Top
Image Alt

التقليد والمحافظة

  /  التقليد والمحافظة

التقليد والمحافظة

إننا نجد في هذا العصر للشعر توجهات عديدة؛ منها: التوجه نحو القديم فيما يمكن أن يسمَّى بـ”التقليد” -تقليد الشعر العربي الحديث للشعر العربي القديم- أو ما يمكن أن نطلق عليه “المحافظة”.

والحقيقة أن التقليد إذا كان محافظةً على الأصول والقواعد المتوارثة مع إمكانية للإضافة والتجديد، فإن التقليد هنا لا يكون مذمومًا، وإنما يكون محمودًا، وهو ما نسميه بالمحافظة، لكن التقليد المذموم هو: التقليد الجامد، الذي لا يستطيع أصحابه الخروج عن حدود القديم مطلقًا، فلا يستطيعون أن يجددوا في المضامين، ولا يستطيعون أن يجددوا في الأساليب، عندئذٍ يكون هذا تقليدًا جامدًا، ويكون سببًا وسمةً من أسباب وسمات التخلف الأدبي، وهذا التقليد المذموم هو الذي جعل الأدب العربي يرسف في أغلال الانحطاط في العصر العثماني، وقبل أن تبدأ النهضة العربية الحديثة.

التقليدُ الذي وجدناه في الشعر العربي الحديث بعد النهضة الواثقة التي تمت لهذا الأدب ولهذا الشعر على يد الشاعر الموهوب محمود سامي البارودي؛ هذا التقليد للشعر القديم تقليد محمود؛ لأنه كان بمثابة المحافظة على قواعد الفن الشعري وأصوله، هذه القواعد المتوارثة التي ورثها المتنبي في العصر العباسي عن أسلافه من الشعراء الأمويين والشعراء الجاهليين، ثم توارثتها بعد ذلك العصور التالية للعصر العباسي، حتى جاء البارودي فحافظ على قواعد الفن الشعري وجدد؛ إذ عبر عن عاطفته، وأحداث عصره، وظروف بيئته، وأشرنا في كلامنا عن البارودي عن التجديد الذي أضافه مع محافظته على القواعد والأصول، مع تقليده للقصيدة العربية القديمة في إطارها.

وذكرنا أن الشعر السياسي، والشعر الوجداني الذي قاله البارودي في المنفَى، وشعره في وصف الحرب،… وغير ذلك من الأمور التي يمكن أن تعد إضافةً للشعر العربي في عصر البارودي، قام بها البارودي مع المحافظة على قواعد وأطر الفن الشعري المتوارثة في القصيدة العربية.

وجاء بعد البارودي جيل الشعراء المحافظين، وقد سموا محافظين؛ لأنهم ساروا على نهج القصيدة العربية، حافظوا على الوزن والقافية، حافظوا على النظام الموسيقي المتوارث للقصيدة العربية، وأضافوا كثيرًا في مضامين القصيدة العربية وفي مضامين الشعر، وكان من الجديد الذي أضافوه: توسعهم في الشعر السياسي، وفي الشعر الإسلامي، وفي الشعر الوطني، وفي الشعر القومي، وتفاعلهم مع أحداث عصرهم وقضايا أمتهم، وقد جددوا في الأساليب والصور على نحو واضح.

خذ مثلًا في ذلك أحمد شوقي، الذي تأثر بالثقافة الفرنسية، واستنبت في دوحة الشعر العربي أغصانًا جديدةً، كان منها: الشعر المسرحي، والقصة على لسان الحيوان، بالإضافة إلى ما قدمه شوقي في الشعر الغنائي من تنوع وابتكار في مجال الأسلوب الشعري، وفي مجال المعاني والأفكار.

فكل هذا يمكن أن يكون تقليدًا وهو في الوقت ذاته تقليد غير مذموم؛ لأنه لا يعني الجمود، ولا الضعف، ولا الوقوع في أسر القديم دون إضافة إليه.

