Top
Image Alt

التكييف الفقهي لأعمال البورصة

  /  التكييف الفقهي لأعمال البورصة

التكييف الفقهي لأعمال البورصة

عرفنا أن البورصة سوقٌ لتبادل الصفقات والعملات والأوراق المالية، وتقوم هذه التبادلات على المضاربة، والمضاربة الشرعية، وتسمى: القراض. أيضًا هي: عقد شركة بمال من أحد الجانبين، وعمل من الجانب الآخر، على أن يكون الربح بينهما.

والمضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض لطلب الرزق والسعي عليه، قال تعالى: { وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20] وتعني: المضاربة في الفكر القانوني الحديث على عمليات بيع وشراء، لا لحاجة راهنة كسداد دين أو شراء أصل، ولكن للاستفادة من فروق الأسعار عند التنبؤ بتغييرات قيم الأوراق المالية.

إذًا: أعمال البورصة قائمة على المضاربة، وأصل لفظ المضاربة في الترجمة الإنجليزية يعني: التكهن بسعر السلع والسوق، أي: التوقع أنها هذه الأيام بكذا، وستكون في الأسبوع القادم، أو الشهر القادم، أو العام القادم بكذا، فمن خبرة هؤلاء الوسطاء يتم التكهن بأسعار معينة، صعودًا أو هبوطًا.

فمضاربة البورصة تعتمد على البيع والشراء؛ للاستفادة من فروق الأسعار في السلع بين وقت الشراء ووقت التصفية والتسليم، والمضاربة في البورصة تجري على العملات -النقود- وعلى غيرها كالسلع، والأسهم، والسندات، والأوراق المالية، وجوهر عملياتها المضاربة مع اختلاف الموضوع والسلع.

وأقرب تعريف للمضاربة على العملة: هو طلب العملة لذاتها وقيمتها، لا لاستخدامها في جلب سلعة أو سداد دينها، وإنما لبيع هذه العملة مرة أخرى؛ وذلك لطلب الربح عن طريق مراعاة الفروق بين الأسعار بين وقت ووقت، وسوق وسوق، وعملية وأخرى. أو هي: بيوع يقوم بها خبراء في أسواق البورصة؛ للاستفادة من فروق الأسعار.

وبهذا، يتبين أن التكييف الفقهي لأعمال البورصة ومعاملاتها -سواء كانت في العملات، أو في الأوراق، أو في السلع- أنها بيوع لسلع، أو أسهم، أو عملات، وهي بهذا تكون كسائر البيوع والتجارة، فالجميع يبتغي النمو، والجميع يسعى إلى الربح، والجميع يسعى إلى تسعة أعشار الرزق، وهي موجودة في التجارة، والله سبحانه وتعالى جعل الناس يرتزق بعضهم من بعض، وكما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((دعوا الناس يرزق الله تعالى بعضهم من بعض)).

إلا أن بعض الباحثين يرى أن هذه العمليات، وإن كانت بيعًا في صورته إلا أنه بيع صوري؛ لانعدام السلعة عند الصفقة، وانعدام القبض أو الاستلام؛ ففيه بيع المعدوم، وفيه بيع ما لم يملك، وفيه بيع ما لم يقبض.

وهذه كلها شبهات حول عمليات البيع في البورصة، إلا أن باحثين آخرين اعتبروها بيعًا حقيقيًّا؛ لأن السوق معروفة، والتعاقد في حكم القبض والاستلام، ولوجود الأوراق المملوكة للبائع، أي: ملكية مضمونها، فهو بيع صحيح، وليس بيعا صوريًّا، وتحققت فيه الشروط والأركان؛ لأن وسائل الاتصال الحديثة حلت وحققت الكثير من الأمور. فقد أجاز العلماء البيع والشراء، وإبرام العقود بوسائل الاتصال الحديثة، كما اعتبروا الشيكات والحوالات بمثابة قبض العملات، وأنها بذلك تعتبر يدًا بيد.

واعتبر بعض الباحثين هذه العمليات نوعًا من المقامرة؛ لأنها تقوم على التكهن والتنبؤ، ونقول: ليس الأمر كذلك، بل إنها تقوم على الواقع اليومي، وكما تختلف أسعار الأقوات والملابس والعملات بصورة يومية كما هو مشاهد يوميًّا على صفحات الجرائد، أو محلات الصرافة، أو أسواق اللحوم والخضراوات، وسائر السلع، كذلك تختلف أسعار الأوراق المالية صعودًا وهبوطًا.

