Top
Image Alt

التعزية، والبكاء، والندب, والنياحة

  /  التعزية، والبكاء، والندب, والنياحة

التعزية، والبكاء، والندب, والنياحة

. باب تعزية المصاب، وثواب صبره، وأمره به، وما يقول لذلك:

الحديث الأول:

عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من مؤمن يعزِّي أخاه بمصيبةٍ إلا كساه الله عز وجل من حُلل الكرامة يوم القيامة)) رواه ابن ماجه.

الحديث الثاني:

عن الأسود، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن عزّى مصابًا فله مثل أجره)) رواه ابن ماجه والترمذي.

أ. المعنى العام للحديثين:

هذه الأحاديث في بيان ثواب تعزية المصاب الذي فَقَدَ بعضَ أهله أو بعض محبِّيه، ففي هذه الحالة يكون المرءُ بحاجةٍ إلى من يقف إلى جواره، ويأخذ بيده، ويعزِّيه؛ تسلية له في مصابه.

إن المؤمن إنما هو الذي يصبر على البلاء؛ قال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ (155) الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة: 155، 156].

المؤمن في هذه الأوقات بحاجةٍ إلى مَن يذكِّره بتلك الآيات، وإلى مَن يعزِّيه في مصابه، فمَن فعل ذلك كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة، وله أيضًا مثل أجر الصابر الذي صبر على المصيبة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن عزّى مصابًا فله مثل أجره)) إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضُه بعضًا، ومثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

فها هو المسلم الذي يتّبع جنازةَ أخيه المسلم، حتى يصلَّى عليها، له قيراط، ومَن تبعها حتى تدفن فله قيراطان، القيراط مثل جبل أُحد. أيضًا إذا قام بتعزية المصاب –يعني: عزاء أهل الميت وعشيرته- فقد كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة كما قال صلى الله عليه وسلم.

ب. طرق رواية الحديثين:

الحديث الأول: هو حديث عمرو بن حزم، وعمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي، وُلِّي نجران وله سبع عشرة سنة، وتوفِّي سنة اثنتين –وقيل: ثلاث- وخمسين.

هذا الحديث رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن أبي شيبة: حدّثنا خالد بن مخلد، حدثني قيس أبو عمارة مولى الأنصار، قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن… فَسَاقَهُ. وهؤلاء كلهم ثقات إلا قيسًا أبا عمارة ففيه لين، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في (التلخيص) وسكت عنه.

الحديث الثاني: حديث ابن مسعود، أخرجه أيضًا الحاكم، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن عاصم، ورواه بعضهم عن محمد بن سوقة مثله موقوفًا ولم يرفعه. ويقال: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم هذا الحديث نقموه عليه. قال البيهقي: تفرّد به علي بن عاصم. وقال ابن عدي: قد رواه مع علي بن عاصم محمدُ بن الفضل بن عطية، وعبد الرحمن بن مالك بن مغول، وروي عن إسرائيل، وقيس بن الربيع، والثوري،… وغيرهم.

وروى ابن الجوزي في (الموضوعات) من طريق نصر بن حماد عن شعبة نحوه. وقال الخطيب: رواه عبد الحكم بن منصور، والحارث بن عمران الجعفري، وجماعة مع علي بن عاصم، وليس شيء منها ثابتًا. ويُحكى عن أبي داود قال: عاتب يحيى بن سعيد القطان عليَّ بنَ عاصم في وصل هذا الحديث، وإنما هو عندهم منقطع، وقال: إن أصحابك الذين سمعوه معك لا يسندونه، فأبَى أن يرجع.

قال ابن حجر: ورواية الثوري مدارها على حماد بن الوليد، وهو ضعيف جدًّا، وكل المتابعين لعلي بن عاصم أضعف منه بكثير، وليس فيها رواية يمكن التعلّق بها إلا طريق إسرائيل، فقد ذكرها صاحب (الكمال) من طريق وكيع عنه.

