Top
Image Alt

التفرقة بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر

  /  التفرقة بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر

التفرقة بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر

التفرقة بين الشرك الأكبر، والشرك الأصغر:

الشرك نقيضه التوحيد، وهو أربعة أنواع:

  • شرك اعتقادي: وهو اعتقاد شريك مع الله بإثبات ما هو خاص بالله تعالى لغيره.
  • وشرك الطلب: هو اتخاذ واسطةٍ بين المخلوق والخالق.
  • وشرك التقرب والنسك: وهو صرف كل ما ثبت أنه عبادة مشروعة لغير الله.
  • وشرك الطاعة والانقياد.

أ. الشرك الاعتقادي: وهو اعتقاد شريك مع الله بإثبات ما هو خاص لله تعالى لغيره، سواء كان ذلك الاعتقاد مناقضًا لوحدانية الله في ذاته أو أسمائه وصفاته أو أفعاله، والشرك الاعتقادي يناقضه التصديق الذي هو شرط لتحقق أصل الإيمان.

ومن تعريف الشرك الاعتقادي يتبين أنه على دربين:

الدرب الأول: الشرك المناقض لوحدانية الذات، ويكون باعتقاد وجود أكثر من إله، وطريقة القرآن في إبطال هذا الشرك هي ببيان أن الذي يكون ربًّا حقًّا لا يمكن أن يشاركه أحد في ملكه؛ لأن وجود رب ليس له كل الملك قدح في استحقاقه للربوبية، وأن ربوبية الآلهة المعبودة من دونه باطلة؛ لأنها مخلوقة مربوبة، وأنها لو كانت لها الربوبية والخلق فعلًا لابتغت سبيلًا لمغالبة الله على ملكه وسلطانه، كما قال الله تعالى: { قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42] ويبين ذلك قول الله تعالى: { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91].

يقول ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: “إذًا لاعتزل كل إله منهم بما خلق من شيء فانفرد به، ولتغالبوا، فلَعَلَا بعضهم على بعض وغلب القوي منهم الضعيف؛ لأن القوي لا يرضى أن يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهًا، فسبحان الله!! ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر”.

أما الدرب الثاني: الشرك المناقض لوحدانية الصفات والأفعال، ويكون باعتقاد شريك لله في صفاته وأفعاله، فكما لله الوحدانية في الذات، فكذلك له الوحدانية في الأسماء والصفات والأفعال، وطريقة القرآن في بيان ذلك بنفي وجود السمي والمثيل والشبيه والكفء لله عز وجل كما قال الله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].

والسمي: هو المماثل في الصفات. ويقول الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ويقول تعالى: { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [النحل: 60] ويقول -عز ممن قائل-: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [الإخلاص: 1- 4] بيان أنه كما تفرد بصفات الكمال والجلال، فهو أيضًا المتفرد بربوبية خلقه؛ إيجادًا وإمدادًا وخلقًا وتدبيرًا، لا يكون شيء إلا بمشيئته، وهو محيطٌ بكل شيء علمًا.

يقول تعالى: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1- 3] سبحان ربي الأعلى.

ويقول تعالى: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62] ويقول سبحانه: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } [القصص: 68] ويقول عز وجل: { وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] ويقول -جل وعلا-: { أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [فصلت: 54].

وعلى هذا فإثبات صفة من صفات الله أو أفعاله أو ما يختص به لغيره شِركٌ في الربوبية، ولو مع اعتقاد تلك الصفة للرب، واعتقاد أن الموصوف بتلك الصفة مخلوق، وليس ربًّا.

ب. شرك الطلب: وحقيقته هو اتخاذ واسطة بين المخلوق والخالق، سواء كانت تلك الواسطة فيما يتعلق بالتدبير والتصريف، أو فيما يتعلق بالتشفع إلى الله بتقريب طالب الشفاعة، وهذا الشرك ناقض لعمل القلب، ووجه نقضه له أن إرادة القلب، وقصده واستعانته، وتوكله، ورجاءه كل أولئك لا يكون إلا لله. فَصَرْف شيء منه لغير الله شرك ناقض لأصل الإيمان.

وشرك الطلب نوعان: شرك الشفاعة، والشرك بسؤال غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله.