وهنا تتدخل الخبرة والمهارة في إنجاح الصفقة، وتحقيق الربح، وتجنب الخسارة أو تقليلها بناء على وقائع واقعية، واتصالات عالمية؛ لأن العالم الآن أصبح قرية صغيرة متصلة ببعضها، في ظل قنوات الاتصال الفضائية الحديثة، والشبكة العنكبوتية، فهي أبعد ما تكون عن القمار؛ حيث يقوم القمار على أرقام وعمليات غير معروفة الأصل ولا النتائج، في حين تقوم عمليات البورصة على مبالغ وأوراق ثابتة، ومبادلات واضحة بين طرفين أو بين أطراف، وتترتب على كل عملية آثار البيع والشراء من ملكية وتصرف، أي: يستطيع من اشترى أن يبيع في نفس اليوم لآخرين، ومن باع لغيره أن يتصرف في الأموال التي حازها بسبب هذا البيع. فالبيع والشراء حقيقيان وثابتان، والقبض قد تم وليس فيه بيع معدوم، ولا بيع ما لم يملك، ولا بيع ما لم يقبض، ولا التكهن، ولا القمار ولا أي شيء من هذا القبيل.

ولذلك فرّق الدكتور شوقي دنيا في بحثه “المضاربات على العملة”؛ بأن الممارسات التي تحدث في الأسواق المالية منها ما يكون مضاربة، ومنها ما يكون مقامرة، ومنها ما يكون مضاربة غير مشروعة، والمضاربة المشروعة عنده هي: محاولة التنبؤ بسعر المستقبل القريب للاستفادة من السعر الحالي، وهي لا تنحصر في العمل الذهني فقط، بمعنى الاقتصار على ملاحظة ظروف السوق والتنبؤ بالأسعار، بل لابد أن تتحول إلى فعل، وهو التدخل بالشراء عند انخفاض الأسعار، ثم البيع عند الارتفاع. إذًا: هي عمليات مقصودة فيها بيع حقيقي وشراء حقيقي.

أما المقامرة فهي: عبارة عن عمليات المضاربة التي لا تستند على حسابات أو دراسات صحيحة، وإنما تستند على الصدفة والحظ؛ فتنقلب إلى مقامرة.

وبما أن وسائل الاتصال الحديثة قرّبت وأتاحت جميع العمليات بوضوح وعلانية وشفافية، فلم يعد هناك مجال للمقامرة، ولكنها عمليات بيع وشراء تامة؛ إلا أنه ينبغي التنبيه إلى عدم افتعال أو تصنّع أسعار غير حقيقية للإيقاع بآخرين، فعند افتعال أو تصنع أسعار غير حقيقية، وهي أمور قائمة على الشائعات للإيقاع بالآخرين؛ يكون ذلك نوعًا من الاستغلال، والخيانة، والغش، والنجش، وهي أساليب محرمة نهى عنها الإسلام؛ لأنها أكل لأموال الناس بالباطل.

أما بعيدًا عن الاستغلال، والتصنع وافتعال الأسعار، والكذب والخداع، والنجش والغش والغرر، والكذب؛ تبقى أعمال البورصة بيعًا وشراء حقيقيًّا بناء على أوراق ثابتة وعملات موجودة فعلًا يتم إيداعها أو خصمها أو إضافتها من خلال الشبكات العنكبوتية أو أجهزة الحاسب الآلي، ووسائل الاتصال الحديثة، وتتم بصورة فورية، ولا أدل على ذلك من الحوالات التي تتم من بعض دول الخليج إلى مصر، أو إلى غيرها من البلاد العربية؛ فإنها تتم بسرعة البرق إضافة أو خصمًا، أفليس ذلك قبضًا؟

وقد اعتبرت المجامع الفقهية الشيء الذي يصدر من بعض المصارف المالية مع أن صرفه قد يستغرق يومين أو ثلاثة حين يصل صاحبه، ومع هذا اعتبروا إصداره تقابضًا.

إذًا: التعامل بالبورصة بيع وقبض وملكية وحيازة وتصرف.