قال الشوكاني: ولم أقف على إسنادها بعد.

وقال ابن حجر في (التلخيص): وله شاهد أضعف منه من طريق محمد بن عبد الله العرزمي، عن أبي الزبير، عن جابر، ساقه ابن الجوزي في (الموضوعات) وله أيضًا شاهد آخر من حديث أبي برزة مرفوعًا: “من عزّى ثكلى كُسِيَ بردًا في الجنة” قال الترمذي: غريبٌ.

ومن شواهده حديث عمرو بن حزم الذي قبله، قال السيوطي في (التعقّبات): وأخرج البيهقي في (شعب الإيمان) عن محمد بن هارون، وكان ثقةً صدوقًا قال: “رأيت في المنام النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، حديث علي بن عاصم الذي يرويه عن ابن سوقة ((مَنْ عَزّى مُصَابًا…)) هو عنك؟ قال: ((نعم)) فكان محمد بن هارون كلّما حدّث بهذا الحديث بكى”.

وقال الذهبي: أبلغ ما شُنِّعَ به على علي بن عاصم هذا الحديث، وهو مع ضعفه صدوق في نفسه، وله صورة كبيرة في زمانه، وقد وثّقه جماعة.

قال يعقوب بن شيبة: كان من أهل الدين والصلاح والخير والتاريخ، وكان شديدَ التوقِّي، أُنْكِرَ عليه كثرةُ الغلط مع تماديه على ذلك.

وقال وكيع: ما زلنا نعرفه بالخير؛ فخذوا الصحاح من حديثه ودعوا الغلط. وقال أحمد: أما أنا فأحدث عنه؛ كان فيه لجاج ولم يكن متّهمًا. وقال الفلاس: صدوق.

ج. شرح مفردات الحديثين، وما يستفاد منهما:

وقوله في الحديث: ((مَن عزّى مصابًا)) فيه دليلٌ على أنّ تعزية المصاب من موجبات الكسوة من الله تعالى لمَن فعل ذلك من حلل كرامته.

وقوله: ((فله مثل أجره)) فيه دليل على أنه يحصل للمعزِّي بمجرّد التعزية مثل أجر المصاب. وقد يُستشكل ذلك باعتبار أن المشقة مختلفة، ويجاب عنه بجوابات: قال الشوكاني: ليس هذا محل بسطها، وثمرة التعزية الحثّ على الرجوع إلى الله تعالى ليحصل الأجر.

قال في (البحر): والمشروع مرةً واحدةً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((التّعْزِيَةُ مَرّة)). وقال الشافعي: هي بعد الدفن أفضل؛ لعظم المصاب بالمفارقة. وقال أبو حنيفة والثوري: إنما هي قبله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا وجب فلا تبكين باكيًا)) أخرجه مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم.

والمراد بالوجوب دخول القبر، كما وقع في رواية لأحمد؛ ولأن وقت الموت حال الصدمة الأولى، والتعزية تسلية؛ فينبغي أن يكون وقت الصدمة التي يُشرع الصبرُ عندها.

وجاء في رواية: ((فأعطاه مثل أجرها يوم أُصِيب)) وفي هذا دليل على أن استرجاع المصاب عند ذكر المصيبة يكون سببًا لاستحقاقه لمثل الأجر الذي كتبه الله له في الوقت الذي أُصِيبَ فيه بتلك المصيبة، وإن تقادم عهدها ومضت عليها أيام طويلة.

والاسترجاع هو قول القائل: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما قال الله تعالى: {الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156، 157].

يقول الشيرازي: تعزية أهل الميت سُنة؛ لما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن عزّى مصابًا فله مثل أجره)) وقد تقدّم الكلامُ على هذا الحديث.

