Top
Image Alt

التكفير: مفهومه، وخطورته

  /  التكفير: مفهومه، وخطورته

التكفير: مفهومه، وخطورته

التكفير: هو الحكم على الإنسان بالكفر، وهذا الحكم خطير لخطورة آثاره، ولذلك نهى الإسلام عن التعجيل به وعن تقريره إلا بعد التأكد من وجود أسبابه تأكدًا ليس به أدنى شبهة؛ ولأن يخطئ الإنسان في العفو خيرٌ من أن يخطئ في العقوبة، والكافر إذا أفلت من عقوبة الدنيا فلن يفلت من عقوبة الآخرة. فينبغي أن يعلَم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر، لا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان واضح كشمس النهار.

فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: ((أن مَن قال: لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما)) وفي (الصحيح): ((مَن دَعَا رجلًا بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك، إلا حار عليه)) أي: رجع إليه.

وفي هذه الأحاديث وما شابهها أعظم زاجر عن التسرع في الحكم بالكفر، فقد قال عز وجل: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106] فلا بد من شرح الصدر بالكفر، ولا اعتبارَ بما يقع من طوارق عقائد الشرك ولا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام؛ وذلك لأن الإيمان والكفر محلهما القلب، ولا يطِّلع على ما في القلوب غير الله سبحانه وتعالى علام الغيوب، وليست كل القرائن الظاهرة تدل يقينًا على ما في القلب، فأكثر دلالتها ظنية، والإسلام نهى عن اتباع الظن في أكثر من نص في القرآن والسنة، وطلب الحجة والبرهان على الدعوة وبخاصة في العقائد.

وتطبيقًا لذلك نَعَى النبي صلى الله عليه وسلم على أسامةَ بن زيد قتلَه الرجل الذي ألقى إليه السلام وأمر بالتبين، فقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94]؛ فقد كرر في الآية الأمر بالتبيين لأهميته، ولم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم من أسامة اعتذاره، وقال له: ((هلَّا شققتَ عن قلبه؟!)).

فينبغي أن يعلم أن الكافر الحقيقي قد انعقد قلبُه على الكفر واقتنع به ولا شبهة له، كما قال تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} أي: اقتنع واستراح له. وحتم على كل مسلم ألا يطلق كلمة الكفر إلا على مَن شرح به صدرًا.

وقال القرطبي في تفسيره لسورة الحجرات: وليس قوله تعالى: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما أن الكافر لا يكون مؤمنًا إلا باختياره الإيمانَ على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بالإجماع.

والذي ينبغي أن نؤصله هنا: أن الحكم بالكفر على إنسان ما حكم جد خطير؛ لما يترتب عليه من آثار هي غاية في الخطر؛ ومنها:

– أنه لا يحل لزوجته البقاء معه، ويجب أن يفرق بينه وبينها، وأن أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه؛ لأنه لا يؤتمن عليهم، ويخشَى أن يؤثر عليهم بكفره، وخاصة أن عودهم لين، وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي كله.

– وأنه فقد حق الولاية والنصرة على المجتمع الإسلامي بعد أن مرَق منه، وخرج عليه بالكفر الصريح والردة البواح، ولهذا يجب أن يقاطع، ويفرض عليه حصار أدبي من المجتمع حتى يفيق لنفسه، ويثوب إلى رشده.

– وأنه يجب أن يحاكم أمام القضاء الإسلامي؛ لينفذ فيه حكم المرتد بعد أن يستتيبه ويزيل من ذهنه الشبهات، ويقيم عليه الحجة.

– وأنه إذا مات لا تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له.

– وأنه إذا مات على حالة الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته، والخلود الأبدي في نار جهنم -والعياذ بالله.

وفي هذه الأحكام الخطيرة توجب على مَن يتصدى للحكم بتكفير خلق الله أن يتريث مرات ومرات قبل أن يقول ما يقول، وإذًا فليحذر الواهمون الذين يوزعون الكفرَ على المسلمين من غير بينة، ويتهمونهم بالخروج على الإيمان من غير دليل، ولا سيما بعد أن شهدوا شهادة الحق ونطقوا بكلمة التوحيد، وذلك أن الكفر حكم شرعي، وأن التكفير حق الله وحده، وأنه لا نكفر إلا مَن كفره الله عز وجل أو كفره رسولُه صلى الله عليه وسلم.

وتعالوا لنتعرف على أبعاد كلمة الكفر؛ حتى يستبين لنا هذا الأمر، وتتضح لنا هذه القاعدة: “أن الكفر حكم شرعي”، وأن “التكفير حق لله تعالى وحده”.

