Top
Image Alt

التفسير، وألوانه في العصر الحديث

  /  التفسير، وألوانه في العصر الحديث

التفسير، وألوانه في العصر الحديث

1. التفسير العلمي:                                 

أ. تعريف التفسير العلمي:

أولًا: المقصود به: هو التفسير الذي يحكِّم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن، ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها، فهناك آراء متعددة للعلماء في التفسير العلمي:

فنجد الغزالي، في كتابه (الإحياء)، يعقد الباب الرابع، من أبواب آداب تلاوة القرآن، في فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل، وفيه ينقل عن بعض العلماء، أن القرآن يحوي سبعة وسبعين ألف عِلم ومائتي علم؛ إذ كل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة أضعاف؛ إذ لكل كلمة ظاهر، وباطن، وحد، ومطلع، وأيضًا إذا تصفحنا كتاب (جواهر القرآن)، نجده في الفصل الرابع، يتعرض لكيفية انشعاب العلوم الدينية كلها، وما يتصل بها من القرآن عن تقسيمات وتفصيلات تولاها، لا نطيل بذكرها.

ومن العلماء الذين لهم رأي في التفسير العلمي، الجلال السيوطي؛ حيث يقرر ذلك بوضوح وتوسع، في كتابه (الإتقان) في النوع الخامس والستين منه، كما يقرر ذلك أيضًا بمثل هذا الوضوح والتوسع، في كتابه (الإكليل في استنباط التنزيل)، نجده يسوق من الآيات والأحاديث والآثار ما يستدل به على أن القرآن مشتمل على كل العلوم، فمن الآيات قوله تعالى: {مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام:38]، وقوله: {وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيْءٍ} [النحل:89].

ومن الأحاديث ما أخرجه الترمذي وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ستكون فتن، قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم))، وما أخرجه أبو الشيخ عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لو أغفل شيئًا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة)).

ومع وجود هؤلاء العلماء المؤيدين للتفسير العلمي، نجد علماء آخرين ينكرون التفسير العلمي:

فنجد الشاطبي، المتوفى سنة (790) هـ في كتابه (الموافقات)، يعقد بحثًا خاصًّا لمقاصد الشارع، وينوع هذه المقاصد إلى أنواع تولى شرحها وبيانها، والذي يهمنا هنا النوع الثاني منها، وهو بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للأفهام، وفي المسألة الثالثة من مسائل هذا النوع نجده يقرر أن هذه الشريعة المباركة أمية؛ لأن أهلها كذلك فهو أجرى على اعتبار المصالح، ثم دلل على ذلك بأمور ثلاثة لا نطيل بذكرها، ثم عقب بفصل ذكر فيه: أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق واتصاف بمحاسن الشيم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل، وبينت منافع ما ينفع من ذلك ومضار ما يضر منه، ثم ذكر من العلوم الصحيحة التي كان للعرب اعتناء بها، مثل: علم النجوم وما يختص به من الاهتداء في البر والبحر، واختلاف الأزمان باختلاف سيرها وما يتعلق بهذا المعنى، وذكر علومًا كثيرة، فذكر علم الأنواء، وعلم الطب، وعلم التفنن في علم فنون البلاغة.

ثم أخذ في ذكر ما استند إليه أرباب التفسير العلمي من الأدلة، فقال: وربما استدلوا على ادعائهم، بقوله تعالى: {وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيْءٍ} ثم أخذ الشاطبي -رحمه الله- يفند هذه الأدلة، فقال: فأما الآيات: فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحالِ التكليفِ والتعبدِ، أو المراد بالكتاب، في قوله: {مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ}اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما تقتضيه تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية، وأما فواتح السور: فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا، كعدد الجُمل الذي تعرفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصحاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله، وغير ذلك، وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون، ولم يدعه أحد ممن تقدم، فلا دليل فيها على ما ادعوا، وما ينقل عن عليٍّ أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن يُنكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه عن كل ما يضاف علمه إلى العرب، خاصة فيما يوصل إلى علم ما أُودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقوَّل على الله ورسوله فيه، وهذا يدل على إنكار الشاطبي للتفسير العلمي.