قال الشيرازي: ويستحبّ أن يعزَّى بتعزية الخضر عليه السلام أهلَ بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو أن يقول: أن في الله سبحانه وتعالى عزاء من كل مصيبة، وخلَفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإنّ المصاب مَن حُرِمَ الثواب. ويستحبّ أن يدعو له وللميت فيقول: “أعظم اللهُ أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك”. وإن عزّى مسلمًا بكافر قال: “أعظمَ الله أجرك، وأحسن عزاءك”. وإن عزّى كافرًا بمسلم قال: “أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك”. وإن عزّى كافرًا بكافر قال: “أخلف الله عليك، ولا نقص عددك”.

ويكره الجلوس للتعزية؛ لأن ذلك بدعة. قال النووي: حديث ابن مسعود رضي الله عنه رواه الترمذي وغيره بإسناد ضعيف. وقد تقدّم الكلام على هذا الحديث.

وعن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن عزّى ثكلى كُسِيَ بردًا في الجنة” رواه الترمذي وضعفه.

وأما قصة تعزية الخضر عليه السلام:

فرواه الشافعي في (الأم) بإسناد ضعيف، إلا أنه لم يقل: الخضر عليه السلام بل سمعوا قائلًا يقول فَذَكَرَ هذه التعزية، ولم يذكر الشافعي الخضرَ عليه السلام. قال النووي: وإنما ذكره أصحابُنا وغيرهم، وفيه دليل منهم لاختيارهم ما هو المختار، وترجيح ما هو الصواب، وهو أن الخضر عليه السلام حيّ باقٍ، وهذا قول أكثر العلماء. وقال بعض المحدثين: ليس هو حيًّا.

وقوله: “خلَفًا من كل هالك” هو بفتح اللام أي: بدلًا. والدرك اللحاق. قوله: “ولا نقص عددك” هو بنصب الدال ورفعها. وقوله: “أخلف الله عليك” أي ردّ عليك مثل ما ذهب منك. قال جماعة من أهل اللغة: يقال: أخلف الله عليك: إذا كان الميّت ممّن يُتصوّر مثله، كالابن، والزوجة، والأخ، لمن والده حيّ، ومعناه: ردّ الله عليك مثله. قالوا: ويقال: خلف الله عليك: إذا لم يتصور حصول مثله، كالوالدين، أي كان الله خليفة من فقدته عليك.

قال النووي: قال الشافعي والأصحاب -رحمهم الله-: التعزية مستحبة. قال الشافعي: يستحبّ أن يعزِّي جميعُ أقارب الميت أهلَه الكبار والصغار والرجال والنساء، إلا أن تكون المرأة شابّة فلا يعزيها إلا محارمها. قالوا: وتعزية الصلحاء والضعفاء عن احتمال المصيبة والصبيان آكد. ويستحبّ التعزية بما ذكره الشيرازي من تعزية الخضر وغيرها مما فيه تسلية وتصديق، ومن أحسنه ما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: ((أرسلتْ إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه وتخبره أن صبيًّا لها أو ابنًا في الموت. فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمّى، فمرْها فلتصبر ولتحتسب)) وهو من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمّات من الأصول والفروع والآداب. قال النووي: وقد أشرت إلى بعضها في الأذكار.

وفي شرح (صحيح مسلم): وأما وقت التعزية فهو من حين الموت إلى حين الدفن، وبعد الدفن إلى ثلاثة أيام. قال الشيخ أبو محمد الجويني: وهذه المدّة للتقريب لا للتحديد، وتُكره التعزية بعد الثلاثة؛ لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يجدِّد له الحزن، هذا هو الصحيح المعروف. وجزم السرخسي في الأمالي بأنه يعزّى قبل الدفن، وبعده في رجوعه إلى منزله، ولا يعزّى بعد وصوله منزله. وحكى إمام الحرمين وجهًا: أنه لا أمد للتعزية، بل يبقى بعد ثلاثة أيام وإن طال الزمان؛ لأن الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان. وبهذا الوجه قطع أبو العباس في التلخيص، وأنكره عليه القفال في شرحه. قال النووي: والمذهب أنه يعزّى، ولا يعزّى بعد ثلاثة. وبه قطع الجمهور. قال المتولي وغيره: إلا إذا كان أحدهما غائبًا فلم يحضر إلا بعد الثلاثة؛ فإنه يعزّيه.

