Top
Image Alt

التفسير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

  /  التفسير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

التفسير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

1. فهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للقرآن:      

فهم الرسولصلى الله عليه وسلم القرآن جملةً وتفصيلًا، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهموا القرآن في جملته، و كانوا يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما يُشكل عليهم فهمه؛ وذلك لأن القرآن فيه المجمل، والمشكل، والمتشابه… وغير ذلك، فلم يكن الصحابة في فهم القرآن على درجة واحدة، والدليل على ذلك ما أخرجه أبو عبيدة في (الفضائل)، عن أنس، أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} [عبس: 31] فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبُّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.

2. مصادر التفسير في هذا العصر:

اعتمدت مصادر التفسير في هذا العصر على أربعة مصادر:

القرآن الكريم، والنبيصلى الله عليه وسلم، والاجتهاد، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى.

أولًا: القرآن الكريم:

إن الذي يتعرّض لتفسير كتاب الله، لا بد أن ينظر في القرآن أولًا، فيجمع ما تكرّر منه في موضوعٍ واحدٍ، ويقابل الآيات بعضها ببعض؛ ليستعين بما جاء مسهبًا على معرفة ما جاء موجزًا، وبما جاء مبينًا على فهم ما جاء مجملًا، وليحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص؛ وبهذا يكون قد فصَّل القرآن بالقرآن، وفهم مراد الله بما جاء عن الله، وهذه مرحلة لا يجوز لأحدٍ أن يعرض عنها ويتخطّاها إلى مرحلة أخرى؛ لأن صاحب الكلام أعرف به من غيره، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فمثلًا في تفسير قوله تعالى: {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ } [غافر: 28]، فُسرَ بأنه العذاب الأدنى المعجل في الدنيا؛ لقوله تعالى -في آخر هذه السورة-: {فَـإِمّا نُرِيَنّكَ بَعْضَ الّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفّيَنّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77]، ومن ذلك قوله تعالى: {فَتَلَقّىَ آدَمُ مِن رّبّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37]، فُسّرَتْ هذه الكلمات بما جاء في سورة الأعراف، وهو قوله تعالى: {قَالاَ رَبّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وأيضًا قوله تعالى: {لاّ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ} [الأنعام: 103]، فسرتها آية: {إِلَىَ رَبّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23 الآية]، فهنا تفسير للقرآن بالقرآن، وفي كفارة القتل، يقول تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةٍ} [النساء: 2]، فيُحمل المطلق في الآية الأولى على المقيد في الآية الثانية.

ومن تفسير القرآن بالقرآن: الجمع بين ما يُتوهّم أنه مختلف، كخلق آدم من ترابٍ في بعض الآيات، ومن طينٍ في بعضها، ومن حمأٍ مسنون، ومن صلصالٍ، فهذا ذِكرٌ للأطوار التي مر بها آدم من مبدأ خلقه، إلى نفخ الروح فيه.

دل هذا على أن الصحابة كانوا يعتمدون في تفسيرهم على القرآن الكريم.

ثانيًا: النبي صلى الله عليه وسلم:

كان الواحد منهم إذا أُشكلت عليه آية من كتاب الله رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسيرها، فيبين له ما خَفِي عليه؛ لأن وظيفته البيان، ومن يرجع إلى كتب السُّنة يجد أنها قد أفردت للتفسير بابًا من الأبواب التي اشتملت عليها، ذكرت فيه كثيرًا من التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمن ذلك: ما أخرجه أحمد، والترمذي وغيرهما، عن علي بن حبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين هم النصارى))، وما رواه الترمذي، وابن حبان، في (صحيحه)، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة الوسطى صلاة العصر))، وما أخرجه مسلم وغيره، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول على المنبر: (({وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ} [الأنفال: 60]، ألا وإن القوة الرمي))، وما أخرجه الترمذي عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر، فقال: ((يوم النحر))، وما أخرجه أحمد، ومسلم، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الكوثر نهر أعطانيه ربي في الجنة))، فالسُّنة هي المصدر الثاني.