ما هو مفهوم الكفر؟

مفهوم الكفر من أخطر القضايا التي توضح علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بغيره، فعلى حَسْب ما عليه الإنسان من إيمان أو كفر يكون الاعتقاد، ويكون التعامل. والأمم والدول والجماعات تقوم العلاقات بينها قربًا وبعدًا، اتفاقًا واختلافًا، سِلمًا وحربًا، على هذا المعتقد. هل هو إيمان أم كفر؟

فالكفر في اللغة: معناه الستر والتغطية، فالعرب تسمي الليلَ كافرًا، لأنه يستر الأشياء ويخفيها، وتسمى الفلاح كافرًا؛ لأنه يغطي البذر في التراب، ومن هذا المعنى قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: 20] ومعنى: {الْكُفَّارَ} هنا الزراع. ومنه سمي الكافر؛ لأنه يستر نعم الله عليه، ومنه: الكفر بالله وكفر النعمة، أي: جحدها وعدم الشكر عليها. قال تعالى: {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } [القصص: 48].

والكفر في الشرع كما هو في اللغة نقيضُ الإيمان: وهو إنكار شيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع، ومَن كفر بشيء مما يجب الإيمان به يسمى كافرًا، والسبب في تسمية الخارج عن الإيمان كافرًا، أنه يرى أدلة التوحيد وما يدعوه إلى الإيمان بربه عز وجل ثم يصر مستكبرًا على باطله وكفره، كما قال تعالى عن فرعونَ على لسان موسى: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] وقال عن قومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] فقد تيقنت أنفسُهم أن الآيات التي جاء بها موسى هي آيات الله حقًّا وصدقًا، ولكنهم جحدوا وأنكروا وكابروا، وردوا الحق عن علم وبصيرة.

هذا، والكفر في لسان الشرع يطلق على معنيين؛ أحدهما: كفر عقيدة، والآخر: كفر عمل.

فكفر العقيدة: عدم الإيمان بما يجب الإيمان به من وجود الله تعالى، ووحدانيته، وما يجب له من صفات الكمال والجلال، وسائر العقائد الأخرى كركائز الإيمان.

والثاني: كفر عمل، كجحد معروف وعدم شكره، ومنه قوله تعالى: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } [الأنبياء: 94] وكقول النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: ((ورأيت النار فلم أرَ كاليوم منظرًا قط، رأيت أكثر أهلها النساء، قيل: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط)).

وأخطره جحد نعمة الله كما قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] وكذلك قوله تعالى في شأن سليمان عليه السلام لما أُحضِرَ له عرش ملكة سبأ: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40].

قال القاسمي في تفسيره: حيثما وقع الحديث: ((مَن فعل كذا فقد أشرك، أو فقد كفر)) لا يُراد به الكفر المخرج من الملة والشركُ الأكبر المخرج عن الإسلام الذي تجري عليه أحكام الردة -والعياذ بالله تعالى.

وقد قال البخاري: باب كفران العشير وكفر دون كفر.

وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: الكفر نوعان؛ كفر عمل، وكفر جحود وعناد. فكفر الجحود: أن يكفر بما علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمانَ من كل وجه. وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي، وسبه، يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه.

فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر، بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد.

ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه وتعالى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ومن الممتنع كذلك أن يسمي رسول صلى الله عليه وسلم تارك الصلاة كافرًا، ولا يطلق عليهم اسم الكفر، وقد نفَى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقابَ بعضٍ)) فهذا كفر عمل. كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أتى كاهنًا فصدقه أو امرأةً في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد)) فهذا كفر عمل. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهم)).

وقد سمى الله سبحانه وتعالى مَن عمِل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنًا بما عمل به، فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 84، 85].

فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به، أنهم لا يقتل بعضهم بعضًا ولا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقًا وأخرجوهم من ديارهم، وهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، ثم أخبر أنهم يفدون مَن أثر مِن هذا الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق كافرين بما تركوه منه، فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي.

وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه في قوله في الحديث الصحيح: ((سِباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) ففرق بين سبابه وقتاله، وجعل أحدهما فسوقًا لا يكفر به، والآخر كفرًا، ومعلوم أنه أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق وشارب الخمر من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان.

وهذا التفصيل هو قول الصحابة رضي الله عنهم الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام وبالكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين؛ فريق أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريق جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا، وهدَى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم.

قال سفيان بن عيينة عن هشام عن طاوس عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] قال: “ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه، وعنه أيضًا قال: “هو بهم كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله”، وقال في رواية أخرى عنه: “كفر لا ينقل عن الملة”، قال طاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة، وقال عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسوق، وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه، فإن الله سبحانه سمَّى الحاكم بغير ما أنزله كافرًا، وسمى الجاحد ما أنزله على رسوله كافرًا، وليس الكافران على حد سواء، وسمى الكافر ظالمًا، كما في قوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254].

وسمى متعدي حدوده في النكاح الطلاق والرجعة والخلع ظالمًا، فقال: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } [الطلاق: 1] وقال نبيه يونس: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 87] وقال صفيه آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وقال كليمه موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ} [القصص: 16] فليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم، ويسمي الكافر فاسقًا كما في قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [البقرة: 26، 27] وفي قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99] وهذا كثير في القرآن.

ويسمي المؤمن فاسقًا كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] نزلت في الوليد بن عقبة. وليس الفاسق كالفاسق، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] وقال عن إبليس: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وقال -عز من قائل-: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } [البقرة: 197] وليس الفسوق كالفسوق.

