Top
Image Alt

التفسير الفلسفي، والفقهي

  /  التفسير الفلسفي، والفقهي

التفسير الفلسفي، والفقهي

1. تفسير الفلاسفة:

كانت للفلاسفة المُوَفِّقُون بين الدين والفلسفة، طريقتان في توفيقهم:

الطريقة الأولى: طريقة التأويل للنصوص الدينية، والحقائق الشرعية بما يتفق مع الآراء الفلسفية، ومعنى هذا إخضاع تلك النصوص والحقائق إلى هذه الآراء، حتى تسايرها.

الطريقة الثانية: شرح النصوص الدينية، والحقائق الشرعية بالآراء والنظريات الفلسفية، ومعنى هذا: أن تطغى الفلسفةُ على الدين، وتتحكم في نصوصه، وهذه الطريقة أكثر شرًّا من الأولى على الدين. من تفاسير هؤلاء الفلاسفة:

أ. (تفسير الفارابي):

توفي الفارابي سنة (339) هـ، ولقد يتضح منهج الفلاسفة من تفسير الفارابي لبعض الآيات والحقائق التي جاء بها القرآن، تفسيرًا فلسفيًّا بحتًا، فمن ذلك: أنه يفسر الأولية والآخرية، الواردة في قوله تعالى: {هُوَ الأوّلُ وَالاَخِرُ} [الحديد: 3]، يفسر ذلك تفسيرًا أفلاطونيًّا، مبنيًّا على القول بِقِدَمِ العالم، فيقول: إنه الأول من جهة أنه منه، ويصدر عنه كل موجود لغيره، وهو أول من جهة أنه بالوجود لغاية قربه منه، أول من جهة أن كل زمان يُنسب إليه بكون، فقد وجد زمان لم يوجد معه ذلك الشيء ووجد إذ وجد معه لا فيه هو أول؛ لأنه إذا اعتبر كل شيء كان فيه أولًا أثره، وثانيًا قبوله لا بالزمان، هو آخر؛ لأن الأشياء إذا لوحظت ونُسبت إليه أسبابها ومبادؤها وقف عنده المنسوب، فهو آخر؛ لأنه الغاية الحقيقة في كل طلب، فالغاية مثل السعادة، في قولك: لم شربت الماء؟ فتقول: لتغير المزاج، فيقال: ولم أردت أن يتغير المزاج؟ فتقول: للصحة، فيقال: لم طلبت الصحة؟ فتقول: للسعادة والخير، ثم لا يورد عليه سؤالًا يجب أن يجاب عنه؛ لأن السعادة والخير يطلب لذاته لا لغيره، فهو المعشوق الأول؛ فلذلك هو آخر كل غاية أول في الفكرة، آخر في الحصول، هو آخر من جهة أن كل زمان يتأخر عنه، ولا يوجد زمان متأخر عن الحق.

ويشرح الباطن والظاهر، الوارد في قوله تعالى: {وَالظّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} فيقول: لا وجود أكمل من وجوده فلا خفاء به من نقص الوجود، فهو في ذاته ظاهر ولشدة ظهوره باطن، وبه يظهر كل ظاهر، كالشمس تُظهر كل خفي وتستبطن لا عن خفاء، كما يشرح هذه الجملة مرة أخرى، فيقول: هو باطن؛ لأنه شديد الظهور غلب ظهوره على الإدراك فخفي، وهو ظاهر من حيث أن الآثار تُنسب إلى صفاته، وتجُب عن ذاته فتصدق بها.

ب. مسلك ابن سينا في التفسير:

وهو من الفلاسفة المسلمين، فقد نظر إلى القرآن، ونظر إلى الفلسفة، فكان يوفق بين نصوص القرآن، والنظريات الفلسفية التي تبدو معارضة لها، فهذا نموذج مما قاله ابن سينا، في بعض نصوص القرآن الكريم:

عرض ابن سينا، لشرح قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة:17]، ففسر العرش، بأنه الفلك التاسع الذي هو فلك الأفلاك، وفسر الملائكة الثمانية التي تحمل العرش بأنها الأفلاك الثمانية التي تحت الفلك التاسع.

