Top
Image Alt

التمسك بالفضيلة ومكارم الأخلاق، تطبيق العدالة في أروع صوَرها، المعاملة بالمثْل

  /  التمسك بالفضيلة ومكارم الأخلاق، تطبيق العدالة في أروع صوَرها، المعاملة بالمثْل

التمسك بالفضيلة ومكارم الأخلاق، تطبيق العدالة في أروع صوَرها، المعاملة بالمثْل

الدعامة السادسة: التمسك بالفضيلة ومكارم الأخلاق:

إنّ من أساس العلاقات الإنسانية في الإسلام: التمسك بالفضيلة، سواء أكانت بين الأفراد أم كانت بين الجماعات، وسواءٌ أكانت العلاقة في حال الحرب أم في حال السلم، وأيًّا كان النوع أو جنس الذين يتّصلون بهم أو يختلفون معهم؛ ذلك لأنّ قانون الأخلاق قانون عامٌّ يشمل الأبيض والأسود والأحمر والأصفر، أو يشمل الناس جميعًا في كل الأقطار والأمصار، لا فرق بين من يعيش في مجاهل الأرض ومن يعيش في حواضرها، ولا فرق بين عالِم وجاهل. وإنّ ما يكون شرًّا بين الأفراد في شَعب واحد، يكون أيضًا شرًّا بين الجماعات والدّول، وما يكون شرًّا في وطن يكون شرًّا أيضًا إن صنعتَه في غير وطنك، وسواء أكان الطرف الآخر محاربًا لك أم كان مسالِمًا؛ لأن الفضيلة بمقتضى قواعد السلوك والأخلاق الفاضلة هي حقّ لكل إنسان، يستحقّها بمقتضى إنسانيته، التي هي وصْف مشترك بين كل أبناء آدم.

وقد تقرّر ذلك في المبادئ الإسلامية التي تُطبّق على جميع أهل الأرض. وأشد ما كان يدعو إليه القرآن في الأمر بالفضيلة هو: ما يقترن بالجهاد، خشية أن تندفع النفوس في حال احتدام القتال إلى ما يُخالف ذلك المبدأ العامّ.

فمثلًا: نجد النصّ القرآني يأمر بالمعاملة بالمثْل عند الاعتداء؛ فمن اعتدى يُدفع شرُّه، ومَن قاتل يُقاتَل، ولكن اقترن ذلك بوجوب الاستمساك بالتقوى، والتقوى تكون في التمسك بالفضيلة.

وقد جاءت الآيات الكثيرةُ تحثُّ على التقوى والعدالة في القتال، نذكر من ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ} [البقرة: 194]، وأيضًا ذلك النصّ العامّ الجامع لمكارم الأخلاق؛ قال تعالى: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} [النحل: 90].

وإذا كان القرآن الكريم قد أقرّ ردّ الاعتداء بمثله، إلاّ في حالة انتهاك الفضيلة فلا يُعامل بالمثل، أي: أنه إذا انتهك العدو حُرمات الفضيلة فلا تُنتهك. فإذا كان العدو مثلًا ينتهك حرمة النساء، لا نفعل ذلك معه. وإذا كان يقتل النساء والذرية الضعاف، لا نقتلهم لأنّا أُمِرْنا بعدم قتْلهم. وإذا كان يُجيع الأسرى ويُظمئهم حتّى يموتوا جوعًا، لا نفعل ذلك. وإذا كان أيضًا يُمثّل بالقتلى ويُشوّه أجسامهم بعد قتْلهم، ويفعل ذلك في قتلى المسلمين، فلا نُجاريه في ذلك.

وقد حدث أنّ المشركين في غزوة أحد قد مثّلوا بجثّة سيِّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وأحبِّ ذوي قربه إليه، فلمّا ظفر بهم وانتصر عليهم صلى الله عليه وسلم لم يُمثّل بأحد من قتلاهم. وقد نهى نهيًا عامًّا عن المُثْلة، فقال: ((إيّاكم والمُثْلة!)). وبعبارة عامّة لا يصحّ للمسلم أن يُجاري الأعداء في مآثمهم وما يرتكبون ضد الفضيلة الإنسانية العامّة.