والحق: أن الرأي مع الشاطبي؛ حيث لم يوافق على الغلوِّ في الخوض في الآيات الكونية، وألا تُخضع للنظريات العلمية، فعلى أصحاب هذه الفكرة أنَّ من الخير لهم ولكتابهم ألا ينحوا بالقرآن هذا المنحى في تفسيرهم رغبة منهم في إظهار إعجاز القرآن وصلاحيته للتمشي مع التطور الزمني، وحسبهم ألا يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة، وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جد ويجد من نظريات وقوانين علمية تقوم على أساس من الحق، وتستند إلى أصل من الصحة.

ب. أهم الكتب التي عنيت بالتفسير العلمي:

(كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية، والحيوانات، والنباتات، والجواهر المعدنية):

وهو كتاب للإمام الفاضل والطبيب البارع محمد بن أحمد الإسكندراني، من علماء القرن الثالث عشر الهجري.

(طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد):

وهو كتاب لرجل الإصلاح الإسلامي، عبد الرحمن الكواكبي، وهو عبارة عن مجموع مقالات، وفي هذا الكتاب نجد المؤلف ينحاز بشدة إلى هذا اللون من ألوان التفسير، فيصف القرآن بأنه شمس العلوم وكنز الحكم، ثم يقول: “وهذه مسألة إعجاز القرآن، وهي أهم مسألة في الدين لم يقدروا أن يوفوها حقها من البحث، واقتصروا على ما قاله بعض السلف أنها هي فصاحته وبلاغته”، ثم نراه يأخذ في بيان اشتمال القرآن على ما جدَّ من نظريات علمية تؤيد إعجازه، فيقول:

إنه لو أُطلق للعلماء عنان التدقيق وحرية الرأي والتأليف، كما أُطلق لأهل التأويل والخرافات، لرأوا في ألوف من آيات القرآن، ألوف آيات من الأعجاز، ولرأوا فيه كل يوم آية تتجدد مع الزمان، تبرهن على إعجازه، بصدق قوله تعالى: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ} [الأنعام: 59]، برهان عيان لا مجرد تسليم وإيمان، ومثال ذلك: أن العلم كشف في هذه القرون الأخيرة حقائق وطبائع كثيرة تبين لكاشفيها ومخترعيها، من علماء أوربا وأمريكا، والمدقق في القرآن، يجد أكثرها ورد تصريحًا أو تلميحًا منذ ثلاثة عشر قرنًا، وما بقيت مستورة تحت غشاء من الخفاء، إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن، شاهدة بأنه كلامُ ربِّ لا يعلم الغيب سواه؛ وذلك أنهم كشفوا أن مادة الكون هي الأثير، وقد وصف القرآن بدء التكوين، فقال: {ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11]، وكشفوا أن الكائنات في حركة دائمة دائبة، والقرآن يقول: {وَآيَةٌ لّهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} [يس: 33]، إلى أن يقول: {وَكُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]، وحققوا أن الأرض منفتقة من النظام الشمسي، والقرآن يقول: {أَوَلَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ} [الأنبياء: 30]، وحققوا أن القمر منشق من الأرض، والقرآن يقول: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الأنبياء: 44]، ويقول: {اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقّ الْقَمَرُ} [القمر: 1]، وحققوا أن طبقات الأرض سبع، والقرآن يقول: {اللّهُ الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنّ} [الطلاق: 12]، وكشفوا أن للجمادات حياة قائمة بماء التبلور، والقرآن يقول: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ} [الأنبياء: 30] وحققوا أن العالم العضوي -ومنه الإنسان- ترقى من الجماد، والقرآن يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ} [المؤمنون: 12].