كذلك نجد ابن سينا يفسر الجنة والنار، والصراط، تفسيرًا فلسفيًّا بعيدًا عن المأثور الثابت الصحيح، فيقسم العوالم إلى ثلاثة أقسام: عالم حِسِّي، وعالم خيالي وهْمِي، وعالم عقلي، والعالم العقلي عنده هو الجنة، والخيالي هو النار، والحسي هو عالم القبور، أما الصراط، فيقول في شرحه: اعلم أن العقل يحتاج في تصور أكثر الكليات إلى استقراء الجزئيات، فلا محالة أنها تحتاج إلى الحس الظاهر، فتُعلم أنه يأخذ من الحس الظاهر إلى الخيال إلى الوهم، وهذا هو من الجحيم طريق، وصراط دقيق صعب حتى يبلغ ذاته العقل.

والحقيقة أن ما ذهب إليه ابن سيناء، هو عين ما يذهب إليه الباطنية، في تأويلهم للآيات القرآنية، ولا أحسب أن مسلمًا مهما كان محبًّا للفلسفة والفلاسفة، يقر ابن سيناء وأمثاله على دعوى أن الحقائق القرآنية رموز وإشارات لحقائق أخرى دقت عن أفهام العامة، وخفيت على عقولهم القاصرة، فرمز إليها النبي بآيات القرآن الكريم.

2. التفسير الفقهي:

أ. كيف نشأ التفسير الفقهي:

نزل القرآن الكريم مشتملًا على آيات تتضمن أحكامًا فقهية تتعلق بمصالح العباد في دنياهم وأخراهم، وكان المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يفهمون ما تحمله هذه الآيات من الأحكام الفقهية بمقتضى سليقتهم العربية، وما أُشكل عليهم من ذلك رجعوا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جدت للصحابة من بعده حوادث تتطلب من المسلمين أن يحكموا عليها حُكمًا شرعيًّا صحيحًا، فكان أول شيء يفزعون إليه لاستنباط هذه الأحكام الشرعية، هو القرآن الكريم، ينظرون في آياته ويعرضونها على عقولهم وقلوبهم، فإن أمكن لهم أن ينزلوها على الحوادث التي جدت فيها، وإلا لجئوا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجدوا فيها حكمًا، اجتهدوا وأعملوا رأيهم على ضوء القواعد الكلية للكتاب والسنة، ثم خرجوا بحكم فيما يحتاجون إلى الحكم عليه، والصحابة في نظرتهم لآيات الأحكام كانوا يتفقون أحيانًا على الحكم المستنبط، وأحيانًا يختلفون في فهم الآية.

ظل الأمر على هذا إلى عهد ظهور أئمة المذاهب الأربعة، وفيه جدت حوادث كثيرة للمسلمين لم يسبق لمن تقدمهم حكم عليها؛ لأنها لم تكن على عهدهم، فأخذ كل إمام ينظر إلى هذه الحوادث تحت ضوء القرآن والسنة وغيرهما من مصادر التشريع، ثم يحكم عليها بالحكم الذي ينقدح في ذهنه، ويعتقد أنه هو الحق الذي يقوم على الأدلة والبراهين، كانوا يتفقون فيما يحكمون به، وأحيانًا يختلفون حسبما يتجهوا لكل منهم من الأدلة، ثم خلف من بعد هؤلاء الأئمة، خلف سرت فيهم روح التقليد لهؤلاء الأئمة، وإذا تتبعنا التفسير الفقهي، في جميع مراحله وجدناه يسير بعيدًا عن الأهواء والأغراض، من مبدأ نزول القرآن إلى وقت قيام المذاهب المختلفة، ثم بعد ذلك يسير تبعًا للمذاهب ويتنوع بتنوعها، ولأهل السنة تفسير فقهي متنوع، بدأ نظيفًا من التعصب، ثم لم يلبث أن تلوث به، وللظاهرية تفسير فقهي، يقوم على الوقوف عند ظواهر القرآن دون أن يحيد عنها، وللخوارج تفسير فقهي يخصهم، وللشيعة تفسير فقهي يخالفون به من عداهم، وكل فريق من هؤلاء يجتهد في تأويل النصوص القرآنية، حتى تشهد له أو لا تعارضه على الأقل، مما أدى بعضهم إلى التعسف في التأويل، والخروج بالألفاظ القرآنية عن مدلولاتها.

