Top
Image Alt

التفسير التاريخي لعصور النقد الأدبي

  /  التفسير التاريخي لعصور النقد الأدبي

التفسير التاريخي لعصور النقد الأدبي

مر النقد الأدبي بالعصور المتتابعة للأدب العربي، فعندنا: العصر الجاهلي، والعصر الإسلامي، والعصر الأموي، والعصر العباسي، وعندنا العصر الحديث في النقد، كما هي عصور الأدب.

عندنا أيضًا البيئات النقدية مثل البيئات الأدبية، ومع هذا التلازم الذي وضحناه بين الأدب والنقد، وأن العصور النقدية يمكن أن تكون تابعة أو متماشية مع العصور التاريخية للأدب، فإنه لا بد من التوضيح بأن العصور المتتابعة في النقد يمكن أن تدرس نتاجًا أدبيًّا ظهر في عصر مختلف؛ بمعنى: أن النقد في العصر العباسي يتطرق إلى النصوص الجاهلية، وإلى الشعراء الجاهليين ويحكم عليهم، حتى في العصر الحديث، ففيه دراسات نقدية تتناول الشعراء العباسيين، والشعراء الأمويين، والشعراء الجاهليين.

وظهرت وجهات نظر وأحكام نقدية في العصر الحديث حول القضايا الأدبية، وحول الشعراء والأدباء السابقين، قد تتفق وقد تختلف مع الآراء التي ظهرت في عصر أولئك الشعراء، أو في العصر الذي ظهرت فيه تلك القضايا الأدبية المعينة.

إن النقد الأدبي في العصور المتتابعة يستفيد بثقافات جديدة وبرؤى جديدة ومقاييس جديدة، يمكن أن يطبقها نقاد العصر المتأخر على أدباء وشعراء ونصوص وقضايا ظهرت في عصر متقدم.

والفروق التي تتمايز بها العصور في النقد الأدبي تبعًا لتنوع الثقافات، واختلافها واتساع النظرة تظهر في التعامل مع النص الواحد أو القضية الواحدة أو الشاعر الواحد، فنجد أحكامًا قديمة تختلف عن أحكام حديثة في موضوع واحد أو نص واحد أو شاعر واحد.

ليتضح هذا المقال نضرب هذا المثال؛ للشاعر الغزّال كثير عزة أبيات يقول فيها:

ولما قضينا من منى كل حاجة

*ومسح بالأركان من هو ماسح

وشدت على حب المهاري رحالنا

*ولم يبصر الغادي الذي هو رائح

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا

*وسالت بأعناق المطي الأباطح

كثير عزة هذا شاعر معروف بأنه من شعراء الغزل، ومحبوبته عزة عرف بها وعرفت به، وأصبحت شهرته بها دالة عليه حتى أضيف اسمه إلى اسمها، فاسمه أو شهرته المعروف بها في تاريخ الأدب العربي كُثَيِّر عزة، والأبيات تشير إلى أنه كان في منى في موسم الحج.

وقوله: “ومسح بالأركان من هو ماسح” المراد بالأركان هنا: أركان الكعبة، والبيت الحرام.

هذه أبيات رقيقة بلا شك، وتعرض للكلام عنها عددٌ من النقاد في عصور متتابعة، فمن الذين تحدثوا عن هذه الأبيات: ابن قتيبة، وأبو هلال العسكري، وأبو الفتح ابن جني، وأبو بكر الباقلاني، وعبد القاهر الجرجاني.

وفي العصر الحديث أوردها وعلق عليها وذكر ما ورد عليها من نقد، الدكتور عبد الرحمن عثمان -عليه رحمة الله- في كتابه المعروف (مذاهب النقد وقضاياه)؛ فأورد الدكتور عبد الرحمن عثمان نقد ابن قتيبة، يقول عن ابن قتيبة: “يقول في معرض تقسيمه للشعر من حيث الجودة والرداءة: وضرب منه -أي: ونوع من الشعر- حسن لفظه وحلى -ألفاظه جيدة- فإذا أنت فتشته لم تجد هناك طائلًا”.