ثم بعد ذلك توجه الشعر العربي وجهة التجديد، هذه الدعوة التي دَعَا إليها العقاد وشكري والمازني، والتي دعا إليها المهجريون، والتي تحولت إلى ممارسة وتطبيق في شعر شعراء المذهب الجديد -العقاد، وشكري، والمازني- وفي شعر المهجريين أيضًا، واستمر هذا التجديد في شعر جماعة الديوان، هؤلاء الشعراء الذين تأثروا بالأدب المهجري، وتأثروا كذلك بشعراء المذهب الجديد، وكان من مظاهر هذا التجديد وتجلياته: ما تمثل في المضامين الشعرية، وفي الأغراض الشعرية، حيث نجد أن المهجريين وكذلك شعراء المذهب الجديد، والشأن كذلك عند شعراء جماعة أبولو، عندهم موضوعات شعرية لا نجد مثلها عند المحافظين، وأكثر هذه الموضوعات يتعلق بالنفس -شعر النفس الإنسانية- والتأمل في طبيعة هذه النفس، ونوازعها، وحالاتها، ثم شعر الطبيعة، والاندماج في مظاهرها ومشاهدها، والتأمل في الكون وأصله ومنتهاه ومصيره، إلى غير ذلك من الأنماط الفلسفية التي استطاع شعراء المذهب الجديد، وشعراء أبولو، وكذلك المهجريون، أن يخوضوا فيها، وأن يعبروا عنها في شعرهم، مع المحافظة كذلك على الإطار الفني المتمثل في الصيغة الموسيقية للقصيدة العربية المحافظة على ما لهذه القصيدة من وزن شعري وقافية.

نَوَّعَ المجددون في بناء القصيدة من حيث الشكل كذلك، جاء الكثير من أشعارهم متنوعَ القوافي، وكتب بعضهم تجاربَ جديدة فيما يسمى بـ”الشعر المرسل” وجربوا التجديد، واستمروا فيما وجدوه مناسبًا للذوق العربي، وهجروا ما وجدوه غيرَ مناسب للذوق العربي، وما استنكرته أو لم تستسغه الأُذن العربية التي رُبيت على تذوق موسيقى الشعر العربي عبر قرون من الزمان.

ولا بأس أن نستشهد ببعض النماذج.

فمثلًا عندما يقول العقاد في قصيدته “أمنا الأرض”:

أسائل أمنا الأرض

*سؤال الطفل للأم

فتخبرني بما أفضى

*إلى إدراكه علمي

جزاها الله من أم

*إذا ما أنجبت تئد

تغذي الجسم بالجسم

*وتأكل لحم ما تلد

فمثل هذه القصيدة يمكن أن نقول عنها: إنه جديد في موضوعه، وجديد في أسلوبه، وجديد في بناء القصيدة كذلك.

ولم تَحُلْ القواعدُ الموروثةُ بالنسبة للقصيدة العربية دون التجديد الذي قام به العقاد وشكري والمازني، والذي قام به المهجريون كذلك.

وأيضًا نذكِّر بقصيدة إبراهيم ناجي التي درسناها دراسةً مفصلةً وهي قصيدة “العودة” وما فيها من تصوير رمزي، وما فيها من تنوع في القوافي، فذلك كله من الجديد، فعندما يقول -مثلًا- ناجي في هذه القصيدة:

دار أحلامي وحبي لقيتنا

*في جمود مثلما تلقى الجديد

أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا

*يضحك النور إلينا من بعيد

رفرف القلب بجنبي كالذبيح

*وأنا أهتف يا قلبي اتئد

فيجيب الدمع والماضي الجريح

*لم عدنا ليت أنا لم نعد

لم عدنا أَوَ لم نطو الغرام

*وفرغنا من حنين وألم

ورضينا بسكون وسلام

*وانتهينا لفراغ كالعدم

موطن الحسن ثوى فيه السأم

*وسارت أنفاسه في جوه

وأناخ الليل فيه وجَثَم

*وجرت أشباحه في بهوه

والبلى أبصرته رأي العيان

*ويداه تنسجان العنكبوت

صحت يا ويحك تبدو في مكان

*كل شيء فيه حي لا يموت

كل شيء من سرور وحزن

*والليال من بهيج وشج

وأنا أسمع أقدام الزمن

*وخطى الوحدة فوق الدرج

فهذه الصور المجسمة لأحزان الشاعر وهمومه وآلامه النفسية، وهذه الصور الرمزية التي يظهر فيها ما يسمى بـ”تراسل الحواس” حيث يُوصف المرئي بصفة المسموع، ويوصف المسموع بصفة ما يُشم، إلى غير ذلك مما يمكن أن يأتي مما يسمى بـ”تراسل الحواس”؛ فنحن نعد ذلك كله جديدًا في أسلوب التصوير الشعري، كما نعد هذا البناء الموسيقيّ للقصيدة على القوافي المتنوعة والمتعددة والمتغيرة مع كل بيتين، والمتغيرة والمتنوعة في الأشطر الداخلية كذلك، نعدُّ ذلك من الجديد الذي أضافه ناجي، والذي أضافه زملاؤه من شعراء جماعة الديوان.

فتلاحظ -مثلًا- في هذا التصوير الذي جاء في هذه القصيدة “البلى” والبلى هو: الفناء، وهو أمر عقلي لا يدرك بالحواس، الشاعر يصوره على أنه رآه بعينيه فجسَّده، ثم شخصه إذ أثبت له يدين:

والبلى أبصرته رأي العيان

*ويداه تنسجان العنكبوت

ثم يستمرُّ الشاعرُ في تشخيصه لهذا البلى؛ إذ يخاطبه بقوله:

… يا ويحك تبدو في مكان

*كل شيء فيه حي لا يموت

ثم إن الشاعر هنا يسمع وقع أقدام الزمن، والزمن شيءٌ معنوي، لكن ناجي هنا يشخصه عن طريق الاستعارة ويثبت له أقدامًا، فشبهه بإنسان، ثم حذف المشبه به وأثبت له خاصة من خواص هذا المشبه به، وهي الأقدام:

وأنا أسمع أقدام الزمن

*…. …. …. ….

ويرى خُطى الوحدة فوق الدرج، أو يسمعها كذلك.

فهذا الأسلوب كله -كما أسلفت- من الجديد الذي استوعبه الإطار الموسيقي للقصيدة العربية.

وما قلناه عن شوقي وعن العقاد وعن ناجي، يقال عن المهجريين؛ فالمهجريين جددوا كذلك في مضمون القصيدة، وفي أسلوبها، وفي بنائها الموسيقي.

وقد استوعبت القصيدة العربية في إطارها الموروث كلَّ هذه التجديدات، بل إننا نجد تنويعًا في الأوزان في القصيدة الواحدة مع التنويع في القوافي في تجاربَ لبعض شعراء المهجر، وتجاربَ لبعض شعراء جماعة أبولو. من ذلك مثلًا هذه القصيدة للشاعر حسن كامل الصيرفي، وهو من شعراء جماعة أبولو، يقول في إحدى قصائده:

ليتني البسمة تعلو شفتيك

*مثلما تعلو طيور فوق أيك

تتنزى وهي تشدو في السكون

*تختفي حينًا وتبدو في الغصون

فأرى مِن أين تأتي وتبين

*وأرى هل أنت حقًّا تبسمين

لي من قلبك أم لا تحفلين

*بسلامي وكلامي ليتني

وواضح أن هذا اللون من الشعر المقطعي الذي تتنوع فيه الأوزان، إلى جانب تنوع القوافي، يسير في طريق الموشحات، ويمكن القول: بأن هذا التجديد في مجال موسيقى الشعر مبني على أنماط عربية قديمة، بعضُها قد سبق إليه المشارقة في العصر العباسي، وبعضها قد ابتكره الأندلسيون بعد ذلك في الأدب الأندلسي.

فَفَضْل شعراء هذا الاتجاه في تجديدهم هو في التفاتهم إلى هذه الينابيع القديمة، وإلى تلك القوالب الموروثة، والنسج على منوالها، وإحيائها وتطويرها. كل هذا تجديد، وكل هذا استوعبته القصيدة العربية من غير أن تنقطع صلتُها بالقديم، ومن غير أن تكون هناك قطيعةٌ بين الجديد والموروث.

error: النص محمي !!