Top
Image Alt

التفسير بالرأي، وموقف العلماء منه

  /  التفسير بالرأي، وموقف العلماء منه

التفسير بالرأي، وموقف العلماء منه

1. معنى التفسير بالرأي:

يطلق الرأي على الاعتقاد، وعلى الاجتهاد، وعلى القياس، ومنه أصحاب الرأي، أي: أصحاب القياس، والمراد بالرأي هنا: الاجتهاد.

وعليه فالتفسير بالرأي: عبارة عن تفسير القرآن الكريم بالاجتهاد بعد معرفة المفسِّرِ لكلام العرب ومناحيهم في القول، ومعرفته للألفاظ العربية ووجوه دلالتها، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلي، ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن الكريم، وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر.

2. موقف العلماء من التفسير بالرأي:

اختلف العلماء من قديمِ الزمانِ في جواز تفسير القرآن بالرأي، ووقف المفسرون بإزاءِ هذا الموضوع موقفين متعارضين:

– فقوم تشددوا في ذلك فلم يجرءوا على تفسير شيء من القرآن ولم يبيحوه لغيرهم، وقالوا: “لا يجوز لأحد تفسير شيء من القرآن الكريم، وإن كان عالمًا أديبًا متسعًا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وإنما له أن ينتهيَ إلى ما روى وسمع ووصله عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة, أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين.

– وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك: فلم يروا بأسًا من أن يفسروا القرآن باجتهادهم، ورأوا أن من كان ذا أدب وعلم، وقد وسِّعَ له فيه أن يفسر القرآن برأيه واجتهاده.

ولا شك أن الفريقين على طرفي نقيض فيما يبدو.

والناظر في أقوالهم سيجد أن كلَّ واحدٍ منهم يعزز رأيه ويقويه بالأدلة والبراهين:

أدلة الفريق الأول (المانعين):

الدليل الأول: قالوا إن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، والقول على الله بغير علم منهي عنه فالتفسير بالرأي منهي عنه، دليل القضية الصغرى، أو المقدمة الصغرى: أن المفسر بالرأي ليس على يقين بأنه أصاب ما أراد الله تعالى، ولا يمكنه أن يقطع بما يقول، وغاية الأمر: أنه يقول بالظن، والقول بالظن قولٌ على الله بغير علم، ودليل الكبرى: ما جاء في قوله تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]، وهو معطوف على ما قبله من المحرمات في قوله تعالى: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] كما قال سبحانه وتعالى في سورة الإسراء {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].

وقد رَدَّ المجيزون المبيحون للتفسير بالرأي هذا الدليل؛ فقالوا: نحن نمنع الصغرى؛ لأن الظنَّ نوعٌ من العلم؛ إذ هو إدراكُ الطرف الراجح، وعلى فرض تسليم الصغرى؛ فإنا نمنع الكبرى؛ لأن الظن منهي عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقيني القاطع، بأن يوجد نصٌّ قاطع من نصوص الشرع، أو دليل عقلي موصل لذلك، أما إذا لم يوجد شيء من ذلك؛ فالظن كافٍ هنا لاستناده إلى دليل قطعي من الله سبحانه وتعالى على صحة العمل به إذ ذاك؛ كقوله تعالى: {رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((جعل الله للمصيب أجرين، وللمخطئ واحدًا))؛ ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: “بم تحكم؟”، وقد ذكر في ذلك: “أنه يجتهد رأيه” وإن كان للمحدثين كلام حول هذا الحديث.

الدليل الثاني: استدلوا بقول الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] قالوا: بأن الله -تبارك وتعالى- هُنَا أضاف البيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعُلِمَ من ذلك أنه ليس لغيره شيء من البيان لمعاني القرآن.

وأجاب المجيزون للتفسير بالرأي عن هذا الدليل، فقالوا: نَعَم… إن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالبيان، ولكنه مات ولم يبين كلَّ شيءٍ؛ فما ورد بيانه عنه صلى الله عليه وسلم ففيه الكفاية عن فكرة من بعده، وما لم يرد عنه، ففيه حينئذٍ فكرة أهل العلم بعده، ويستدلون بما ورد بيانه على ما لم يرد، والله تعالى يقول: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ}.