والناقد ينظر إلى الشكل وإلى المضمون، فابن قتيبة نظر في هذه الأبيات من جهة الشكل والمضمون، فقال: إن هذه الأبيات تتميز بحسن اللفظ وحلاوته، فإذا أنت فتشت هذا القول لم تجد هناك طائلًا، ولم تجد فيه معنى يستحق أن يلتفت إليه، وأورد الأبيات -أبيات كثير- وقال: “وهذه الألفاظ أحسن شيء مطالع ومخارج ومقاطع، فإذا ما نظرت إلى ما تحتها وجدته؛ أي: المعنى المراد منها: ولما قضينا أيام منى واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الإمضاء؛ ركبنا عليها، يعني: ومضى الناس لا ينظر من غدا الرائح ابتدأنا في الحديث، وسارت المطي في الأباطح، الأباطح يعني الطرق الموجودة بين الجبال” هذا تعليق ابن قتيبة على هذه الأبيات.

الدكتور عبد الرحمن عثمان يعلق على كلام ابن قتيبة هذا -وهو نقد النقد- فيقول: “وليس في هذا النقد لمحة ذوقية واحدة تُشعرنا بأن ابن قتيبة يستطيع أن يفهم الشعر بذوقه، إلى جانب ما نبغ فيه من مسائل الفقه، ومشكلات النحو”.

والدكتور عبد الرحمن عثمان هنا غير مقتنع بكلام ابن قتيبة، ويقول: إن هذا النقد خالٍ من لمحات الذوق، وإن ابن قتيبة بارع في مسائل الفقه ومشكلات النحو، لكنه لما تعرض لهذه الأبيات لم يحسن ذوقه فهم ما ترمي إليه. يضيف الدكتور عبد الرحمن عثمان، فيقول: “ولعله قنع بما استحسن من مطالع الألفاظ ومخارجها ومقاطعها، فلم يحاول أن يجلي لنا الصورة الرائعة التي ترسمها لنا الأبيات”.

إذًا: الدكتور عبد الرحمن يرى في هذه الأبيات صورة رائعة غفل عنها ابن قتيبة، ثم يضيف: “ولو أنه أخضع الأبيات إلى ما كان فاشيًا في البيئة الحجازية آنذاك، لأدرك أن شعراء الغزل الذين منهم كثير عزة، لا يتحدثون بوجدانهم الديني حتى حين يتحدثون عن المناسك وأنواع العبادات، وإنما هم مصروفون إلى الإصاخة لهواة في نفوسهم وجامح ميولهم”.

فالدكتور عبد الرحمن عثمان يشير إلى أن كثير عزة وجماعته من شعراء الغزل، حتى عندما يتحدثون عن مشاعر الحج ومناسكه، فإنما يجب علينا أن نفهم أن لهم طريقة في التعبير تدل على ما كانوا يهتمون به من الغزل، ومن الكلام عن ميولهم إلى محبوباتهم.

ويستشهد الدكتور عبد الرحمن عثمان بشعر عمر بن أبي ربيعة؛ ليدل على ما كان شائعًا عند شعراء الغزل، فيقول: “فالشاعر الغزّال عمر بن أبي ربيعة، وهو شيخ الغزليين في تلك الفترة، ينشد قوله:

ولولا أن تعنِّفْنِي قريش

 
*مقال الناصح الأدنى الشفيق


لقلت إذا التقينا: قبليني
 

*ولو كنا على ظهر الطريق”



ثم يقول الدكتور عبد الرحمن: “بل إننا قد نفاجأ في وصف المرأة المسلمة، التي فارقت ديارها لتحج بيت الله الحرام، على نحو يجعلها خارجة إلى معرض من معارض الجمال”، ويذكر الدكتور عبد الرحمن عثمان حادثة جاءت في كتب الأدب، وذكرها الشيخ المرصفي في كتابه (الوسيلة الأدبية) فيقول: “روي أن بعض أتقياء الحجاز وعُبّادهم رأى بمنى امرأة ذات حسن فائق وجمال رائق، وهي ملقية على وجهها بردًا مهلهل النسج مظهرًا لمحاسنها، فقال: يا هذه اختبئي. فقالت له: أنا من اللواتي قال فيهن عمر بن أبي ربيعة:

أماطت رداء الخز عن حر وجهها
 
*وألقت على الخدين بردًا مهلهلا

من اللائي لم يحججن يبغين جنة

*ولكن ليقتلن التقي المغفلا

 

فقال: اللهم لا تعذب هذا الوجه. ومضى، فبلغ ذلك بعض أصحاب المذاهب في عصره، فقال: تلك ظرافة أهل الحجاز، أما لو سمعها بعض متنطعة أهل العراق لشتمها، وصخب بها”.

