبوية: أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن عرض نفسه الكريمة على قبائل العرب التي وافت الموسم في مكة، وكان ذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ولم يستجب لهم منهم أحد، لقي ستة نفر من الخزرج عند العقبة من منى، وهم يحلقون رءوسهم، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله وآمنوا، ثم رجعوا إلى قومهم بالمدينة، وذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام، ففشَا فيهم حتى لم يبقَ دار من دور الأنصار إلّا فيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستصغر شأن أولئك الستة وهم يحلقون رءوسهم، بعد أن لم يستجب له أحد من القبائل النازلة حوالي مكة، ولم يقل في نفسه الكريمة: أي أمل في هؤلاء المشغولين بحلق رءوسهم، ثم إن أولئك الستة كانوا هم الدعاة الأول إلى الإسلام في المدينة.

واجبات المدعو:

وإذا كان من حقّ المدعو أن يؤتَى ويُدعَى وأن لا يُستهان به ولا يستصغر شأنه، فإن عليه أن يستجيب إذا ما دعي إلى الله؛ لأنه يدعَى إلى الخير والحق، ويستجيب لنداء ربه، وعلى ذلك فالمدعوون هم مقصد العملية الدعوية كلها، وهم الغاية التي يراد إحداث تأثير فيها، وحتى يتحقق التأثير المطلوب في المدعوين يحتاج الدعاة إلى معرفة مسبَقة بالمدعوين، تمكنهم من الالتقاء بهم، وإحداث نوع من التجاذب والتجاوب معهم.

إن الإنسان عمومًا ينظر لغيره بمرآته، ويفسر ما يرى بطبيعته ومشاعره، ويقبل على من يحرص عليه، ويسمع من يخاطب عواطفه وقلبه، هذه الحقائق الفطرية المتصلة بالإنسان تحتم معرفته قبل المجيء إليه، وإعداد الموضوع الذي سيعرض عليه، وصياغة الأسلوب المناسب لخطابه، وباللغة التي يفهمها، وبواسطة هذا الإعداد يمكن الوصول الجادّ للمدعوين.

إن معرفة خصائص الجمهور النفسية والفكرية ليس أمرًا سهلًا، ولكنه يحتاج إلى دراسات نظرية وميدانية توضّح جوانب معينة في المدعوين، تتصل بأنواعهم وأجناسهم وأمزجتهم وثقافتهم وأديانهم، فلقد اختار الله لكل أمة رسولًا من بينها، بعد أن عايشهم وخبرهم وأحاط بمذاهبهم وأخلاقهم، وذلك من صناعة الله وتقديره، نلحظ ذلك في قصص القرآن الكريم؛ حيث إن نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم -عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه- قد أرسِلوا إلى أقوامهم بعد أن عاشوا قبلهم مدة ما قبل الرسالة، ولذلك كان رسل الله -عليهم الصلاة والسلام- يدعون قومهم إلى التوحيد، وبعدها ينتقلون مباشرة إلى توجيههم نحو الصواب، ووجوب التخلّص من الرذائل التي كانت متفشية فيهم.

إنّ الرسل كانوا يتحرّكون بوحي من الله تعالى، ومع ذلك فقد جعل الله حركتهم أسوة للمؤمنين، يتخذونها منهجًا للدعوة، ودستورًا للعمل الخير الأمين.

error: النص محمي !!