وقد حدث في عصر محمد النبي الكريم الرحيم صلى الله عليه وسلم أن جارى بعض المسلمين الأعداء فقتلوا بعض الأطفال، فقال النبي غاضبًا: ((ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتّى قتلوا الذرية؟ ألا لا تقتلوا الذّريّة! ألا لا تقتلوا الذرية!)). وقالصلى الله عليه وسلم في بعض وصاياه لجيوشه: ((سيروا باسم الله في سبيل الله، وقاتلوا أعداء الله. ولا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تنفِّروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا امرأة، ولا شيخًا فانيًا، ولا عابدًا)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ويوصي صلى الله عليه وسلم أيضًا بأن لا يُقتل الأسير، فيقول: ((لا يعترضْ أحدُكم أسيرَ أخيه فيقتله)). وهكذا تكون معاملة المسلمين لغيرهم على أساس الفضيلة لا يَعْدونها؛ لأنّ هذا الدِّين جاء لحماية الفضيلة، ولإنشاء مجتمع فاضل تسوده الفضيلة، وتختفي فيه الرذيلة.

وليس من المعقول أن ينتهك حِمَى هذه الفضيلة مع المخالفين؛ لأن هذا الدِّين رسالة الله تعالى إلى أهل الأرض كافّة من إنس وجانّ. وإذا كانت الحرب، وكانت ضرورة أو لا مفرّ منها، فإنها حرب النّبوّة الرحيمة العادلة ضدّ الطغيان الظالم، كما أنها حرب الفضيلة ضدّ الرذيلة، دفعت إليها الفضيلة المستعلية، وختمتها الفضيلة ليكون النصر فاضلًا والأخلاق العليا أو مكارم الأخلاق منتصرة.

الدعامة السابعة: تطبيق العدالة في أروع صوَرها:

فقد قامت كلّ علاقة إنسانية في الإسلام على العدالة، واعتبار الناس جميعًا سواء، وإن كان ثَمّة تفاضل فبالأعمال والجزاء عليها إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر؛ ولا يظلم ربنا أحدًا. وإن نصوص القرآن الكريم في ذلك متضافرة وكثيرة، والعدالة حقّ للأعداء كما هي حقّ للأولياء. وقد نصّ القرآن على أنه لا يصح أن تَحمل العداوة على الظلم؛ فإنّ العدل مع الأعداء أقرب للتقوى. وقد صرّح القرآن بأن أساس الأحكام الإسلامية المنظِّمة لعلاقات الناس جميعًا بعضهم مع بعض أفرادًا وجماعات هو: العدل.

جاءت الآيات القرآنية التي تحثّ على العدالة مع الأعداء والأولياء في مواطن كثيرة، نذكر منها: قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] أي: لا تحملنّكم العداوة على الظلم، لأن العدل أقرب للتقوى. ومنها أيضًا قوله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] وقوله: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} [النحل: 90] حتّى قال العلماء: إنّ هذه الآية الأخيرة من سورة “النحل” أجمع آية لمعاني الإسلام.

وقد ذكَر الله سبحانه وتعالى أنّ العدل هو الشريعة التي قامت عليها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وقامت عليها النّبوّات السابقة، والكتب المنزَلة جميعًا. إذا استعرتْ نيران الحرب، فإنه يجب أن يكون العدل هو الذي يَسُودها، وأن تكون المعاملة للمغلوب عادلةً لا ظلم فيها ولا شطط.

ولقد وردت الأحاديث المتضافرة أيضًا لتحثّ على العدل، وتَنهى عن الظلم، مثل: قوله صلى الله عليه وسلم حكايةً عن ربه عز وجل: ((يا عبادي، إني حرّمتُ الظّلمَ على نفسي، وجعلْتُه بينكم مُحرّمًا؛ فلا تظالموا)). وفي لفظ آخَر: ((يا عبادي، إني قد كتبتُ العدل على نفسي، فلا تظالموا)) أي: لا يظلمْ بعضُكم بعضًا. كما عدّ النبي صلى الله عليه وسلم مَن يعاون الظالم على ظلمه خارجًا من الإسلام، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن مشى مع الظّالم، فقد خرج من الإسلام)).