الدليل الثالث: استدلوا بما وَرَدَ في السنة بتحريم القول في القرآن بالرأي، ومن ذلك: ما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم؛ فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.

وما رآه الترمذي أيضًا، وأبو داود عن جندب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال في القرآن برأيه فأصاب؛ فقد أخطأ)).

وأجاب المجيزون للتفسير بالرأي عن هذين الحديثين بأجوبة:

منها: أن النهي محمول على من قال برأيه في نحو مشكل القرآن ومتشابهه من كل ما لا يُعْلَمُ إلا عن طريق النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة -عليهم رضوان الله.

ومنها: أنه أراد بالرأيِ: الرأيَ الذي يغلب على صاحبه من غير دليل يقوم عليه، أما الذي يشده البرهان، ويشهد له الدليل، فالقول به جائز؛ فالنهي على هذا متناول لمن كان يعرف الحق ولكنه له في الشيء رأي وميل إليه من طبعه وهواه؛ فيتأول القرآن على وفق هواه؛ ليحتج به على تصحيح رأيه الذي يميل إليه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لَمَا لاح له هذا المعنى الذي حمل القرآن عليه، ومتناولٌ لمن كان جاهلًا بالحق، ولكنه يحمل الآية التي تحمل أكثر من وجه على ما يوافق رأيه وهواه، ويرجح هذا الرأي بما يتناسب مع ميوله، ولولا هذا لما ترجح عنده ذلك الوجه، وهو متناول أيضًا لمن كان له غرض صحيح؛ ولكنه يستدل لغرضه هذا بدليلٍ قرآنيٍّ يعلم أنه ليس مقصودًا به ما أراد، وذلك مثل: الداعي إلى مجاهدةِ النفس الذي يستدل على ذلك بقوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَىَ فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَىَ} [طه: 24] ويريد من فرعون النفس، ولا شك أن مثل هذا قائل في القرآن برأيه.

ومنها: أن النهي محمول على من يقول في القرآن بظاهرِ العربيةِ من غير أن يرجع إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله، وأدَّوْا إلينا من السنن ما يكون بيانًا لكتاب الله تعالى، وبدون أن يرجع إلى السماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن، وما فيه من المبهمات، والحذف والاختصار والإضمار، والتقديم والتأخير، ومراعاة مقتضى الحال، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من كل ما يجب معرفته لمن يتكلم في التفسير، فإن النظر إلى ظاهر العربية وحده لا يكفي، بل لابد من ذلك أولًا، ثم بعد ذلك يكون التوسع في الفهم والاستنباط؛ فمثلًا قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نّرْسِلَ بِالاَيَاتِ إِلاّ أَن كَذّبَ بِهَا الأوّلُونَ} [الإسراء: 59] معناه: وآتينا ثمود الناقة معجزةً واضحةً وآيةً بينةً على صدق رسالته، فظلموا بعقرها أنفسهم، ولكن الواقف عن ظاهر العربية وحدها بدون أن يستظهر بشيء مما تقدم يظن أن مبصرةً من الإبصار بالعين، وهو حال من الناقة، وقد وصفت به لمعنى فيها، ولا يدري بعد ذلك: بم ظلموا؟ ولا من ظلموا؟.

كل من هذه الأجوبة الثلاثة يمكن أن يجاب به على من يستند في قولِهِ بحرمة التفسير بالرأي على هذين الحديثين المتقدمين، وهي أجوبةٌ سليمةٌ دامغةٌ كافيةٌ لإسقاط حجتهما والاعتماد عليهما.

هذا، ويمكن الإجابة عن حديث جندب زيادةً عن ما تقدم: بأن هذا الحديث لم تثبت صحته ولا أن من رواته سهيل بن أبي حزم، وهو مُتَكَّلٌم فيه. قال فيه أبو حاتم: “ليس بالقوي”، وكذا قال البخاري والنسائي، وضعفه ابن معين، وقال فيه الإمام أحمد: روى أحاديث منكرة، والترمذي نفسه يقول بعد روايته لهذا الحديث: وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم.

الدليل الرابع: ما ورد عن السلف من الصحابة والتابعين من الآثار التي تدل على أنهم كانوا يعظمون تفسير القرآن، ويتحرجون من القول فيه بآرائهم.