وأما الجلوس للتعزية فنصَّ الشافعيّ والشيرازيّ على كراهته. ونقله الشيخ أبو حامد في التعليق وآخرون عن نصّ الشافعي قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت، فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزّاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها. صرح به المحاملي، ونقله عن نص الشافعي -رحمه الله- وهو موجود في (الأم).

قال الشافعي في (الأم): وأكره المآتم -وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء. قال: فإن ذلك يجدّد الحزن، ويكلّف المؤنة، مع ما مضى فيه من الأثر. هذا لفظ الشافعي في (الأم) وتابعه الأصحاب عليه، واستدل له الشيرازي وغيره بدليل آخر: وهو أنه بدعة، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن حارثة، وجعفر، وابن رواحة رضي الله عنهم جلس يُعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من شقّ الباب، فآتاه رجل فقال: إن نساء جعفر… وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهنّ)) رواه البخاري ومسلم.

وقال أحمد والشافعي: تستحبّ التعزية قبل الدّفن وبعده بثلاثة أيام. وقال الثوري وأبو حنيفة: يعزِّي قبل الدفن لا بعده، والله تعالى أعلى وأعلم.

2. باب: صنع الطعام لأهل الميت، وكراهته منهم للناس:

الحديث:

عن عبد الله بن جعفر قال: لمّا جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد آتاهم ما يشغلهم)).

أ. ما يستفاد من الحديث:

هذا الحديث يُستفاد منه: أنه لا بدّ من صنع طعامٍ لأهل الميت؛ فإن مصابهم هذا يشغلهم عن تحضير الطعام وعن صنعه؛ لذلك يستحبّ لمن بجواره أو لمن يأتي لعزائه أن يصنع لآل الميت طعامًا، ولا يجوز له أن يجلس ليأكل عندهم؛ لأنه يُكره أن يقوم بإحضار الطعام آل الميت؛ لأنهم في مصاب؛ ولأن بهم ما يشغلهم، هذا هو معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب وقد مات شهيدًا في غزوة مؤتة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فإنه أتاهم ما يشغهلم)).

قوله في الحديث: ((لما جاء نعي جعفر حين قتل)) يعني: جاء خبر وفاته وكانت وفاته رضي الله عنه في غزوة مؤتة، وسبب هذه المعركة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارس بن عمير الأسدي بكتابه إلى عظيم بُصْرى، فعرضه له شراحبيل بن عمرو الغسّاني وكان عاملًا على البلقاء من أرض الشام من قِبل قيصر، فأوثقه رباطًا ثم ضرب عنقه.

وكان قتل السفراء والرسل من أشنعِ الجرائم يُساوي -بل يزيد- إعلان حالة الحرب، فاشتدّ هذا الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علم بمقتل الحارس بن عمير، فجهّز جيشًا تعداده ثلاثة آلاف مقاتل، وأمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الجيش زيد بن حارثة، وقال: ((إن قُتِلَ زيد فجعفر، وإن قُتِلَ جعفر فعبد الله بن رواحة)) وعقد لهم لواءً أبيضَ، ودفعه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارس بن عمرو وأن يدعوا مَن هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم وقاتلوهم. وقال لهم: ((اغزوا باسم الله في سبيل الله من كَفَرَ بالله، لا تغدروا، ولا تغيروا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا امرأةً، ولا كبيرًا فانيًا، ولا منعزلًا بصومعةٍ، ولا تقطعوا نخلًا ولا شجرة، ولا تهدموا بناءً)) هذه وصايا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لا يُقتل إلا مَن يقف في وجه الدعوة، لا يُقتل إلا من عاند الله ورسوله وأظهر عداءه لله ورسوله.

ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج حضر الناس، ودعوا أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلّموا عليهم، وحينئذٍ بكى أحد أمراء الجيش وهو عبد الله بن رواحة، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا، ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: {وَإِن مّنكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىَ رَبّكَ حَتْماً مّقْضِيّاً} [مريم: 71] فلست أدري كيف لي بالصبر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحِبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين غانمين.

وتحرّك الجيشُ الإسلاميُّ في اتجاه الشمال حتى نزل معان من أرض الشام، وهي بالفتح، وأهل الحديث يقولونها بالضمّ، وهي مدينة في طرف بداية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء، وعندما وصلوا إلى هناك نقلت إليهم الاستخبارات بأن هرقل نازل بأرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضمّت إليه بعض القبائل هناك، ولم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش الجبّار والذي بوغتوا به في هذه الأرض البعيدة، وهل يهجم جيش صغير تعداده ثلاثة آلاف مقاتل على جيش كبير يبلغ مائتي ألف مقاتل؟ تشاور المسلمون فيما بينهم: أيعودون إلى المدينة أم يواجهون هذا الجيش ويصيبهم ما يصيبهم؟ أَنُخْبِرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يمدّنا بالسلاح؟

كل هذه أفكار دارت بين قادة المسلمين في هذه المعركة.

ولكن عبد الله بن رواحة شجّع الناس قائلًا: يا قوم، والله إن الّتي تكرهون كالتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا؛ فإنما هي أحدى الحسنين: إما ظهور، وإما شهادة، واستقرّ الرأي إلى ما دعا إليه عبد الله بن رواحة.

وبعد أن قضى الجيش الإسلامي ليلتين في معان تحرّكوا إلى أرض العدو، حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء، ثم دنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة فعسكروا هناك، وتعبئوا للقتال، فجعلوا على ميمنتهم قضبة بن قتادة، وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري.

والتقى الفريقان، وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل، معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة، ولكنّه الإيمان، ولكنّها العقيدة، فإذا هبّت ريح الإيمان جاءت بالعجائب: أخذ الراية زيدُ بن حارثة حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يقاتل بضراوة بالغة وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإسلام، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم وخرّ صريعًا شهيدًا، وحينئذٍ أخذ الرايةَ جعفرُ بن أبي طالب، وظلّ يقاتل قتالًا مُنقطع النظير حتى أرهقه القتال، فاقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل حتى قُطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، ولم يزل بها حتى قُطعت شماله، فاحتضنها بعضديه فلم يزل رافعًا إياها حتى قُتِل. يقال: أن روميًّا ضربه ضربةً قطعته نصفين. وأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء؛ وبذلك سمِّي بجعفر الطّيّار، وبجعفر ذي الجناحَين.

روي البخاريّ عن نافع أن ابن عمر أخبره أنه وَقَفَ على جعفر يومئذٍ وهو قتيل فعددتُ به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره –يعني: في ظهره- وهذا إن دلّ فإنّما يدلّ على أنه لاقى الأعداء بوجهه، ولم يفكِّر أبدًا في الهرب، ولم يفكِّر أيضًا في الإدبار أو الفرار أمام العدو، يقول سبحانه: {يَآأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلّوهُمُ الأدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىَ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15، 16] قاتل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حتى طُعن بأكثر من خمسين طعنة ليس فيها طعنة في ظهره.

ولمّا قتل جعفر بعد القتال بمثل هذه الضراوة والبسالة أخذ الراية عبد الله بن رواحة، وتقدّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردّد بعض التردّد، ولكنه سرعان ما قاتل قتالًا مريرًا، فأتاه ابن عمِّ له بعرقٍ من لحمٍ فقال: شدّ بهذا صلبك؛ فإنّك قد لقيت في أيّامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهش منه نهشه ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قُتل.