النوع الأول من شرك الطلب: شرك الشفاعة، وحقيقته طلب الشفاعة من غير الله تعالى على جهة أن المطلوب يملك الشفاعة، ويستحق الإجابة على الله، وذلك لا شك في أنه تنقص لربوبية الله تعالى، وتقييد لإرادته ومشيئته، فمَن أثبت لغير الله حق الشفاعة عند الله، فقد قيد إرادة الله بإرادة المخلوق، وجعل إرادة المخلوق نافذةً وحاكمةً على إرادة الله.

ولهذا ورد النهي عن قول: “اللهم اغفر لي إن شئتَ” كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يقولون أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت؛ اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإنه لا مُستكرهَ له)) ومعنى الحديث: أن مَن سأل الله شيئًا فلا حاجةَ إلى تعليق إجابته بالمشيئة؛ لأن مشيئة الله لا تقيد بمشيئة غيره، وما أراد الله كان فلا داعي لتقييد ذلك بمشيئته.

ولهذا نفى الله تعالى أن يكون غيره يملك الشفاعة من دونه في آيات كثيرة نحو قوله تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة: 4] وقوله تعالى: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [الزمر: 43، 44] وقوله تعالى: { لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ } [الأنعام: 51].

ومما ينبغي التنبيه عليه أن هناك فرقًا بين اتخاذ الوسائط في الشفاعة، وبين مجرد طلب الدعاء من الأموات عند قبورهم، وذلك أن أصل اعتبار الشرك في اتخاذ الوسطاء في الشفاعة هو إيجاب الإجابة على الله، وكون المرجح في إجابة الدعاء هو مجرد إرادة الشافع، فإذا لم يتحقق ذلك في طلب الدعاء من الأموات لم يكن مجرد ذلك الطلب شركًا، بل هو بدعة وضلالة.

أنواع الشفاعة:

هناك نوعان من الشفاعة:

الأول: الشفاعة المنفية، والتي هي بمعنى نفي ملكية الشافعة بغير إذن الله، واستحقاق الإجابة على الله، وهي الشفاعة المذكورة في الآيات السابقة.

الثاني: الشفاعة المثبتة، وهي الشفاعة التي يأذن الله فيها لمن يشاء من عباده، ولا يلزم من ذلك أن يكون المأذون له في الشفاعة قد ملكها، بل هي لله وحده قبل الإذن وبعده، وإنما يكرم الله بها بعضَ عباده ويشرفهم، وهذه الشفاعة هي المقصودة في نحو قوله تعالى: { وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [سبأ: 23] وقوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [طه: 109].

وشروط الإذن للشافع في الشفاعة اثنان:

الرضا عن الشافع: وقد ورد هذا الشرط في آيات كثيرة؛ منها قول الله تعالى: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [الزخرف: 86] وقوله تعالى: { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87] وقوله تعالى: {لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26].

وأن تكون الشفاعة مرضية لله: ونصت على هذا الشرط آيات كثيرة، مثل قول الله تعالى: { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} وقوله تعالى: { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38].

فإذا لم تكن الشفاعة بالحق والصواب لم تقبل، ولو تحقق الشرط الأول وهو الرضا عن الشافع، ولهذا لم يقبل الله شفاعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في بعض المنافقين مع استغفاره لهم، بل قال تعالى: { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 80].

النوع الثاني من شرك الطلب: سؤال غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله: وحقيقته تعلق القلب بمخلوق، والطلب منه ما لا يقدر عليه إلا اللهُ، ووجه ذلك أن ما لا يقدر عليه إلا الله لا يُطلب إلا من الله وحده، وطلب ذلك من غير الله فيه نسبة وهو خاص بالله وحده لغيره من المخلوقين، كنسبة صفة من صفاته إلى غيره من المخلوقين، ولهذا كانت الطيرة شركًا، وكان تعليق التمائم شركًا، وكان قول: ((مطرنا بنوء كذا)) شركًا، ونحو ذلك من التعلق بما ليس سببًا في الحقيقة. ولو أن الشرك هنا قد يكون شركًا أصغرَ وقد يكون شركًا أكبرَ بحسب تعلق القلب بتلك الأسباب.

ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم لا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما يقدر عليه مع أنه كان مؤيدًا بالمعجزات الكثيرة التي أظهرها الله على يديه؛ لعلمهم أن تلك المعجزات لا تُنسب إليه على أنها من فعله، بل تنسب إليه على جهة بيان أنها مما أيده الله به، ولذلك كانوا يطلبون منه أن يدعوا الله لهم، كما فعل ذلك الرجل الذي جاءه وهو يخطب فقال: ((يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وما في السماء قزعة، فما وضعها حتى سار السحاب أمثال الجبال…)) الحديث.