لكن نسأل: هل تناول النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله بالبيان؟

اختلف العلماء، في ذلك: فمنهم من ذهب إلى القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن لأصحابه كل معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه، وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية، ومنهم من ذهب إلى القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبيِّن لأصحابه من معاني القرآن إلا القليل، وعلى رأس هؤلاء الكوبي والسيوطي.

والحقيقة أن كلًّا من الفريقين قد غالى في الرأي الذي أيّده، والحقيقة أن الرسولصلى الله عليه وسلم بيَّنَ الكثير من معاني القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك كتب الصحاح، ولم يبيّن كل معاني القرآن؛ لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه لا يُعذر أحدٌ في جهالته، كما صرّح بذلك ابن عباس.

ثالثًا: الاجتهاد، وقوة الاستنباط:

كان الصحابة -رضوان الله عليهم- إذا لم يجدوا التفسير في كتاب الله تعالى، ولم يتيسّر لهم أَخْذُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا في ذلك إلى اجتهادهم، وإعمال رأيهم، وهذا بالنسبة لما يحتاج إلى نظرٍ واجتهادٍ.

رابعًا: أهل الكتاب؛ من اليهود والنصارى:

اتّفق القرآن الكريم مع التوراة في بعض المسائل، وبالأخص في قصص الأنبياء، وما يتعلق بالأمم الغابرة، ويشتمل القرآن على مواضع وردت في الإنجيل كقصة ميلاد عيسى ابن مريم ومعجزاته عليه السلام لكن القرآن يتّخذ منهجًا مخالفًا منهج التوراة والإنجيل؛ فلم يتعرّض لتفاصيل جزئيات هذه المسائل، ولم يستوف القصة من جميع نواحيها؛ بل اقتصر في ذلك على موضع العبرة فقط، ولما كانت العقول تميل دائمًا إلى الاستيفاء والاستقصاء، جعل بعض الصحابة } أجمعين يرجعون في استيفاء هذه القصص التي لم يتعرّض لها القرآن، من جميع نواحيها إلى من دخل في دينهم من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار… وغيرهم من علماء اليهود والنصارى، وهذا بالضرورة كان بالنسبة إلى ما ليس عندهم فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والرجوع إلى هذا المصدر، لم يكن له من الأهمية في التفسير ما للمصادر الثلاثة السابقة، وإنما كان مصدرًا ضيقًا محدودًا؛ وذلك أن التوراة والإنجيل وقع فيهما كثير من التحريف والتبديل، فكان الصحابة لا يأخذون عن أهل الكتاب إلا ما يتفق وعقيدتهم، ولا يتعارض مع القرآن.

أما ما يُعارض القرآن ويتنافى مع العقيدة، فكانوا يرفضونه، ولا يصدقونه؛ امتثالًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا))، هذا هو منهج التفسير، في عصر الصحابة.

3. المفسرون من الصحابة:

عبد الله بن عباس رضي الله عنه:

اشتهر بالتفسير كثيرٌ من الصحابة، ومنهم ابن عباس، وكان -كما يقول مجاهد- إذا فسر الشيء رأيت عليه النور، ومن قول علي رضي الله عنه يُثني عليه في تفسيره: كأنما ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيقٍ، وهذا عُمر رضي الله عنه يسأل الصحابة عن معنى آية من كتاب الله، فلما لم يجد عندهم جوابًا مرضيًّا، رجع إلى ابن عباس فسأله عنها، وكان يثق بتفسيره، وفي هذا يروي الطبري أن عُمر سأل الناس عن هذه الآية في قوله تعالى: {أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [البقرة: 265]، فما وجد أحدًا يشفيه، حتى قال ابن عباس وهو خلفه: “يا أمير المؤمنين، إني أجد في نفسي منها شيئًا؛ فتلفّت إليه، فقال: تحوّل ها هنا لِمَ تحقر نفسك؟ قال: هذا مثلٌ ضربه الله عز وجل فقال: “أيودّ أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره، واقترب أجله، ختم ذلك بعملٍ من أعمال أهل الشقاء، فأفسده كله فحرّقه، فكان أحوج ما كان إليه”، انتهى كلام ابن عباس، وسؤال عمر له مع الصحابة، عن تفسير قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1].