فمن ذلك: ما جاء عن أبي مليكة أنه قال: سُئِلَ أبو بكر الصديق رضي الله عنه في تفسير حرف من القرآن، فقال: “أيُّ سماء تقلني وأي أرض تقلني، وأين أذهب، وكيف أصنع إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد -تبارك وتعالى”.

وما ورد عن سعيد بن المسيب أنه قال: “أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسيرِ آيةٍ من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئًا”.

وما روي عن الشعبي أنه قال: “ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت القرآن والروح والرأي”. وهذا ابن مجاهد يقول: قال رجل لأُبَي أنت الذي تفسر القرآن برأيك؛ فبكى أُبَيٌّ، ثم قال: إني إذن لجريء، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا هو الأصمعي إمام اللغة كان مع علمه الواسع شديد الاحتراز في تفسير الكتاب؛ بل والسنة، فإذا سئل عن معنى شيء من ذلك يقول: العرب تقول معنى هذا كله، ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أيَّ شيء هو. وغير هذا كثير من الآثار الدالة على المنع من القول في التفسير بالرأي.

وقد أجاب المجيزون عن هذه الآثار: بأن إحجام من أحجم عن السلف عن التفسير بالرأي: إنما كان منهم ورعًا واحتياطًا لأنفسهم؛ مخافة ألا يبلغوا ما كُلِّفُوا به من إصابة الحق في القول، وكانوا يرون أن التفسير شهادةٌ على الله بأنه عنى باللفظ كذا وكذا، فأمسكوا عنه خشية ألا يوافقوا مراد الله عز وجل وكان منهم من يخشى أن يفسر القرآن برأيه، فيجعل في التفسير إمامًا يبنى على مذهبه، ويقتفى طريقه، فربما جاء أحد المتأخرين وفسر القرآن برأيه فوقع في الخطأ، ويقول: إمامي في التفسير بالرأي فلان من السلف، ويمكن أن يقال أيضًا: إن إحجامهم كان مقيدًا بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه.

أما إذا عرفوا وجه الصواب: فكانوا لا يتحرجون من إبداء ما يظهر لهم ولو بطريق الظن، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يقول وقد سُئِلَ عن الكلالة: “أقول فيها برأيي؛ فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان، الكلالة كذا وكذا”.

ويمكن أن يقال أيضًا: إنما أحجم من أحجم؛ لأنه كان لا يتعين للإجابة لوجود من يقوم عنه في تفسير القرآن وإجابة السائل، وإلا لكانوا كاتمين للعلم، وقد أمرهم الله ببيانه للناس، وهناك أجوبة أخرى سوى ما تقدم.

أدلة الفريق الثاني (المجيزين):

الدليل الأول: نصوص كثيرة وردت في كتاب الله تعالى. ومنها: قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24] وكما جاء في قوله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ} [ص: 29] وما جاء في قوله أيضًا: وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].

ووجه الدلالة في هذه الآيات: أنه تعالى حَثَّ في الآيتين الأوليين على تدبرِ القرآنِ والاعتبار بآياته والاتعاظ بعظاته، كما دلَّت الآية الأخيرة على أنَّ في القرآن ما يستنبطه أولو الألباب باجتهادهم ويصلون إليه بإعْمَالِ عقولِهِم، وإذا كان الله قد حثنا على التدبر، وتعبدنا بالنظر في القرآن واستنباط الأحكام منه، فهل يعقل أن يكون تأويل ما لم يستأثر الله بعلمه محظورًا على العلماء؛ مع أنه طريق العلم، وسبيل المعرفة والعظة، لو كان ذلك لكنا ملزمين بالاتعاظ والاعتبار بما لا نفهم، ولما توصلنا لشيءٍ من الاستنباط، ولَمَا فَهَم الكثير من كتاب الله تعالى.

الدليل الثاني: قالوا: لو كان التفسير بالرأي غير جائز لما كان الاجتهاد جائزًا، ولتعطلت كثير من الأحكام، وهذا باطل بين البطلان؛ وذلك لأن باب الاجتهاد لا يزال مفتوحًا إلى اليوم أمام أربابِهِ والمجتهد في حكم الشرع مأجور أصاب أو أخطأ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفسر كل آيات القرآن، ولم يستخرج لنا جميع ما فيه من أحكام.