فهذا الرجل إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم أن ينزل المطر، ولم يسأله أن ينزل هو المطر، فلو فعل ذلك لكان منه شركًا؛ لأنه يكون قد سأله ما لا يقدر عليه إلا الله وحده.

جـ . شرك التقرب والنسك: كل ما ثبت أنه عبادة مشروعة وجوبًا أو استحبابًا فصرفها لغير الله شرك في العبودية، ومن تحقق منه ذلك كان مشركًا سواء اعتقد مع ذلك استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، أو اعتقد أنه لا يستحق العبادة لذاته، وإنما هو وسيط وشفيع إلى الله.

فشرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، والفرق بينه وبين الشرك الاعتقادي، أن الشرك الاعتقادي: متعلق بالاعتقاد، وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله، وشرك التقرب والنسك: هو الذي كان عند مشركي العرب؛ فإنهم كانوا مشركين في العبادة مع اعتقادهم بربوبية الله، وأنه هو المتفرد بالخلق والملك والتدبير، واعتقادهم بأن الذين يعبدونهم من دون الله ليس لهم من ذلك شيء على جهة الاستقلال عن الله تعالى، قال الله تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31].

فمع اعتقادهم بتفرد الله تعالى بالربوبية أشركوا به من جهة التوسط في الطلب أو في العبادة.

وقد ضلت في اعتبار هذا الشرك طوائف من المرجئة المتكلمين، وظنوا أنه لا شرك بالتقرب إلى غير الله بالعبادة إلا إذا تضمن اعتقاد استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، وأن المعبود متفرد بالخلق والتدبير، وأصل باطلهم هذا أنهم ظنوا أن التوحيد هو مجرد اعتقاد وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ذلك مفهوم الألوهية، وهذا من أبطل الباطل، فإنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن مجرد اعتقاد وحدانية الله في ذاته وصفاته، وأفعاله لا تكفي لإثبات عقد الإيمان، بل لا بد من الإقرار بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة والالتزام بعبادة الله وحده لا شريك له.

د . شرك الطاعة والانقياد: وحقيقته هو رفض الانقياد لله عز وجل أو التزام طاعته، واتخاذ طريق آخر مضاد للصراط المستقيم الذي شرعه الله وأمر باتباعه، واتخاذ ذلك منهجًا ثابتًا ودَيْدنًا مطردًا يوالي عليه ويعادي عليه، يقول الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].

وقد روى الحافظ ابن كثير عن سعيد بن جبير قال: خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله هذه الآية، روَى أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لما نزلت: { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدًا، وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله عز وجل بشمشير من ذهب -يعني: الميتة- فهو حرام؟ فنزلت الآية: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }”.

قال ابن كثير: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشَرْعه إلى قول غيره، فقدمتم غيره عليه، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } [التوبة: 31] والمقصود في هذا المقام أن الله تعالى جعل عدولهم إلى غير شريعة الله إشراكًا.

كان هذا عن الشرك الأكبر.

النوع الثاني: الشرك الأصغر:

وأما النوع الثاني من الشرك، فهو الشرك الأصغر، أو الشرك الذي لا ينقل من الملة، ويسمى أيضًا شرك العمل ومثاله: الرياء. وقد جاء في كتاب الله تعالى: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] وهو في السنة قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن حلَف بغير الله فقد أشرك)) ومعروف أن حَلِفه بغير الله لا يخرجه من الملة، ولا يوجب له حكم الكفار، ومن هذا أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: ((الشرك في هذه الأمة أخفَى من دبيب النمل)).

ولا شك أنه أراد الشرك الأصغر أو أراد الشرك الخفي أو الشرك غير المخرج من الملة، مع أنه سماه شركًا.

ومن هنا ينبغي الالتفات والتنبيه إلى هذه الجزئية، الكلمة واحدة ولكن تختلف باختلاف السياق، فمنها ما يكون أكبرَ ومنها ما يكون أصغرَ، كما كان في الكفر كذا في الشرك.

وبذا نكون قد فرقنا بين الكفر المخرج من الملة، والكفر الذي لا يخرج من الملة، وبين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وكذلك يأتي الكلام عن النفاق.

error: النص محمي !!