وهناك من الكتب ما سار مؤلفوها على هذا الدرب من التفسير، مثل كتاب: (إعجاز القرآن)، لمصطفى صادق الرافعي، و(الإسلام والطب الحديث)، للدكتور عبد العزيز إسماعيل، وفيه يقرر أن كثيرًا من آيات القرآن لا يفهم شيئًا من معناها الحقيقي، إلا من درس العلوم الحديثة، كما يؤكد أن العلم الحديث كشف عن معنى بعض الآيات، وسينكشف الباقي منها كلما تقدمت العلوم، ثم يأتي وقت يكون فيه العلماء الماديون أقرب الناس إلى الدين، وفي هذا -كما ترى- اتهام للصحابة ومن جاء بعدهم من سلف الأمة، بأنهم لم يفهموا المعاني الحقيقة لبعض الآيات القرآنية؛ لجهلهم بهذه العلوم المستحدثة، وهذا اتهام نعيذ منه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة -رضوان الله عليهم-، وهذا الكتاب مليء بالأفكار الغريبة المرفوضة؛ لما بها من تفسيرات لم تكن صحيحة قط.

وكثيرًا ما نرى المؤلف يشرح بعض الحقائق الدينية بما جاء عن أفلاطون في جمهوريته، أو بما جاء عن إخوان الصفا في رسائلهم.

ونجده يفسر آيات القرآن تفسيرًا علميًّا يقوم على نظريات حديثة وعلوم جديدة، لم يكن للعرب عهد بها من قبل.

فـ (تفسير الجواهر) يعد موسوعة علمية ضربت في كل فن من فنون العلم بسهم وافر؛ مما جعلَ هذا التفسير يُوصف بما وُصف به تفسير الفخر الرازي، فقيل عنه: فيه كل شيء إلا التفسير.

ومن هذا كله يتبين: أن التفسير العلمي في العصر الحديث، إن كان قد لقي قبولًا ورواجًا عند بعض العلماء؛ فإنه لم يلق مثل هذا القبول والرواج عند كثير منهم.

2. اللون المذهبي للتفسير في عصرنا الحاضر:   

لم يبق من الفرق المنسوبة إلى الإسلام في هذا العصر الحديث من له كيان إلا أهل السنة، والإمامية الإثنى عشرية، والإمامية الإسماعيلية، والزيدية، والإباضية من الخوارج، والبهائية من الباطنية، وهي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، محتفظة بتعاليمها وعقائدها التي تسير عليها من أول عهدها، وإذا كنا قد وقفنا لكل فرقة من هذه الفرق في عصورها السابقة على عمل ظاهر في تفسير كتاب الله وشرحه، على حسب ما تمليه عقيدة المفسر وما يوحَى به إليه، فإنا لنعدم هذا اللون المذهبي لتفسير القرآن الكريم في هذا العصر الحديث، ولكن بمقدار ما بقي من هذه المذاهب قائمًا إلى هذا العصر.

نعم بقي اللون المذهبي لتفسير القرآن قائمًا في هذا العصر الحديث بمقدار ما بقي قائمًا من المذاهب الإسلامية، فأهل السنة فسروا القرآن، وألفوا الكتب فيه بما يتفق وعقيدتهم، كما نرى ذلك واضحًا فيما خلفته لنا مدرسة الإمام محمد عبده من كتب في التفسير.

والإمامية الإثنى عشرية فسروا القرآن، وألَّفُوا الكتب فيه بما يتمشى مع مذهبهم ويتفق ما أهوائهم ومشاربهم، ومن أحدث كتبهم في التفسير: (بيان السعادة في مقامات العبادة)، للشيخ سلطان محمد الخراساني، من أهل القرن الرابع عشر الهجري، والإباضية من الخوارج، فسروا القرآن، وألفوا فيه الكتب بما يناسب عقيدتهم ويساير مذهبهم، وكذلك البهائية من الباطنية، نظروا إلى القرآن من خلال عقيدتهم فأوَّلوا وحرَّفوا، كما نجد ذلك جليًّا في رسائل أبي الفضل الجرفاد قاتي، أحد رجال البهائية في هذا العصر.