الدليل الثالث: استدلوا بما ثَبَتَ من أن الصحابة  قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه. ومعلوم: أنهم لم يسمعوا كل ما قالوه في تفسير القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم إذ أنه لم يبين لهم كل معاني القرآن، بل بَيَّنَ لهم بعض معانيه، وبعضه الآخر توصلوا إلى معرفته بعقولهم واجتهادهم، ولو كان القول بالرأي في القرآن محظورًا؛ لكانت الصحابة قد خالفوا ووقعوا فيما حرم الله، ونحن نعيذ الصحابة من المخالفة والجرأة على محارم الله.

الدليل الرابع: قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس  فقال في دعائه له: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل))، فلو كان التأويل مقصورًا على السماع والنقل كالتنزيل لما كان هناك فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء؛ فدلَّ ذلك على أن التأويل الذي دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس أمر آخر وراء النقل والسمع، وذلك هو التفسير بالرأي والاجتهاد، وهذا بَيِّنٌ لا إشكالَ فيه، هذه هي أدلة الفريقين، ولا شك أن كل واحد منهم يحاول بما ذكر من أدلة أن يثبت قوله، وأن يركز على ما ذهب إليه.

والغزَّالي -رحمه الله- في (الإحياء) بعد الاحتجاج والاستدلال على بطلان القول بألا يتكلم أحد في القرآن إلا بما يسمعه، يقول: فبطل أن يشترط السماع في التأويل، وجاز لكل واحد أن يستنبط من القرآن بقدرِ فهمه وحدِّ عقله.

والراغب الأصفهاني -رحمه الله- بعد أن ذكر المذهبين وأدلتهما في مقدمة التفسير يقول: وذكر بعض المحققين أن المذهبين هما الغلو والتقصير فمن اقتصر على المنقول إليه فقد ترك كثيرًا مما يحتاج إليه، ومن أجاز لكلِّ أحد الخوض فيه؛ فقد عرضه للتخليط ولم يعتبر حقيقة قول الله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ} [ص: 29].

ولا شك أن الذي يراه الإنسان واضحًا وظاهرًا هذا التحقيق الذي ذكره الراغب الأصفهاني -رحمه الله- وهو أن المذهبين فيهما غلو وتقصير؛ فلو وقف الفريق الأول عند المنقول ولم يتجاوزوه ربما غاب عنهم الشيء الكثير أو القليل في تفسير القرآن.

وأما من أجاز لكل أحد الخوض في التفسير والكلام فيه لكان لا شك أيضًا ذاهبًا إلى قول باطل، ولكننا لو رجعنا إلى الذين تشددوا في التفسير، وعرفنا سر تشددهم فيه، ثم رجعنا إلى هؤلاء المجوِّزِين للتفسير بالرأي ووقفنا على ما شرطوه من شروطٍ لا بد منها لمن يتكلم في التفسير برأيه، وحللنا أدلة الفريقين تحليلًا دقيقًا لظهر لنا أن الخلاف يمكن أن يكون قريبًا بينهما.

ولبيان ذلك نقول: الرأي قسمان:

القسم الأول من التفسير بالرأي:

قسمٌ جارٍ على موافقةِ كلامِ العربِ ومناحيهِم في القول مع موافقة الكتاب والسنة، ومراعاة سائر شروط التفسير التي يجب أن تتوفر في المفسر، وأن يكون المفسر لكلام الله -تبارك وتعالى- على فهم، وعلى علم بأصول وقواعد التفسير والعلوم التي يحتاج إليها المفسر من اللغة والإعراب، والناسخ والمنسوخ، والمتقدم من المتأخر، وأقوال أهل العلم من الصحابة, وما جمعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك.

فمن فسر التفسير بالرأي على ذلك، بمعنى أنه وافق الكتاب والسنة، وراعى شروط التفسير، فهذا لا شك جائز، وعليه يحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأي.

القسم الثاني من التفسير بالرأي:

قسم غير جارٍ على قوانين العربية، ولا موافق للأدلة الشرعية ولا مستوفٍ لشرائطِ التفسيرِ، وهذا هو مورد النهي ومحط الذم، وهو الذي يرمي إليه كلام ابن مسعود؛ إذ يقول: “ستجدون أقوامًا يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع”.