ب. نماذج من التفسير الفقهي:

أحكام القرآن، للجصاص:

ولد الجصاص سنة (305) هـ وتوفي (370) هـ، كتابه يسمى بـ (أحكام القرآن)، وهو حنفي، وهو لا يقتصر في تفسيره على ذكر الأحكام التي يمكن أن تُستنبط من الآيات؛ بل نراه يستطرد إلى كثير من مسائل الفقه والخلافات بين الأئمة مع ذكره للأدلة بتوسع كبير؛ مما جعل كتابه أشبه ما يكون بكتب الفقه المقارن، وكثيرًا ما يكون هذا الاستطراد إلى مسائل فقهية لا صلة لها بالآية إلا عن بُعد، فمثلًا: نجده عندما عرض لقوله تعالى: {وَبَشّرِ الّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ} [البقرة:25]، يستطرد لمذهب الحنفية، في أن من قال لعبيده: من بشرني بولادة فلانة فهو حر، فبشره جماعة واحدًا بعد واحد، أن الأول يُعتق دون غيره، وكان يتعصب لمذهب الحنفية، فمثلًا عندما عرض لقوله تعالى: {ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ} [البقرة:187]، نجده يحاول بتعسف ظاهر، أن يجعل الآية دالة على أن من دخل في صوم التطوع لزم إتمامه.

وكان يحمل على مخالفيه، فلم يكن عف اللسان مع الإمام الشافعي رضي الله عنه ولا مع غيره من الأئمة، وكثيرًا ما نراه يرمي الشافعي، وغيره من مخالفي الحنفية، بعبارات شديدة لا تليق من مثل الجصاص، في مثل الشافعي وغيره من الأئمة -رحمهم الله- فمثلًا عندما عرض لآيات المحرمات من النساء، في سورة: “النساء”، نجده يعرض للخلاف الذي بين الحنفية، والشافعية في حكم من زنى بامرأة، هل يحل له التزويج ببنتها، أو لا؟ ثم يذكر مناظرة طويلة جرت بين الشافعي وغيره في هذه المسألة، ويناقش الشافعي، فيما يرد به على مناظره، ويرميه بعبارات شنيعة لاذعة، كقوله: فقد بان أن ما قاله الشافعي، وما سلمه له السائل كلام فارغ لا معنى تحته في حكم ما سأل عنه.

وقد تأثر الجصاص بمذهب المعتزلة، فعندما عرض لقوله تعالى: {وَاتّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشّيَاطِينُ عَلَىَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـَكِنّ الشّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ النّاسَ السّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّىَ يَقُولاَ إِنّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102]، نجده يذكر حقيقة السحر، ويقول: إنه متى أُطلق، فهو اسم لكل أمر هو باطل لا حقيقة له ولا ثَبَات، كما ينكر حديث البخاري في سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرر أنه من وضع الملاحدة.

كذلك كان يحمل على معاوية رضي الله عنه ويتأثر بذلك في تفسيره، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}(39) {الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ} [الحج:39،40].

وإلى قوله: {الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ} [الحج:41]، يقول: وهذه صفة الخلفاء الراشدين، الذين مكنهم الله في الأرض، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهما وفيه الدلالة الواضحة على صحة إمامتهم؛ لإخبار الله -تعالى- بأنهم إذا مُكنوا في الأرض، قاموا بفروض الله عليهم، وقد مُكنوا في الأرض فوجب أن يكونوا أئمة قائمين بأوامر الله، منتهين عن زواجره ونواهيه، ولا يدخل معاوية في هؤلاء؛ لأن الله إنما وصف بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وليس معاوية من المهاجرين؛ بل هو من الطلقاء، لقد كان أولى بالجصاص أن يترك هذا التحامل على معاوية الصحابي ويفوض أمره إلى الله، ولا يلوي مثل هذه الآيات إلى ميوله وهواه.

أحكام القرآن، لابن العربي:

ولد ابن العربي سنة (468) هـ وتوفى سنة (543) هـ.

وفي كتابه (أحكام القرآن):

نجده منصف في أحكامه، فمثلًا عندما تعرض لقوله تعالى: {أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَىَ نِسَآئِكُمْ }[البقرة: 187]؛ حيث يقول: المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، الاعتكاف في اللغة: هو اللبث، وهو غير مقدر عند الشافعي، وأقله لحظة ولا حد لأكثره، وقال مالك وأبو حنيفة: هو مقدر بيوم وليلة؛ لأن الصوم عندهما من شرطه، قال علمائنا: لأن الله تعالى خاطب الصائمين وهذا لا يلزم في الوجهين، أما اشتراط الصوم فيه بخطابه -تعالى- لمن صام فلا يلزم بظاهره ولا باطنه؛ لأنها حال واقعة لا مشترطة، وأما تقديره: بيوم وليلة؛ لأن الصوم من شرطه فضعيف؛ فإن العبادة لا تكون مقدرة بشرطها، ألا ترى أن الطهارة شرط في الصلاة، وتنقضي الصلاة وتبقى الطهارة؟.