أما الزيدية: فإنَّا لم نقف لها على شيء في التفسير في هذا العصر الحديث، وأما المعتزلة: فنحن وإن كنا لا نسمع عن قيامها في هذا العصر كفرقة لها كيانٌ، ووحدةٌ ومقومات، إلا أننا نرى أثرًا كبيرًا لتعاليمها في تفسير القرآن في العصر الحديث، كما يظهر ذلك جليًّا في تفسير الإمامية الإثنى عشرية، والإباضية، ومقالات بعض المحدثين من المفسرين، كل هذه الفرق الموجودة في هذا العصر، أضفت على التفسير لونًا مذهبيًّا يقوم على تأييد العقيدة وخدمتها على حساب القرآن الكريم.

3. اللون الإلحادي للتفسير في عصرنا الحاضر:

وهذا اللون من التفسير هو تدبيرٌ لهدم الإسلام، وسبب وجوده هم الذين انتسبوا إلى هذا اللون، فمنهم من حسب أن التجديد -ولو بتحريف كتاب الله- سبب لظهوره وشهرته، فأخذوا يثورون على قدماء المفسرين، ويرمونهم جميعًا بالسفه والغفلة، ثم طلع على الناس بجديده في تفسير كتاب الله، فنجده تفسيرًا جديدًا لا تقره لغة القرآن، ولا يقوم على أصل من الدين، ومن هؤلاء من تلقى من العلم حظًّا يسيرًا، ونصيبًا قليلًا لا يرقى به إلى مصاف العلماء، لكنه اغتر بما لديه، فحَسَبَ أنه بلغ مبلغ الراسخين في العلم، ونسيَ أنه لم ينلْ من علم اللغة ما يُعينه، ولا من عِلم الشريعة ما يُؤيده، فراح ينظر في كتاب الله نظرة حُرة، لا تتقيد بأي أصل من أصول التفسير، ثم أخذ يهذي بأفهام فاسدة تتنافى مع ما قرره أئمة اللغة وأئمة الدين، ولأول نظرة يتضح لمن يتطلع عليها أنها لا تستند إلى حُجَّةٍ، ولا تتكئ على دليل، وحينما نعرض لهذا اللون من التفسير لا نريد أن نذكر أحدًا من أصحابه باسمه ولقبه؛ إذ ربما كان هذا سببًا للفتنة، ومن أصحاب هذا اللون رجل يكتب بحثًا طويلًا تحت عنوان: “القرآن والمفسرون”، وفيه يعرض لنواحي التقصير في تفسير كافة المفسرين لكتاب الله، ويحمل عليهم حملة شديدة نكراء، ويوجه إليهم جميعًا نقده الساخر، ولومه اللاذع، دون أن يستثني منهم مفسرًا واحدًا على كثرتهم وكثرة المعتدلين منهم.

فهو يتهم المفسرين جميعًا بأنهم تأثروا في تفاسيرهم بعقائدهم، فأمالوا آيات القرآن نحو آرائهم، في تعسف ظاهر وتكلف غير مقبول، ورأيناه يرميهم جميعًا بأنهم كثيرًا ما يكتفون بذكر إسرائيليات ليس لها سند أصلًا، فضلًا عن طمعهم في تصحيح هذه الأسانيد المكذوبة، ونراه يذكر لهم الاتهام الأخير مثلًا:

من أقوالهم في تفسير قصة أيوب عليه السلام ثم يأخذ في تفنيد ما ذهبوا إليه، وإبطال ما قالوا به بأدلة كثيرة ذكرها، ثم تناول قوله تعالى{وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيّوبَ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ أَنّي مَسّنِيَ الشّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}(41) {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}(42) {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مّعَهُمْ رَحْمَةً مّنّا وَذِكْرَىَ لاُوْلِي الألْبَابِ}(43) {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نّعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ} [ص:41-44]، تناول الكاتب هذه الآيات فشرحها شرحًا يخالف ما ذهب إليه المفسرون جميعًا، مدَّعِيًا أن ما ذهب إليه هو الذي يساير كل ما ورد من آيات القصص في القرآن، ومؤكدًا أنه هو الذي يتفق مع بلاغة القرآن وقدسية الأنبياء، فقال:

يجب أن ننظر في الآية نظرة أخرى -خلاف ما عليه المفسرون- تساير بها نظائرها من آيات القصص، ونحن إذا التفتنا إلى ما في هذه الآية، من أن أيوبعليه السلام قد عزا النصب، والعذاب للشيطان، فقال: {أَنّي مَسّنِيَ الشّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} كان ذلك مانعًا كل المنع من أن يراد بالنصب والعذاب داء أصاب أيوب، وكان من نتائجه ما ذكره المفسرون؛ إذ الشيطان لا يملك للإنسان إلا أن ينزغه، ويوسوس إليه فيلويه عن الخير إلى الشر، وعن العزم في سبيل الغاية إلى التردد والهزيمة، وإنه ما من نبي ولا رسول، إلا وقد نزل به هذا المصاب؛ مصاب إعراض الناس واستهوائهم بالدعوة والداعين، وصد الشيطان لهم عن سبيل الله، قال تعالى{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52]، وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة، ولا كان حزنهم الذي كان يبلغ أحيانًا حد الإهلاك للنفس، إلا لبطءٍ في سير الدعوة إلى الله تعالى، انظر قوله تعالى: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ} [النمل: 70]، وقوله تعالى: {فَلَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ عَلَىَ آثَارِهِمْ إِن لّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف: 6]، ولما كانت الشكوى تشعر بوهنٍ في العزيمة، وضعفٍ في الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية، أن قيل له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} فالمراد بالركض هنا: عقد العزيمة وتأكيدها، واستتمام الثقة وإكمالها، والمضي بقوة وبغير تردد ولا توانٍ إلى الغاية، فهي كناية من أعذب الكنايات وأروعها، وهي من وادي: شمر عن ساعة الجد، شمر عن ساقيك، غير أنها أوفر منها صياغة وترفعًا؛ إذ من المعروف المشاهد أن السائر إلى جهة بغير تردد، بل بقوة وعزيمة ترى لرجليه ضربًا، وتسمع لقدميه على الأرض وقعًا، ولما كان تردد المرء في غايته، ووهم عزيمته إليها، وضعف ثقته بها صدءًا يغشي الأرواح، ومرضًا يضعف النفوس ويضايق الصدور، كان عقد العزيمة واستكمال الثقة، غسلًا للروح من صدأها، وشفاءً للنفس من مرضها، ونقعًا لغلة الصدور؛ لذلك قال الله لرسوله أيوب: {هَـَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، والآية ليس فيها مرجع لاسم الإشارة، إلا الركض، المفهوم من قوله: {ارْكُضْ} المكنى به عن توثيق العزم والأخذ بالحزم، كما هو مقتضى النظم الكريم، الجار لقواعد اللغة التي تأبى أن يكون لاسم الإشارة مرجع غير هذا من الماء والمعين كما يقتضيه تفسير المفسرين؛ إذ ليس في النظم ما يدل عليهما بأيّ وجه من وجوه الدلالة.

ولما كان أيوب عليه السلام باعتباره رسولًا لابد أن يأتمر في إخلاص الأنبياء بأمر ربه بين الله له ثمرة جهاده وصبر هذا الإنسان على هذا البلاء، فقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ} أي: هدينا له أهله فآمنوا به واستجابوا لدعوته، وهديناه له مثلهم من غير أهله، فليس المراد بالهبة هنا هبة الخلق والإيجاد، بل هبة الهداية والإرشاد، بدليل تعبيره بالأهل دون التعبير بالذرية والولد.

ومن كتب التفسير الإلحادي في هذا العصر: (الهداية والعرفان في تفسير القرآن الكريم)، وفيه مساوئ كثيرة، فهو يحمل على المفسرين جميعًا، وطريقته في التفسير عبارة عن دس وحشو في تفسيره، قال المؤلف: إن طريقته في التفسير، كشف الآية وألفاظها بما ورد في موضعها من الآيات والسور، هكذا يزعم صاحب هذا الكتاب، لكنه يدخل في مخالفات شرعية كثيرة، فهو ينكر معجزات الأنبياء، فمثلًا عندما تعرض للآية التي تتحدث عن معجزة عيسى عليه السلام: {أَنِيَ أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ} [آل عمران: 49]، نجد المؤلفَ يتحدثُ، فيقول: {كَهَيْئَةِ الطّيْرِ} هذا تمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره، والأكمه: من ليس عنده نظر، والأبرص: المتلون بما يشوه الفطرة، وهكذا لا يعترف بالمعجزة؛ وإنما يعدها من باب التمثيل.