وأيضًا جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال: “إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه”، وكلامه أيضًا الذي يقول فيه: “ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بَيِّنٌ فسقه، ولكني أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله”؛ فكل هذا ونحوه وارد في حق من لا يراعي في تفسير القرآن قوانين اللغة، ولا أدلة الشريعة، جاعلًا هواه رائده، ومذهبه قائده، وهذا هو الذي يحمل عليه كلام المانعين للتفسير بالرأي.

وقد قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- بعد أن ساق الآثار عن من تحرج من السلف في القول بالتفسير: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم، أقوال في التفسير ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، هذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عمَّا لا علم به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] ولما جاء في الحديث: ((مَنْ سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ؛ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ )).

وعلى هذا؛ فالتفسير بالرأي المحمودِ جائز، ولابد من أن يجمع المفسرُ بالرأي إلى ما توصَّلَ إليه أدلةَ الكتابِ والسنةِ، أعني: أن يجمع الآيات التي تفسر بعضها بعضًا، وأن يرجع إلى أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وما ورد في الصحابة والتابعين من آثار في ذلك.

3. أهم المؤلفات في التفسير بالرأي:

1. (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل) للزمخشري:

وهو أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المعتزلي، الملقب بجار الله، وقد ولد في زمخشر من قرى خوارزم، بعد أن تلقى العلم، رحل من بلده إلى مكة وألف فيها تفسيره (الكشاف) ثم عاد إلى بلده مرة أخرى وتوفي فيها سنة خمسمائة وثمانية وثلاثين من الهجرة النبوية، وهو إمام من أئمة اللغة، ولكنه لا يأنف من انتمائه إلى الاعتزال، بل يجاهر به، ويدعو إليه ومن مؤلفاته: (أساس البلاغة) و(الفائق في غريب الحديث) و(المفصل في النحو) وغير ذلك.

أما عن تفسير الزمخشري: فقد اعتنى في تفسيره ببيان وجوه الإعجاز القرآني، وإظهار جمال النظم وبلاغته، وخلى هذا التفسير من الحشو والتطويل، وإيراد الإسرائيليات إلا القليل والزمخشري قليل الاستشهاد بالحديث، ويورد أحيانًا الأحاديث الموضوعة خاصة في فضائل السور وملأ تفسيره بعقائد المعتزلة، والاستدلال لها وتأويل الآيات وفقهًا، ويدس ذلك دسًّا لا يدركه إلا حاذق؛ حتى قال البلقيني -رحمه الله-: استخرجت من (الكشاف) اعتزالًا بالمناقيش، وهو شديد على أهل السنة والجماعة، ويذكرهم بعبارات الاحتقار، ويرميهم بما ليس فيهم، وذلك بالأوصاف المقذعة، ويمزج حديثه عنهم بالسخرية والاستهزاء، ولهذه الأمور وغيرها نبَّهَ كثير من العلماء إلى أخذ الحيطة والحذر عند المطالعة في تفسيره أو النقل منه.

وقد قال الإمام الذهبي -رحمه الله-: محمود بن عمر الزمخشري المفسر النحوي صالح، لكنه داعية إلى الاعتزال -أجارنا الله- فكن حذرًا من (كشافه). وقال علي القاري: وله دسائس خفيت على أكثر الناس؛ فلهذا حرم بعض فقهائنا مطالعة تفسيره لما فيه من سوء تعبيره في تأويله وتعييره، وينبغي لمن أراد أن يقرأ فيه أن يرجع لكتاب (الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال) لابن المنير، وهو مطبوع مع (الكشاف) وفيه كشفٌ لاعتزالياته وضلالاتِهِ، وللدكتور صالح الغامدي رسالة بعنوان (المسائل الاعتزالية في “كشاف الزمخشري”) وقد تناول المسائل التي وقع فيها الزمخشري في كشافه في الاعتزال وبين فساد ما ذهب إليه.