وحينئذٍ تقدّم رجل من بني عجلان اسمه ثابت بن أرقم فأخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فأصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلمّا أخذ الراية قاتل قتالًا مريرًا، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقى في يدي إلا صفيحة يمانيّة -وفي لفظ آخر: لقد دُقّ في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف- وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبرًا بالوحيّ قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال: ((أخذ الرايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب -وعيناه تذرفان- حتّى أخذ الرايةَ سيفٌ من سيوف الله حتّى فَتَحَ اللهُ عليهم)).

ومع هذه الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة التي قاتل بها المسلمون كان مستغرَبًا أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أمام هذا الجيش الكبير، ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه في تخليص المسلمين ممّا هم فيه.

وفي هذا الحديث الذي معنا: ((لما جاء نعي جعفر حين قُتِل)) يعني: في غزوة مؤتة -هذه المعركة التي سقناها لكم- قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد أتاهم ما يشغلهم)) وهذا الحديث أخرجه أيضًا الشافعي، وصحّحه ابن السّكن، وحسّنه الترمذي، وأخرجه أحمد والطبراني وابن ماجه من حديث أسماء بن عميس، وهي والدة عبد الله بن جعفر.

وقوله: ((اصنعوا لآل جعفر)) فيه مشروعيّة القيام بمؤنة أهل الميت مما يحتاجون إليه من الطعام؛ لاشتغالهم عن أنفسهم  بما دهمهم من المصيبة.

قالت الترمذي: وكان بعضُ أهل العلم يستحبّ أن يتوجّه إلى أهل الميت بشيء؛ لشغلهم بالمصيبة، وهو قول الشافعي. أيضًا إنّ صنع الطعام لأهل الميت وهم في مصابهم من الأمور التي يتنافس فيها المسلمون؛ فهي من الود والرحمة: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكّى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)).

3. باب: ما جاء في البكاء على الميت، وبيان المكروه منه:

الحديث:

عن أسامة بن زيد قال: ((كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلتْ إليه أحدى بناته تدعوه وتخبره أنّ صبيًّا لها في الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب، فعاد الرسول فقال: إنها أقسمت لتأتينها، قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، قال: فانطلقتُ معهم، فرُفع إليه الصبيّ ونفسه تقعقع كأنها في شنّة، ففاضت عيناه. فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) متفق عليه.

أ. شرح الحديث، وبيان ما يستفاد منه:

الحديث الذي معنا رواه البخاري أيضًا: حدّثنا عبدان ومحمد قالا: أخبرنا عبد الله، أخبرنا عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان، قال: حدثني أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن ابنًا لي قُبض فأتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلّ عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحسب)) فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال، فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ونفسه تتقعقع، قال: حسبته أنه قال: كأنها شن. ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)).

قال ابن حجر: قوله: “أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم” هي زينب كما وقع في رواية أبي معاوية عن عاصم المذكور في (مصنف ابن أبي شيبة). وقوله: “إن ابنًا لي” قيل: هو علي بن أبي العاص بن الربيع، وهو من زينب، كذا كتب الدمياطي بخطته في الحاشية، وفيه نظر؛ لأنه لم يقع مسمّى في شيء في طرق هذا الحديث. وأيضًا فقد ذكر الزبير بن بكار وغيره من أهل العلم بالأخبار أن عليًّا المذكور عاش حتى ناهز الحلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال في حقّه صبي عرفًا وإن جاز من حيث اللغة.

وقال ابن حجر: ووجدت في الأنساب أن عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم لما مات وضعه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره وقال: ((إنّما يرحم اللهُ من عباده الرحماء)).

وفي (مسند البزار) من حديث أبي هريرة قال: “فُقِدَ ابن لفاطمة فبعثتْ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم” فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا فالابن المذكور محسن بن علي بن أبي طالب، وقد اتّفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فهذا أولى أن يفسّر به الابن إن ثبت أن القصة كانت لصبي، ولم يثبت أن المرسلة زينب.