إذًا فالكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان، وكذا الجهل جهلان؛ جهل كفر كما في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] وجهل غير كفر، كقوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ } [النساء: 17].

كذلك الشرك شركان؛ شرك ينقل عن الملة وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر، وهو شرك العمل كالرياء. قال الله تعالى في الشرك الأكبر: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } [المائدة: 72] وقال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] وقال عن شرك الرياء: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

ومن هذا الشرك الأصغر قولُه صلى الله عليه وسلم: ((مَن حلَف بغير الله فقد أشرك)) ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((الشرك في هذه الأمة أخفَى من دبيب النمل)) فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها.

وكذا النفاق نفاقان؛ نفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره على المنافقين في القرآن وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)) وفي (الصحيح) أيضًا: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خالصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ،وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ،وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)).

فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهَى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا.

كما يجب التنبيه أيضًا إلى الفرق بين كفر النوع والشخص المعين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إن القول قد يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال: مَن قال كذا فهو كافر، ولكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله -سبحانه تعالى- يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يُشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد؛ لفوات شرط، أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلَغَه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر له، وقد يشفع فيه شفيع مطاع.

وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمَن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ فيه فإن الله يغفر له خطأه، كائنًا ما كان، سواءً أكان في المسائل النظرية أم العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام.

أيضًا يُنبه على أنه يجتمع في الرجل كفر وإيمان كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وهذا من أعظم أصول أهل السنة يخالفهم فيه أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وعدم تخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل، وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة. قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] فأثبت لهم إيمانًا به سبحانه مع الشرك، وقال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]؛ فأثبت لهم إسلامًا وطاعةً لله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم، وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه. {الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الحجرات: 15] وهؤلاء ليسوا منافقين في أصح القولين، بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله، وليسوا مؤمنين وإن كان معهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفار.

قال الإمام أحمد: مَن أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن -يريد الزنا والسرقة وشرب الخمر والانتهاب- فهو مسلم ولا أسميه مؤمنًا، ومن أتى دون ذلك -يريد دون الكبائر- سميته مؤمنًا ناقصَ الإيمان، قد دل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((فَمَن كانت فيه خَصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق)) فدل على أنه يجتمع في الرجل نفاق وإسلام، وكذلك الرياء شرك، فإذا رأى الرجل في شيء من عمله اجتمع فيه الشرك والإسلام، وإذا حكم بغير ما أنزل الله أو فعل ما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم كفرًا، وهو ملتزم للإسلام وشرائعه، فقد قام به كفر وإسلام. والمعاصي شعب الكفر، والطاعات شعب الإيمان.

وقال -رحمه الله تعالى-: مَن كان فيه شعبة من الإيمان لا يصير بها مؤمنًا، ومَن كان فيه شعبة من شعب الكفر لا يصير بها كافرًا وإن كان ما قام به كفرًا، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالمًا، ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقيهًا ولا طبيبًا، ولا يمنع ذلك أن تسمى شعبة الإيمان إيمانًا، وشعبةُ النفاق نفاقًا، وشعبة الكفر كفرًا، وقد يطلق عليه الفعل كقوله: ((فمن تركها فقد كفر))، ((ومن حلف بغير الله فقد كفر)) فمن صدر منه خلة من خلال الكفر لا يستحق اسم كافر على الإطلاق، وكذا يقال لمن ارتكب محرمًا أنه فعل فسوقًا، لا أنه فسَقَ بذلك المحرم، ولا يلزمه اسم فاسق إلا بغلبة ذلك عليه، وهكذا اسم الزاني والسارق والمنتهب لا يسمى مؤمنًا وإن كان معه إيمان، كما أنه لا يسمى كافرًا وإن كان ما أتى به من خصال الكفر؛ إذ المعاصي كلُّها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.

هذا، والكفر مناقض للإيمان، ونعني بالكفر أو بنواقض الإيمان أسباب الخروج من الإسلام بعد الدخول فيه، حسب القاعدة الجامعة التي اتفق عليها أهل السنة، نختار في التعبير عنها ما قاله الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- في (العقيدة الطحاوية): ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين، ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: ولا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمل! ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم، والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة، ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.

وبيان هذه القاعدة: أن الشارع الحكيم قد جعل للإيمان والإسلام مدخلًا وبابًا يدخل منه، وهو -كما علمتَ- الإقرار والتصديق بالشهادتين، فمن ولج إلى الإسلام من هذا الباب، فإنه لا يخرج إلا أن يصدر عنه قول أو عمل أو اعتقاد يناقض إقراره السابق وتصديقَه بالشهادتين جحودًا وإنكارًا أو استحلالًا، فمن كان مناقضًا لمعنى الشهادتين. أي: مضادًّا لتوحيد الله في ربوبيته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وتوحيده في ألوهيته، وعدم توجه الإنسان بالعبادة له سبحانه، أو مكذبًا بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الشرائع، ومن أمور الغيب، أو غير ذلك، فهذا يكون مناقضًا لما أقر به واعترف به من الشهادتين.

error: النص محمي !!