وكذلك موقفه من معجزات موسى عليه السلام حينما قال تعالى: {فَأَلْقَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مّبِينٌ}(107) {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنّاظِرِينَ} [الشعراء: 32، 33].

يقول: هذا مثال من قويت حجته، وظهر برهانه، أي: مثال لقوة الحجة وظهور البرهان، وليست حقيقية.

أيضًا موقفه من معجزة إبراهيم عليه السلام إنكار المعجزة، وذلك في قوله تعالى: {قُلْنَا يَنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: الآية 69]، يقول: معناها: ربنا نجاه من الوقوع فيها، وهكذا يتعرض لمعجزات الأنبياء بالإنكار، ويقول: إنها رمز لشيء معين.

وهو ينكر الملائكة، والجن، والشياطين؛ فيأتي مثلًا بتفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، نجده يقول: الملائكة رسل النظام، وعالم السنن، وسجودهم للإنسان، معناه أن الكون مسخر له، وإبليس: اسم لكل مستكبر على الحق.

وهكذا نجد المؤلف يذهب في تفسير القرآن الكريم، تفسيرًا خارجًا عما كان عليه الصحابة والتابعون؛ ولهذا كان باطلًا.

4. اللون الأدبي، والاجتماعي للتفسير:

أ. المدرسة الحديثة، ومنهجها:

قامت هذه المدرسة بمجهود كبير في تفسير كتاب الله تعالى، مجهود نحمد لها الكثير منه، ولا نوافقها على بعض منه قليل.

محاسن هذه المدرسة:

1- نظرت المدرسة للقرآن، نظرة بعيدة عن التأثر بأي مذهب من المذاهب.

2- وقفت المدرسة من الروايات الإسرائيلية موقف الناقد البصير، فلم تشوه التفسير بما شُوِّة به كتب المتقدمين من الروايات الخرافية المكذوبة التي أساءت للقرآن، وجرّأت الطاعنين عليه.

3- لم تغتر المدرسة بالأحاديث الضعيفة والموضوعة التي كان لها أثر سيئ في التفسير.

4- نتيجة لعدم الاغترار بالإسرائيليات والأحاديث الموضوعة ، فلم تخض هذه المدرسة في تعيين ما أبهمه القرآن ولم تجرؤ على الخوض في الكلام عن الأمور الغيبية التي لا تُعرف إلا من جهة النصوص الشرعية الصحيحة؛ بل قررت مبدأ الإيمان بما جاء من ذلك مجملًا، ومنعت من الخوض في التفصيلات والجزئيات، وهذا مبدأ سليم يقف حاجزًا منيعًا دون تسرب شيء من خرافات الغيب المظنون، إلى المعقول والعقائد.

5- أبعدت هذه المدرسة التفسيرَ عن التأثر باصطلاحات العلوم والفنون التي زُجَّ بها في التفسير دون أن يكون في حاجة إليها، ولم تتناول في ذلك إلا بمقدار الحاجة وعلى حسب الضرورة فقط.

6- نهجت المدرسة بالتفسير منهجًا أدبيًّا اجتماعيًّا، فكشفت عن بلاغة القرآن وإعجازه وأوضحت معانيه ومراميه، وأظهرت ما فيه من سُننِ الكون الأعظم ونظم الاجتماع، وعالجت مشاكل الأمة الإسلامية خاصة، ومشاكل الأمم عامة، بما أرشد إليه القرآن من هداية وتعاليم، جمعت بين خيري الدنيا والآخرة، ووفقت بين القرآن وما أثبته العلم من نظريات صحيحة، وجلّت للناس أن القرآن كتاب الله الخالد الذي يستطيع أن يُساير التطور الزمني والبشري إلى يوم الدين.