وجوابه بالجواب المشهور عنه، يدل على أن ابن عباس كان يستخرج خفيّ المعاني التي يشير إليها القرآن، ولا يدركها إلا من نفحه الله بنفحة من روحه، وكثيرًا ما ظهر ابن عباس في المسائل المعقدة في التفسير بمظهر الرجل المُلهم الذي ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيقٍ، كما وصفه علي رضي الله عنه، الأمر الذي جعل الصحابة يقدرون ابن عباس ويثقون بتفسيره، ولقد وجد هذا التقدير صداه في عصر التابعين.

ومن أشهر الطرق عن ابن عباس هي طريق معاوية بن صالح -علي بن أبي طلحة- عن ابن عباس؛ وهذه هي أجود الطرق عنه، فيها قال الإمام أحمدرضي الله عنه: إن بمصر صحيفة في التفسير، رواها عليّ بن أبي طلحة، لو رحل رجلٌ فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا، وكثيرًا ما اعتمد على هذه الطريقة ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح، ومسلم صاحب (الصحيح) وأصحاب السنن جميعًا يحتجّون بعلي بن أبي طلحة.

وهناك تفسير ينسب إلى ابن عباس، وطُبِعَ في مصر مرارًا، باسم (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس)، جمعه أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي الشافعي، صاحب (القاموس المحيط)، وهذه النسبة غير صحيحة لابن عباس، فهو لم يؤلف كتابًا اسمه المقباس في تفسير ابن عباس، هذه من الأشياء الموضوعة على ابن عباس.

عبد الله بن مسعود:

روى ابن جرير وغيره عن ابن مسعود أنه قال: “كان الرجل منا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهن والعمل بهن”، من هذا الأثر يتضح لنا مقدار حرص ابن مسعود على تفهّم كتاب الله، والوقوف على معانيه، وعن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: “والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناوله المطايا لأتيته”، وهذا الأثر يدل على إحاطة ابن مسعود بمعاني كتاب الله، وأسباب نزول الآيات.

ومن أصح الطرق وأسلمها عن ابن مسعود طريق الأعمش، عن أبي الضحاك، عن مسروق، عن ابن مسعود، وهذه الطريق قد اعتمد عليها البخاري في صحيحه، كذلك طريق مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، وهي صحيحة لا يعتريها الضعف، واعتمد عليها البخاري في (صحيحه) أيضًا.

علي بن أبي طالب:                   

من أشهر المفسرين من الصحابة، فلقد جمع رضي الله عنه إلى مهارته في القضاء والفتوى، علمه بكتاب الله وفهمه لأسراره وخفيّ معانيه، فكان أعلم الصحابة بمواقع التنزيل ومعرفة التأويل، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: “ما أخذت من تفسير القرآن، فعن علي بن أبي طالب”، وأخرج أبو نعيم، في (الحلية)، عن علي رضي الله عنه أنه قال: “والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت، وإن ربّي وهب لي قلبًا عقولًا، ولسانًا سئولًا”.

ومن أشهر الطرق عن علي؛ طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي، طريق صحيحة خرج منها البخاري وغيره، وكذلك طريق ابن أبي الحسين عن أبي الطفيل، عن علي، وهي صحيحة أيضًا.

أُبَيّ بن كعب:

من المشهورين بالتفسير من الصحابة، وكان سيّد القرَّاء، وأحد كُتَّاب الوحي لرسول اللهصلى الله عليه وسلم، وقد قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((وأقْرَأَهم أُبي بن كعب))، وكان من أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى، ولعلّ من أهم عوامل معرفته بمعاني كتاب الله، هو أنه كان حبرًا من أحبار اليهود العارفين بأسرار الكتب القديمة، وما ورد فيها، وكونه من كُتّاب الوحي، وهذا يجعله على مبلغٍ عظيمٍ من العلم بأسباب النزول ومواضعه، ومقدم القرآن ومؤخّره، وناسخه ومنسوخه، فلا تمرّ عليه آيةٌ من القرآن يُشكل معناها دون أن يسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لهذا كله عٌدّ أُبَيُّ من المكثرين في التفسير الذين يُعتدّ بما صحّ عنهم، ويعول على تفسيرهم.

