Top
Image Alt

التعريف بكلمة “الشرعية”

  /  التعريف بكلمة “الشرعية”

التعريف بكلمة “الشرعية”

أما عن معنى كلمة “الشرعية”, وهي الجزء الثاني من العنوان والوصف المميز لكلمة السياسة من وجهة النظر الإسلامية, فنقول:

إن مادتها الأصلية “شرع”، وهي وما يشتق منها من مصطلحات كالشرع والشريعة والشرعة ونحوها, تُطلق على معنيين في اللغة:

أحدهما: الطريق المستقيمة.

الثاني: مورد الناس للاستسقاء؛ سمي بذلك لوضوحه وحاجة الناس إليه، وهنا تظهر حاجتهم للشريعة كحاجتهم للماء، وإلا هلكوا بفقدهما، فكلاهما ضروري لوجود الحياة وبقائها.

إذًا: لو رجعنا إلى بعض المعاجم أو المراجع اللغوية؛ لنعرِّف مصطلح “الشريعة” أو “الشرعية”، أو حتى مشتقاتها -سنجد نفسنا أننا أمام معنيين لكلمة الشريعة ومشتقاتها:

أحدهما: الطريق المستقيمة، ومن ذلك قوله تعالى: ثُمّ جَعَلْنَاكَ عَلَىَ شَرِيعَةٍ مّنَ الأمْرِ فَاتّبِعْهَا} [الجاثية: 18].

الثاني: مورد الناس للاستسقاء، والاستسقاء أو السقية أو طلب الماء -حاجة الناس إلى الماء- لا يمكن أن نتجاهله أو نغفل عنه، فقد قال القرآن الكريم: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ} [الأنبياء: 30].

وتجمع الشريعة على: شرائع، والشرع: مصدر شرَع، وقد غلب استعمال هذه الألفاظ في الدين، وجميع أحكامه كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مّنَ الدّينِ مَا وَصّىَ بِهِ نُوحاً وَالّذِيَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} [الشورى: 13]، وقال أيضًا: {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48].

هذا، وفي المراد بالشريعة أربعة أقوال:

أحدها: أنها الدين.

الثاني: أنها الفرائض.

الثالث: أنها البينة.

الرابع: أنها السنة.

وقيل في تعريفها الاصطلاحي: هي ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في الديانة، وعلى ألسنة الأنبياء -عليهم جميعًا السلام- قبله.

على أية حال، قلنا: إن العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لكلمة شريعة واضحة؛ ذلك أن المعنى اللغوي هو مورد الناس للاستسقاء، فحاجة الناس إلى هذا المورد أو الماء لا تخفى على أحد، فإنهم لو انقطعوا عنه لهلكوا؛ إذ كيف تستمر أو تتصور أصلًا حياتهم بدون ماء، وكذلك الحال بالنسبة للشريعة التي تنظّم حياة الناس؛ حتى لا يضلوا وتتحول حياتهم إلى فوضى، يستبد فيها القوي بالضعيف، وتضيع فيها الحقوق؛ وهكذا فإن حاجة الناس إلى الشريعة كحاجتهم إلى الماء.

تبقى الإشارة إلى أنه يراد بالشريعة الإسلامية: كل ما شرَعه الله للناس؛ سواء أكان بالقرآن أم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير؛ لأن ذلك راجع إلى الوحي، فقد قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ}(3) {إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} [النجم: 3، 4]، وقال: {مّنْ يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80] والنصوص الدينية من القرآن والسنة في هذا المعنى كثيرة.

المهم، أن الشريعة بهذا المفهوم السابق تشتمل على ما يأتي:

أصول الدين؛ أي: ما يتعلق بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وغير ذلك من بحوث علم التوحيد أو علم الكلام، الذي يبحث في أمور العقيدة، ويسمى أحيانًا الفقه الأكبر.

كما تشمل القواعد المؤدية إلى تهذيب النفوس؛ كالصدق والأمانة والعدل والوفاء، وما إلى ذلك مما يتضمنه علم الأخلاق.

فضلًا عما هو معروف من شمول الشريعة للأحكام العملية المتعلقة بأفعال المكلفين من: وجوب، وحرمة، وكراهة، وندب، وإباحة… وغير ذلك من مباحث علم الفقه وأصوله، التي منها وبها تُستنبط الأحكام الشرعية.

ونشير أيضًا إلى أن كلمة “شرع” لها في أذهان بعض الناس مدلولات رديئة خاطئة؛ فبعض الناس يتصور الشرع مجموعة أقوال المتأخرين من الفقهاء المدونة في كتب صفراء، والتي تمثل عصرها فقط، ولم يعد بمقدورها مواكبة أي إبداع في مجال الفكر والأدب والصناعة والحياة كلها؛ بل غلب الجمود والتقليد على كل شيء، حتى أصبحنا نسمع من الأقوال والأمثال: غلق باب الاجتهاد، وليس في الإمكان أبدع مما كان، وما ترك الأول للآخر شيئًا، ونحو هذا. تصوّر قوم أن تلك الأقوال التي تمثل عصرها هي الشرع ولا شرع غيرها، وفات هؤلاء أنها في زمانها ربما كانت لا تُلبي كل طموحات أهل ذلك الزمان، فكيف في زماننا الذي تغير عن أزمنتهم تغيرًا يكاد يكون كليًّا, ما لم يخطر على بال أكثر الشعراء والأدباء إغراقًا في الخيال.

ويمكن الرجوع في هذه المسألة إلى كتاب الدكتور القرضاوي (السياسة الشرعية)، والذي أضاف بعد ذلك قوله: وبعض الناس يتصور أن الشرع هو الجمود على ظواهر النصوص، يفهمها فهمًا حرفيًّا، ولا يبذل جهدًا في معرفة مقاصدها وأسرارها، ولا يربط بين جزئياتها وكلياتها، ولا يصلها بمبادئ الشريعة العامة وأهداف الإسلام الكبرى، ولا يُبالي أن تصطدم تلك الأمور بعضها ببعض، ما دام هو متمسكًا بنص جزئي يعض عليه بالنواجذ، ولو كان ظني الثبوت والدلالة.

هكذا يتصور هؤلاء الشرع الشريف بسعة آفاقه، وروعة مبادئه، وعدالة أحكامه، وتوازن نظراته، بهذه الصورة الجامدة التي تقاوم التطور وتتخلف عن ركب العالم، الذي يُظهر في كل يوم جديدًا يبهر العقول ويخطف الأبصار!! وليست هذه الصورة المتوهّمة للشرع, ولا السابقة عليها هي الصورة الحقيقية التي نعرفها ونؤمن بها، ومن ثم ندعو إليها ونتمسك بها، فهي التي جاء بها القرآن الكريم، وبيّنتها السنة, وفهمها الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان -رضي الله عنهم أجمعين.

error: النص محمي !!