ومن عمليات البورصة ما يسمى بعمليات الصرف الحاضر، وتسمى: عمليات الصرف العاجلة والفورية -وهذا تأكيد لما سبق أن ذكرناه- ومعناها: أن تتم المعاملة بالسعر الحاضر، أما التقابض فيكون بعد يوم أو يومين حسب الإجراءات المحلية والدولية، وهذا أمر مغتفر.

ومن الفقهاء المعاصرين من يجيز ذلك؛ لأن هذه الإجراءات متعارف عليها، ولأن في اشتراط التقابض الفوري رغم المسافات العالمية مشقة وحرجًا؛ فكان ذلك الأجل البسيط الذي يستغرق يومًا أو يومين مغتفرًا، وقد أجازت المجامع الفقهية اعتبار القيد في الحساب كالحوالات أو الشيكات تقابضًا حقيقة. ورأى آخرون أن ذلك غير جائز؛ لعدم تحقق التقابض الفوري -أي: يدًا بيد.

ومن عمليات البورصة أيضًا: عمليات الصرف الآجلة، وهي: أن يكون البيع والشراء بسعر اليوم والحاضر على أن يكون الثمن أو الاستلام بعد شهر أو شهرين أو أكثر، وقد تم اعتبار ذلك من ربا النسيئة، ومن ربا الفضل؛ لأن كلا البَدَلَيْن مؤجل الثمن، والسلعة مؤجلة. أما لو كان الثمن مقبوضًا الآن، والسلعة هي المؤجلة وأوصافها معلومة؛ فإنه يكون من بيع السَّلَم.

ومن هذا القبيل -أي: من عمليات البورصة- ما يسمى بالبيع على المكشوف، وهو: بيع أوراق مالية مقترضة على أمل أن ينخفض السعر، فإذا انخفض السعر قام المتاجرون بالأوراق المالية بشراء الأوراق التي باعوها وإعادتها إلى مالكها، ويجري تسهيل تنفيذ هذه العملية من خلال سمسار أوراق مالية، وهو الذي يرتب لعملية الشراء.

وكذلك من أعمال البورصة: عمليات الشراء بالحد، ومعناها: ما يشبه بيع العُرْبُون في الفقه، وحقيقتها: أن يقوم المشتري بدفع نسبة معينة من القيمة السوقية للسلع، أو العملات التي يرغب في شرائها، أما باقي الثمن فيعد قرضًا أو تسهيلًا يقدمه السمسار للمشتري، ويتقاضى السمسار في مقابل تسهيل تلك المعاملة فائدة أو عمولة. فهذه كلها صور من عمليات البورصة، وسيتم بيان الحكم الشرعي لها لاحقًا.

ومن عمليات البورصة أيضا: ما يسمى بعقود الخيارات، وهي: عقود قانونية تعطي لحاملها الحق في بيع أو شراء العملات بسعر محدد خلال فترة تحدد عادة بثلاثة شهور، وهذا الحق في مقابل دفع علاوة يدفعها مسبقًا، وهي عقود آجلة، وللمشتري حق الاختيار بين إتمام عملية البيع أو الشراء، أو فسخ العقد مقابل ترك هذه العلاوة، وهي غير قابلة للردّ، وهذا النوع من العقود حادث لا يمكن إلحاقه بالعقود المعروفة عند الفقهاء؛ للاختلاف الكبير بينهما.

ومن أعمال البورصة: عمليات المقابضة، وهي تعتمد على بيع أوشراء عملة مقابل عملة في السوق الحاضر مع إجراء عملية متزامنة في السوق الآجلة لبيع العملة التي تم شراؤها، أو شراء العملة التي تم بيعها، يعني: بيع عملة أو شراء عملة مقابل عملة في السوق الحاضرة مع تعهد، أو إجراء عملية ببيعها هذه العملة بعد شهر أو شهرين في السوق الآجلة.

ومنها: عمليات المراجحة أو التحكيم، وهي: عبارة عن شراء عملة من أحد أسواق الصرف، ثم يبيعها المشتري في الحال في سوق أخرى بغير تحقيق أرباح من فروق أسعار الصرف بين الأسواق المختلفة؛ وذلك كمن اشترى دولارات من شركة صرافة بسعر معين، وجد بيعًا لها في شركة أخرى بسعر أعلى وهكذا، وهذه عمليات مصرفية تحقق أرباحًا من فروق الأسعار بين شركة صرافة وأخرى؛ لأنها أسواق مختلفة.

error: النص محمي !!