قال ابن حجر: لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن الولد صبيّ، كما ثبت في (مسند أحمد) عن أبي معاوية بالسند المذكور، ولفظه: “أُتِيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بأمامة بنت زينب -زاد سعدان بن نصر في الثاني من حديثه عن أبي معاوية بهذا الإسناد، وهي لأبي العاص بن الربيع- ونفسها تقعقع كأنها في شن…”، فذكر مثل هذا الحديث، وذكر فيه مراجعة سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: ((يُقرئ السلام)) بضم أوله. وقوله: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى)) قدّم ذكر الأخذ على الإعطاء وإن كان متأخِّرًا في الواقع لما يقتضيه المقام، والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له؛ فلا ينبغي الجزع؛ لأن مستودع الأمانة لا ينبغي له أن يَجزع إذا استُعيدت منه. ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميِّت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعم من ذلك.

و((ما)) في الموضعين مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، والعائد محذوف، فعلى الأول التقدير: لله الأخذ والإعطاء. وعلى الثاني: لله الذي أخذه من الأولاد وله ما أعطى منه، أو ما هو أعم من ذلك.

قوله: ((وَكُلٌّ)) أي: من أخذ والإعطاء، أو الأنفس، أو هو أعم من ذلك، وهي جملةٌ ابتدائيةٌ معطوفةٌ على الجملة المؤكّدة. ويجوز في ((كُلٌّ))النصب عطفًا على اسم “إن” فينسحب التأكيد أيضًا عليه. ومعنى العندية العلم، فهو من مجاز الملازمة، والأجل يطلق على الحد الأخير وعلى مجموع العمر.

وقوله: ((مسمى)) أي: معلوم مقدّر… أو نحو ذلك.

قوله: ((ولتحتسب)) أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها؛ ليحسب لها ذلك من عملها الصالح.

وقوله: “فأرسلت إليه تقسم” وقع في حديث عبد الرحمن بن عوف أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة، وكأنها ألحّت عليه في ذلك دفعًا لما يظنّه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها الله تعالى أنّ حضور نبيّه عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه وحضوره، فحقّق الله ظنّها. والظاهر أنه امتنع أولًا مبالغةً في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن من دُعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة بخلاف الوليمة مثلًا.

قوله: “فقام ومعه” في رواية حماد “فقام وقام معه رجال” وقد سُمِّي منهم غير من ذكر في هذه الرواية: عبادة بن الصامت، وهي في رواية عبد الواحد في أوائل التوحيد. وفي رواية شعبة أن أسامة راوي الحديث كان معهم. وفي رواية عبد الرحمن بن عوف أنه كان معهم. ووقع في رواية شعبة في الأيمان والنذور: وأَبِي أو أُبَيّ. كذا فيه بالشك: هل قالها بفتح الهمزة وكسر الموحّدة وتخفيف الياء، أو بضم الهمزة وفتح الموحدة والتشديد؟ فعلى الأول يكون معهم زيد بن حارثة أيضًا، لكن الثاني أرجح؛ لأنه ثبت في رواية هذا الباب بلفظ “وأُبَيّ بن كعب”، والظاهر أن الشك فيه من شعبة؛ لأن ذلك لم يقع في رواية غيره.

قوله: “فَرُفِعَ” كذا هنا بالراء. وفي راوية حماد: “فَدُفِعَ” بالدال. وبيّن في رواية شعبة أنه وُضِعَ في حجره صلى الله عليه وسلم وفي هذا السياق حذف والتقدير: فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها، فاستأذنوا فأذن لهم، فدخلوا فَرُفِع. ووقع بعضُ هذا المحذوف في رواية عبد الواحد ولفظه: “فلما دخلنا ناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبيّ”.