7- دفعت المدرسة ما ورد من شُبَهٍ على القرآن وفندت ما أثير حوله من شكوك وأوهام بحجج قوية قذفت بها على الباطل فدمغته فإذا هو زاهق، كل هذا بأسلوب شائق جذاب يستهوي القارئ ويستولي على قلبه ويحبب إليه النظر في كتاب الله ويرغبه في الوقوف على معانيه وأسراره.

عيوب هذه المدرسة:

1- أعطت لعقلها حرية واسعة فتأولت بعض الحقائق الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم، وعدلت بها عن الحقيقة إلى المجاز أو التمثيل، وليس هناك ما يدعو لذلك إلا مجرد الاستبعاد والاستغراب، استبعاد بالنسبة لقدرة البشر القاصرة واستغراب لا يكون إلا ممن جهل قدرة الله وصلاحيتها لكل مكان.

2- بسبب الحرية العقلية الواسعة جارت المعتزلة في بعض تعاليمها وعقائدها، وحمَّلتْ بعضَ ألفاظ القرآن من المعاني ما لم يكن معهودًا عند العرب في زمن نزول القرآن، وطعنت في بعض الأحاديث تارة بالضعف وتارة بالوضع، رغم أنها أحاديث صحيحة، رواها البخاري، ومسلم؛ وهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، بإجماع أهل العلم.

3- لم تأخذ المدرسةُ بأحاديثِ الآحاد الصحيحة الثابتة في كل ما هو من قبيل العقائد، أو من قبيل السمعيات، مع أن أحاديث الآحاد في هذا الباب، كثيرة لا يستهان بها.

أهم رجال هذه المدرسة:

الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وإنتاجه في التفسير:

يُعد الإمامُ محمد عبده، زعيم هذه المدرسة وعميدها، ثم محمد رشيد رضا، والأستاذ الأكبر محمد مصطفى المراغي، وهما خير من أنجبت هذه المدرسة، وخير من ترسم خطى الأستاذ الإمام وسار على منهجه وطريقته في التفسير.

التعريف بتفسير محمد عبده:

لقد ابتدأ الإمام بأول القرآن في غرة المحرم سنة (1317) هـ، وانتهى عند تفسير قوله تعالى في الآية (126) من سورة النساء، وذلك في منتصف المحرم سنة (1323) هـ، وقد كان له منهجه في التفسير، فكان متحررًا من قيود التقليد، وقد اتخذ لنفسه مبدأً يسير عليه في تفسير القسرآن الكريم، ويخالف به جماعة المفسرين المتقدمين، وهو فهم كتاب الله من حيث هو دين، يُرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.

فكان يتوجه باللوم إلى المفسرين الذين غفلوا عن الغرض الأول للقرآن، وهو ما فيه من هداية وإرشاد، وراحوا يتوسعون في نواحٍ أخرى من ضروب المعاني، ووجوه النحو وخلافات الفقه، وقد قسَّمَ التفسير إلى قسمين:

أحدهما: جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ وإعراب الجمل وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية، قال: وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرًا وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون؛ كالنحو والمعاني وغيرهما.

ثانيهما: ذهب المفسرُ إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام؛ ليتحقق فيه معنى قوله تعالى: {وَهُدًى وَرَحْمَةً} [الجاثية: 20].

وكان يرى: أن القرآن الكريم هو الميزان الذي تُوزن به العقائد لتعرف قيمتها، وكان الإمام في دروسه يراعي حال من يستمعون إليه، ولقد كان يندد بمن يكتفي في التفسير بالنظر في أقوال المتقدمين، كما نجده يعرِّف لنا الفهم الصحيح للقرآن، فيقول: وأعني بالفهم ما يكون عن ذوقٍ سليم تصيبه أساليب القرآن، وتملكه مواعظه، فتشغله عن ما بين يديه مما سواه.

ويقول: أنا لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب، أخذًا جافًّا لم يصحبه ذلك الذوق، وما يتبعه من رقة الشعور، ولطف الوجدان، الذين هما مدار التعقل والتأثر، والفهم والتدبر.