هذا ما أورده الدكتور عبد الرحمن عثمان من الشعر والرواية، التي أراد أن يدلل بها على ما كان شائعًا في بيئة شعراء الغزل في ذلك العصر، وهو يأتي بذلك ليقول: إن أبيات كُثير تتضمن أشياء لم يفطن إليها ابن قتيبة، فيقول: لقد كان على ابن قتيبة أن يدرك -وهو العالم الجليل- خصائص تلك الفترة التي قيلت فيها الأبيات؛ حتى لا يتورط في مثل هذا النقد الساذج، الذي يتمثل في شرحه لذلك الشعر، فقد جعل فيه -أي جعل ابن قتيبة- كثير عزة الشاعر الغزال حاجًّا، يتحدث عن قضاء المناسك من رمي الجمرات واستلام الأركان، بوجدان الرجل الذي يفارق أهله وماله في سبيل الظفر بغفران الله وفضله؛ ولهذا فهم البيت الأول على عجل، وسوّى بين ما يريد أن يقوله الشاعر في الشطر الأول وبين ما قصد إليه في الشطر الثاني.

ولكن الفرق واضح في جهة الإسناد، فكثير وصحبه هم الذين قضوا من منى كل حاجة هفت إليها نفوسهم، على حين عمد إلى التعميم في مسح الأركان مشيرًا بالعبادة من بعيد إلى أن ذلك من شأن الأوّابين الأتقياء، أولئك الذين يمسحون بالأركان مرة بعد أخرى؛ حرصًا منهم على كمال الفريضة.

ومن أجل هذا لم يقل الشاعر: ومسّحنا بالأركان، وإنما قال: “ومسح بالأركان من هو ماسح”، فلم يقل كما قال في صدر البيت الأول: “ولما قضينا”، ففي صدر البيت الأول -كما يقول الدكتور عبد الرحمن- أسند الشاعر الفعل إلى نفسه وأصحابه: “قضينا”، “ولما قضينا من منى كل حاجة”، فالحاجة التي قضاها كثير هو وصحبه شيء يختلف عما يشير إليه الشطر الثاني من البيت، وهو قوله: “ومسح بالأركان من هو ماسح”.

إذًا: كأن كثيرًا في هذه الأبيات يريد أن يقول: إنه قضى من منًى ما كانت تهفو إليه نفسه، والذي كانت تهفو إليه نفسه شيء غير الذي قصده الأتقياء وهم يمسحون بالأركان، ثم انفضّ الجميع كثير وأصحابه والحجاج الذين مسحوا بالأركان، وركب الجميع إبلهم، واختلط الناس اختلاطًا كبيرًا حتى لم يبصر الغادي الرائح، وهو تصوير للزحام الذي يوجد في منًى عندما يَهِمّ الناس بالانصراف عنها راجعين إلى بيوتهم.

ثم في البيت الثالث قال:

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
 
*وسالت بأعناق المطي الأباطح

ومن الجدير بالذكر أن هذه الأبيات تعرض لها نقاد آخرون، وكلٌّ منهم رأى فيها شيئًا غير الذي رآه السابقون عليه، وما قاله الدكتور عبد الرحمن عثمان -وقد كان عالمًا وأديبًا له ذوق كبير، وكان ناقدًا لا يشق له غبار- يدل على تفاوت النظرة إلى النص الواحد من عصر إلى عصر تبعًا لاختلاف الثقافة، واختلاف المعطيات التي من خلالها ينظر النقاد المتعددون في العصور المختلفة، أو في العصر الواحد إلى النص الأدبي الواحد.

error: النص محمي !!