ويقول الشيخ مناع القطان -رحمه الله-: واعتزاليات الزمخشري في تفسيره أمارة على حذقه ودهائه ومهارته؛ فهو يأتي بالإشارات البعيدة ليضمنها معنى الآية في الانتصار للمعتزلة، والرد على خصومهم، ولكنه في الجانب اللغوي كشف عن جمال القرآن وسحر بلاغتِهِ؛ لِمَا له من إحاطة بعلوم البلاغة والبيان، والأدب والنحو والتصريف، فكان مرجعًا لغويًّا غنيًّا، وهو يشير في مقدمته إلى هذا، فيذكر: أن من يتصدى للتفسير لا يغوص على شيء من حقائقه إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني، وعلم البيان، وتمهل في ارتيادهما آونةً وتعب في التنقيب عنهما أزمنةً، وبعثته على تتبع مظانها همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وابن خلدون -رحمه الله- حلل كتاب (الكشاف) للزمخشري في قوله عند الحديث عما يرجع إليه في التفسير من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة، فقال: ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير كتاب (الكشاف) للزمخشري من أهل خوارزم العراق، إلا أن مؤلفه من أهل الاعتزال في العقائد، فيأتي بالحجاج على مذاهبهم الفاسدة؛ حيث تعرَّضَ له في آي القرآن من طريق البلاغة، فصار بذلك في المحققين من أهل السنة انحراف عنه، وتحذير للجمهور من مكامنه، مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة، وإذا كان النَّاِظِرُ فيه واقفًا مع ذلك على المذاهب السنية محسنًا للحجاج عنها؛ فلا جرم أنه مأمون من غوائله؛ فلتغتنم مطالعته لغرابة فنونه في اللسان.

ولقد وصل إلينا في هذه العصور تأليف لبعض العراقيين، وهو شرف الدين الطيبي من عراق العجم شرح فيه كتاب الزمخشري هذا، وتتبع ألفاظه وتعرض لمذاهبه في الاعتزال بأدلة تزيفها، وتبين أن البلاغة إنما تقع في الآية على ما يراه أهل السنة لا على ما يراه المعتزلة، وهذا في الحقيقة كلام جميل يجعلنا نعرف حقيقة موقفنا من هذا الكتاب، وإذا أراد إنسان أن يستفيد منه ماذا يجب أن يكون هو عليه بمعنى أن يحذر من كلام الزمخشري في اعتزالياته، وأن يكون على فهم واسع بكلام أهل السنة والجماعة.

2. تفسير (مفاتيح الغيب) لفخر الدين الرازي:

وهو أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، الملقب بفخر الدين ولد في الري سنة 544 وتوفي في هراة سنة 606 هجرية، جمع كثير من العلوم؛ فكان إمامًا في التفسير وعلوم الكلام، وكان طبيبًا حاذقًا، وقد نَدِمَ على الاشتغال بعلم الكلام، وكان يقول: ليتني لم أشتغل بعلم الكلام ثم يبكي. ومن مؤلفاته: (مفاتيح الغيب) و(المحصول في علم الأصول) و(نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز) و(مسائل الطب) وغير ذلك.

ويعد تفسير (مفاتيح الغيب) للرازي من أوسع التفاسير في علم الكلام؛ لأنه قد تأثَّر تأثرًا كثيرًا وكبيرًا بالعلوم العقلية، وتوسع فيها وسَلَكَ في تفسيره مسلكَ الحكماء والفلاسفة، وعلماء الكلام واستطرد في العلوم الرياضية والطبيعة والفلكية، والمسائل الطبية، وملأ تفسيره بهذه العلوم حتى قيل عنه: “فيه كل شيء إلا التفسير”.

ومما يعاب عليه أنه يبسط دلائل أهل البدع والفرق المخالفة لأهل السنة بسطًا لا مزيد عليه، ثم يرد عليها ردًّا غاية في الوهاء؛ حتى قال بعض العلماء إنه يورد الشبه نقدًا ويحلها نسيئة، ولم يتم الرازي -رحمه الله- تفسيره هذا، بل قيل: إنه بلغ في التفسير إلى سورة الأنبياء، ثم جاء تلميذه الخوائي فشرع في تكملته، ولم يتمه، وأتمه نجم الدين القمولي، وقيل: إن الخوائي أكمله، وكتب القمولي تكملةً أخرى غيرها، ولا يكاد القارئ يلحظ تفاوتًا بين أساليبهم.

error: النص محمي !!