فنلاحظ من هذا: أن المؤلف -رحمه الله- لم يَرُقْهُ هذا الاستدلال الذي أظهر بطلانه، وهذا دليل على أنه يستعمل عقله الحرَّ أحيانًا، فلا يسكت على الزلة العلمية فيما يعتقد وإن كان فيها ترويج لمذهبه.

ومع ذلك كان أحيانًا يتعصب لمذهبه.

فمثلًا عند تفسير قوله تعالى:{وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ} [النساء:86]؛ حيث يقول: المسألة السابعة: إذا كن الرد فرضًا بلا خلاف، فقد استدل علماؤنا: على أن هذه الآية دليل على وجوب الثواب في الهبة للعين، وكان يلزمه أن يرد مثل التحية؛ يلزمه أن يرد مثل الهبة، وقال الشافعي: ليس في هبة الأجنبي ثواب، وهذا فاسد؛ لأن المرء ما أعطى إلا ليُعطى، وهذا هو الأصل فيها وإنا لا نعمل عملًا لمولانا إلا ليعطينا، فكيف بعضنا لبعض.

وكان ابن العربي شديد النفرة من الخوض في الإسرائيليات؛ ولذلك عندما تعرض لقوله تعالى: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة:67]، نجده يقول: المسألة الثانية: في الحديث عن بني إسرائيل: كثر استرسال العلماء في الحديث عنهم في كل طريق، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج))، ومعنى هذا الخبر: الحديث عنهم بما يخبرون عن أنفسهم وقصصهم، لا بما يخبرون به عن غيرهم؛ لأن إخبارهم عن غيرهم مفتقرة إلى العدالة والثبوت إلى منتهى الخبر، وما يخبرون به عن أنفسهم فيكون من باب إقرار المرء على نفسه أو قومه، فهو أعلم بذلك، وإذا أخبروا عن شرع لم يلزم قبوله، ففي رواية مالك عن عمررضي الله عنه أنه قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أمسك مصحفًا قد تشرمت حواشيه، فقال: ((ما هذا؟ قلت: جزء من التوراة، فغضب وقال: والله لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي)).

وكان ابن العربي ينفر من الأحاديث الضعيفة، ويحذر منها في تفسيره هذا، فيقول لأصحابه بعد أن بَيَّنَ ضعف الحديث القائل: “بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة، وقال هذا: وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: من توضأ مرتين مرتين آتاه الله أجره مرتين، ثم توضأ ثلاثًا، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، ووضوء أبي إبراهيم”، يقول لهم بعد ما بين ضعف هذا الحديث: وقد ألقيت إليكم وصيتي في كل ورقة ومجلس، ألا تشتغلوا من الأحاديث بما لا يصح سنده.

الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 

من نماذج التفسير الفقهي، كتاب (الجامع لأحكام القرآن)، لأبي عبد الله القرطبي المالكي، المتوفى سنة (671) هـ.

كان لا يتعصب لمذهبه المالكي؛ بل يمشي مع الدليل حتى يصل إلى ما يرى أنه الصواب أيًّا كان قائله، فمثلًا عندما تعرض لقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ} [البقرة: 43]، نجده عند المسألة السادسة عشرة، من هذه الآية يعرض لإمامة الصغير، ويذكر أقوال من يجيزها ومن يمنعها، ويذكر: أن من المانعين لها جملة مالكًا، والثوري، وأصحاب الرأي، لكن نجده يخالف إمامه لما ظهر له من الدليل على جوازها؛ وذلك حيث يقول: قلت: إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئًا، ثَبَتَ في (صحيح البخاري)، عن عمرو بن سلمة، قال: “كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الناس فنسألهم ما للناس! ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله أُوحي إليه كذا، فكنت أحفظ هذا الكلام، فكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامها، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم -والله- من عند نبي الله حقًّا، قال: صلوا صلاة كذا حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا، فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا؛ لِمَا كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكان عَليَّ بردة إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم، فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص”.

error: النص محمي !!