و لم يكن كغيره من المفسرين الذين أعجبوا بالإسرائيليات، وجعلوا منها شروحًا لمبهمات القرآن؛ بل وجدناه ينفر منها، باعتبار أن الله لم يكلفنا بالبحث عن الجزئيات والتفصيلات لما جاء به مبهمًا في كتابه؛

فمثلًا عندما تعرض لقوله تعالى: {وَإِنّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ}(10) {كِرَاماً كَاتِبِينَ} [الانفطار: 10، 11]، نجده يقول: ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه، أن علينا حفظة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء ومن أي شيء خلقوا، وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا، وهو يبعد فهمه أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال، وهل الحروف والصور التي ترسم، هي على نحو ما نعهد، أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال، فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث الله الناس، كل ذلك لا نكلف العلم به؛ وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر وتفويض الأمر في معناه إلى الله سبحانه وتعالى.

و لا يكاد يمر بآية من القرآن يمكنه أن يأخذ منها علاجًا للأمراض الاجتماعية، إلا أفاض في ذلك بما يصور للقارئ خطر العلة الاجتماعية التي يتكلم عنها، ويرشده إلى وسيلة علاجها.

كل هذا يأخذه الأستاذ الإمام من القرآن الكريم، ثم يلقي به على أسماع المسلمين وغير المسلمين، رجاء أن يعودوا إلى الصواب، ويتوبوا إلى الرشاد؛ فمثلًا عندما تعرض لقوله تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ} [العصر: 3]، نجده يقول: والصبر ملكة في النفس، يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله والرضا بما يُكره في سبيل الحق، وهو خلق يتعلق به؛ بل يتوقف عليه كمال كل خلق، وما أتي الناس من شيء، مثل ما أوتوا من فقد الصبر أو ضعفه، كل أمة ضعف الصبر في نفوس أفرادها ضعف فيها كل شيء وذهبت منها كل قوة، ولنضرب لذلك مثلا: نقص العلم عند أمة من الأمم كالمسلمين اليوم، إذا دققت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإن من عرف بابًا من أبواب العلم لا يجد في نفسه صبرًا على التوسع فيه، والتعب في تحقيق مسائله، وينام على فراش من التقليد هين لين لا يكلفه مشقة، ولا يجشمه تعبًا، ويسلي نفسه عن كسله بتعظيم من سبقه، ولو كان عنده احترام حقيقي لسلفه، لاتخذهم أسوة له في عمله، فحذا حذوهم وسلك مسلكهم، وكلف نفسه بعض ما حملوا أنفسهم عليه، واعتقد كما كانوا يعتقدون أنهم ليسوا بمعصومين.

تفسير الإمام محمد عبده للقرآن على ضوء العلم الحديث:

نجد الأستاذ الإمام رحمه الله يتناول بعض آيات القرآن فيشرحها شرحًا يقوم على أساس من نظريات العلم الحديث، وغرضه بذلك أن يوفق بين معاني القرآن التي قد تبدوا مستبعدة في نظر بعض الناس وبين ما عندهم من معلومات توشك أن تكون مسلمة عندهم، أو هي مسلمة بالفعل.

وهو إن كان يرمي من وراء ذلك إلى غرض نبيل، يخرج أحيانًا بمثل هذا الشرح والبيان عن مألوف العرب، وما عهد لديهم وقت نزول القرآن، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {إِذَا السّمَآءُ انشَقّتْ} [الانشقاق: 1]، نجده يقول: انشقاق السماء مثل انفطارها الذي مر تفسيره في سورة إذا السماء انفطرت، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها، عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذب فتصادم فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام، واختل نظامها حال ظهورها.

هذا التفسير من الأستاذ الإمام عمل جليل يشكر عليه، إذ غرضه من ذلك تقريب معاني القرآن، وما يخبر به من عقول الناس، بما هو معهود عندهم ومسلم لديهم، ولكن هل لا بد في فساد الكون من أن يترتب على مثل هذه الظاهرة الكونية، وهل يعجز الله تعالى عن إفساده وإخلاله بأمر آخر غير ذلك، أليس الأولى بنا أن نؤمن بما جاء به القرآن، ولا نخوض فيما وراء ذلك من تفصيلات كما هو مذهب الشيخ؟

error: النص محمي !!