Top
Image Alt

التفسير بالرأي

  /  التفسير بالرأي

التفسير بالرأي

بعد هذا التفسير المنقول: أَنْتَقِلُ إلى التفسير بالرأي، والكلام عنه في ما يفيد في قواعد التفسير وأصوله كالآتي: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام حرام. فَرُوي لنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مِقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). وهناك حديث آخر أيضًا مروي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ”، قَالَ الترمذي: هذا حديث غريب، وتكلم بعض أهل الحديث في أحد رواته -سهيل بن أبي حزم- وروى بعض أهل العلم عن أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم: أنهم شددوا في أن يفسر القرآن أحد بغير علم، وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم: أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسروه بغير علم، أو مِنْ قِبَلِ أنفسهم، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قِبَلِ أنفسهم بغير علم؛ فمن قال في القرآن برأيه فَقَدْ تَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ له به، وَسَلَكَ غير ما أمر به؛ فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يَأْتِ الأمر من بابه كمن حكم بين الناس عن جهل، فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ. وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين، فقال: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشّهَدَآءِ فَأُوْلَـَئِكَ عِندَ اللّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13]، فالقاذف كَاذِبٌ، ولو كان قد قذف مَنْ زنا في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، وتكلف ما لا علم له به. ومن أجل هذا حرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به؛ فقد روى شعبة، عن سليمان بن عبد الله بن مرةَ، عن أبي معمر، قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “أي أرض تُقِلُّنِي، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم”. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمود بن يزيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي، أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} [عبس: 31]، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرضٍ تقلني إِنْ أَنَا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟! وهو رواية أخرى للحديث. وأيضًا معلوم أنه قد روي لنا أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر. ويروي عبد بن حميد عن أنس قال: كنا عند عمر بن الخطاب، وفي ظهر قميصه أربع رقاع، فقرأ: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك ألا تدريه؟ وهذا كله محمول على أنهما رضي الله عنهما إنما أرادا استكشاف علمٍ -علم كيفية الأَب- وإلا فكونه نبت من الأرض ظاهر، لا يجهل كقوله تعالى: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَآئِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} [عبس: 27- 31]. يقول ابن جرير أيضًا -رحمه الله- فيما يروى عن ابن عباس: “سُئِلَ عن آية رضي الله عنه لَوْ سُئِلَ عنها بعضكم لقال فيها، فأبي أن يقول فيها”، وهو إسناد صحيح. وسأل رجل ابن عباس عن معنى قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} [السجدة: 5]. فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال الرجل: إنما سألتك؛ لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم. وقال ابن جرير أيضًا فيما رواه لنا قال: جاء رجل، أو جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله؛ فسأله عن آية من القرآن، فقال له: أحَرَجٌ عليك إن كنت مسلمًا لمَا قمت عني، أو قال: أن تجالسني. وقال مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب: أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا. والروايات في هذا كثيرة فسعيد بن المسيب كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن، وكان أيضًا لما سئل عن آيةٍ من القرآن قال: لا تسألني عن آية من القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه -يعني: عكرمة مولى ابن عباس- وأيضًا كان فيما يُرْوَى عبد الله بن شَوْذَب: حدثنا يزيد بن أبي يزيد، قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس؛ فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سَكَتَ، كان لم يسمع. و يروي ابن جرير: حدثني أحمد، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وأنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع رضي الله عنهم جميعًا- وروي أيضًا عن هشام بن عروة، قال: ما سمعت أبي تأول آيةً من كتاب الله قط. والروايات في ذلك كثيرة، حتى ما كان يسأل عبيدة السلماني عن آية من القرآن، فكان يقول: ذهب الذين كانوا يعلمون في ما أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ؛ فاتقِ الله وعليك بالسداد. والروايات في هذا كثيرة كثيرة، وأيضًا يذكر لنا شيخنا العلامة الإمام ابن تيمية يقول -فيما يرويه عن مغيرة عن إبراهيم- قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. ويقول الشعبي: والله، ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكن الرواية عن الله. وكان أيضًا يحكي عن مسروق: اتقوا التفسير؛ فإنما هو الرواية عن الله. ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة أيضًا؛ لأنهم تكلموا فيما علموا، وسكتوا عما جهلوا، وهذا هو الواجب عن كل أحد. فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما يسأل عنه إذا كان يعلمه؛ عملًا بقوله تعالى: {لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، ولما جاء في الحديث المروي من طرق: ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلجم يوم القيامة بلجام من نار)). قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن أبي الزناد، قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه -هذا كلام عن أنواع التفسير، فيما بينه إمام المفسرين وحبر الأمة -عبد الله بن عباس- يقول-: التفسير على أربعة -أي: على أربعة أوجه- وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعْذَرُ أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسيرٍ لا يعلمه إلا الله تعالى. النوع الأول: وجه تعرفه العرب من كلامها: الآيات والكلمات والألفاظ التي لا تُعْرف إلا من معرفة كلام العرب، معرفتها لغةً يرجع فيها إلى القواميس وإلى المعاجم التي جمع فيها كلام العرب. النوع الثاني: تفسير لا يعذر أحد بجهالته: التفسير الواضح كقوله: {فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلا اللّهُ} [محمد: 19]، {أَقِمِ الصّلاَةَ} [لقمان: 17]، كل هذه آيات واضحة. النوع الثالث: تفسير يعلمه العلماء: كالمحكم والمتشابهة والعام والخاص والناسخ والمنسوخ، الآيات التي فيها هذه العلوم لا يعلمها إلا العلماء. النوع الرابع: تفسير لا يعلمه إلا الله: وهذا ما استأثر الله بعلمه -كفواتح السور، وكأسماء الله وصفاته، وما يتعلق بأفعاله -جل وعلا- مما لا نعلمه، ولا سبيل لنا إلى معرفته.

error: النص محمي !!