قوله: “ونفسه تقعقع، حسبتُ أنه قال: كأنها شن” والقعقعة حكاية صوت الشيء اليابس إذا حُرِّك، والشّنّ -بفتح المعجمة وتشديد النون- القربة الخَلِقة اليابسة. وعلى الرواية الثانية: شبّه البدن بالجلد اليابس الخَلِق، وحركة الروح فيه بما يُطرح في الجلد من حصاة ونحوها. وأما الرواية الأولى: فكأنه شبه النفس بنفس الجلد، وهو أبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه.

قوله: ((ففاضت عيناه)) أي: النبي صلى الله عليه وسلم وصرّح به في رواية شعبة. قوله: “فقال سعد” أي: ابن عبادة المذكور، وصرّح به في رواية عبد الواحد، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد فقال: عبادة بن الصامت. والصواب ما في الصحيح. ويُحتمل أن يكون عبادة قال ذلك أيضًا مع سعد بن عبادة.

قوله: “ما هذا؟” في رواية عبد الواحد: فقال سعد بن عبادة: “أتبكي -زاد أبو نعيم في (المستخرج)- وتنهى عن البكاء” يعني: يا رسول الله، أتبكي وتنهى عن البكاء؟! قوله: فقال: “هذه -أي الدمعة- أثرُ رحمة” أي الذي يفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعمّد من صاحبه ولا استدعاء لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهيّ عنه الجزعُ وعدمُ الصبر.

قوله: ((وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) في رواية شعبة التي أخرجها البخاري في الطب: ((ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء)) و((من)) في قوله ((من عباده)) بيانية، وهي حال من المفعول، قدّمه فيكون أوقع. و((الرحماء)) جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه: أن رحمة الله تختصّ بمن اتّصف بالرحمة وتحقّق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود وغيره: ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) و((الراحمون)) جمع راحم، فيدخل كل من فيه أدنى رحمة.

وقد ذكر الحربيّ مناسبة الإتيان بلفظ: ((الرحماء)) في هذا الحديث بما حاصلة أن لفظ الجلالة دالٌّ على العظمة، وقد عُرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلمّا ذُكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمته؛ ليكون الكلامُ جاريًا على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر؛ فإن لفظ ((الرحمن)) دال على العفو؛ فناسب أن يذكر معه كلّ ذي رحمة وأن قلت.

ويستفاد من الحديث:

أولًا: جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضِر؛ لرجاء بركتهم ودعائهم، وجواز القسم عليهم لذلك، وجواز المشي إلى التعزية والعيادة بغير إذن -بخلاف الوليمة- وجواز إطلاق اللفظ الموهم لما لم يقع بأنه يقع مبالغة في ذلك؛ لينبعث خاطر المسئول في المجيء للإجابة إلى ذلك.

ثانيًا: استحباب إبرار القسم، وأمر صاحبة المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت؛ ليقع وهو مستشعِر بالرضا مقاومًا للحزن بالصبر، وإخبار من يستدعى بالأمر الذي يستدعى من أجله، وتقديم السلام على الكلام.

ثالثًا: جواز عيادة المريض؛ لأن الصبيّة لم تكن قد ماتت، بل كانت مريضة كما رجّح ذلك ابن حجر، وتجوز عيادة المريض ولو كان مفضولًا أو صبيًّا صغيرًا؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم زار هذا المريض أو المريضة وهي صبية صغيرة ومفضولة بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: أن أهل الفضل لا ينبغي أن يَقطعوا الناس عن فضلهم، ولو ردّوا أوّل مرة. واستفهام التابع من إمامه عما يُشكل عليه مما يتعارض ظاهره، وحسن الأدب في السؤال لتقديمه.

قوله: “يا رسول الله” على الاستفهام. وفي الحديث: الترغيب في الشفقة على خلق الله، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب وجمود العين، وجواز البكاء من غير نوحٍ ونحوه.

خامسًا: رقة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته، ورحمته بأولاده؛ فها هو يُرفع إليه الصبيّ ونفسه تقعقع، فتدمع عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأل عن ذلك فيقول: ((هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)).

error: النص محمي !!