وأشهر الطرق عنه، هي طريق أبي جعفر الرّازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي رضي الله عنه، وهي طريق صحيحة، وقد وَرَد عن أُبي نسخة كبيرة في التفسير، يرويها أبو جعفر الرازي بهذا الإسناد إلى أُبيّ، وقد خرّج ابن جرير، وابن أبي حاتم منها كثيرًا، وأخرج الحاكم منها في مستدركه، والإمام أحمد في مسنده، وله طرق أخرى.

4. قيمة التفسير المأثور عن الصحابة:

أولًا: تفسير الصحابي، له حكم مرفوع إذا كان ممّا يرجع إلى أسباب النّزول، وكلّ ما ليس للرّأي فيه مجال، أما ما يكون للرأي فيه مجال فهو موقوفٌ عليه، ما دام لم يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: ما حُكِمَ عليه بأنه من قبيل المرفوع لا يجوز ردّه اتفاقًا؛ بل يأخذه المفسر، ولا يعدل عنه إلى غيره.

ثالثًا: ما حُكِمَ عليه بالوقف تختلف فيه أنظار العلماء؛ فذهب فريقٌ إلى أن الموقوف على الصحابة من التفسير لا يجب الأخذ به؛ لأنه لم يرفعه، فعُلِمَ أنه اجتهد فيه، والمجتهد يُخطئ ويُصيب، والصحابة في اجتهادهم كسائر المجتهدين، وذهب فريقٌ آخر إلى أنه يجب الأخذ بالموقوف على الصحابي، ويجب الرجوع إليه؛ لِظنِّ سماعهم له من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنهم فسّروا برأيهم فرأيهم أصوب؛ لأنهم أدرى الناس بكتاب الله؛ إذ هم أهل اللسان، ولبركة الصّحبة والتخلّق بأخلاق النبوّة، ولِمَا شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصّوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم؛ كالأئمة الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وغيرهم.

5. مميزات التفسير في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة:

أولًا: لم يُفسّر القرآن جميعه؛ وإنما فُسّرَ ما غمض فهمه، وازداد الغموض كلّما بَعُدَ الناسُ عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فتزايد التفسير تبعًا لتزايد هذا الغموض، إلى أن تمّ تفسير جميع القرآن.

ثانيًا: قلّة الاختلاف بينهم في فهم معانيه.

ثالثًا: كانوا كثيرًا ما يكتفون بالمعنى الإجمالي، ولا يلزمون أنفسهم بتفهم معانيه تفصيلًا، فيكفي أن يفهموا من مثل: قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} [عبس: 32]، أنه تعدادٌ لنعم الله تعالى على عباده.

رابعًا: الاقتصار على توضيح المعنى اللغوي الذي فهموه بأخصر لفظ، مثل: قولهم: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} [المائدة: 3]، أي: غير متعرّض لمعصية، فإن زادوا على ذلك فما عرفوا من أسباب النزول.

خامسًا: ندرة الاستنباط العلمي للأحكام الفقهية من الآيات القرآنية، وعدم وجود الانتصار للمذاهب الدينية؛ نظرًا لاتّحادهم في العقيدة؛ ولأن تلك المذاهب لم تقم إلا بعد عصر الصحابة.

سادسًا: لم يُدوّن شيء من التفسير في هذا العصر.سابعًا: اتّخذ التفسير في هذه المرحلة شكل الحديث؛ بل كان جزءًا منه، وفرعًا من فروعه، فكانت -هذه التفاسير- تروى منثورة لآياتٍ متفرقة، كما كان الشأن في رواية الحديث، فحديث صلاة، بجانب حديث جهاد، بجانب حديث ميراث، بجانب حديث في تفسير آية وهكذا؛ فهذا هو التفسير في عصر الصحابة.

error: النص محمي !!