ومن الآيات التي تدل على أنّ العدالة شريعة الرسل جميعًا: قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ} [الحديد: 25]. وإذا كان لكلِّ دين سِمَة يتّسم بها، فسمة الإسلام هي: العدالة، وهي أساسه، وهي شعاره، وهي خاصّته، وهي الميزان المستقيم الذي يحدِّد العلاقات بين الناس في حال السلم وحال الحرب. ثم هي القسطاس المستقيم الذي به تُوزّع الحقوق، وبه تُحمى الحقوق، وبه ينتظم الوجود الإنساني كلّه. في السلم يكون حسن الجوار قائمًا على العدالة، وفي الحرب يكون الباعث على الحرب: العدالة. وإن كلّ المبادئ الإنسانية من تسامحٍ وحريةٍ يكون في ظلِّ العدالة. فالتسامح الذي يؤدِّي إلى ضياع الحقوق لا يكون تسامحًا ولا رحمةً، بل يكون ظلمًا ويؤدِّي إلى أشدّ النزاع. كما أن التسامح مع الظالمين أفرادًا أو جماعات قسوةٌ على الذين ظلموهم واستباحوا حقوقهم. ولقد صرّح القرآن الكريم بأنّ الله سبحانه وتعالى ما أذن للمسلمين بأن يُحاربوا إلاّ عندما يقع الظلم، وأصبح لا مناص من أن يدفعوا الاعتداء بمثْله. وإن الفضيلة الإسلامية تدعو إلى استعلاء الحقّ، ولا يستعلي الحقّ إلاّ إذا كانت العدالة قائمة. وإن الذين يتسامحون مع الظالمين لا يمكن أن يكونوا فضلاء إلاّ في إطار أنّ الضرر لا يُزال بضرر مثلِه ولا بأشدَّ منه.

ولْيعلم الناس أنه لن ينصلح حال العالَم إلاّ إذا كانت العدالة ميزانَ العلاقات الإنسانية في كلِّ أحوالها؛ فلا يبغي قويٌّ على ضعيف، ولا يضيع حقّ ولو لم يكن له مطالب. إنما لأن الأوضاع الظالمة ألفتْه حتّى صرنا نرى العلاقات الدولية تقوم على مجموعات من الظلم متكاتفة، يُحابي الأقوياء بعضُهم بعضًا بإقرارها ليسكت كل فريق عن ظلم الآخَر للضعفاء ما دام الظلم وآثاره لا يمسّانه أو بعيديْن عنه.

الدعامة الثامنة: المعاملة بالمثْل:

وهذا أيضًا مبدأ متشعّب من العدالة، وفرع غير منفصل عنها؛ فإن المعاملة بالمثْل من قانون العدالة في التعامل الإنساني بين الآحاد والجماعات، أو بين الأفراد والجماعات، سواء أكان مَن يعامله مسلمًا أم كان غير مسلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في تقرير هذا المبدأ: ((عامِل الناس بمثْل ما تحبّ أن يُعاملوك به)). وبمقتضى هذا القانون العادل، كان على المسلم أن يعامل مَن يعتدي عليه بمثل ما يُعامله ذلك المعتدي، ولا يزيد على ما يفعل إلاّ بمقدار ما يَحميه من تكرار الاعتداء عليه. وإذا كان الاعتداء ظلمًا فردُّه عدْل؛ لعل هذا يفسر قول الحقّ سبحانه وتعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ} [البقرة: 179].

كان العرب يقولون: “القتل أنْفى للقتل”، مع الفارق طبعًا بين التعبيريْن وما يحملانه من مضامين، على أنّ ردّ الظلم أو دفْع الاعتداء هذا لا يتنافى مع مبدأ العدالة، ولا مع الفضيلة، ولا مع التسامح؛ لأنه لا يصح أن يؤدِّي التسامح إلى شيوع الظّلم؛ إذ إنّ شيوع الظلم فيه شيوع الفساد، {وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ} [البقرة: 205]، وإنّ الفضيلة الإسلامية ليست فضيلةً مستسلمةً مستخذية، بل هي فضيلة إيجابية واقعة، لا تخضع للشر ولا للأشرار، بل تستعلي عليهم جميعًا.

وإنه بسبب تطبيق هذا المبدأ أُبيح الرقّ في أضيق الحدود وهي حال الحرب، إذا كان الأعداء يسترقّون أسرى المسلمين؛ فإن الرِّقّ ما أُبيح في الإسلام على أنه مبدأ من مبادئ الإسلام، ولذلك ما جاء نصّ صريحٌ في القرآن بإباحته، ولم يثبت أيضًا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أنشأ رقًّا أو أوجده على حرّ في حياته صلى الله عليه وسلم؛ بل استرقّ الصحابة من بَعد النبي صلى الله عليه وسلم على أساس أنّ الأعداء كانوا يسترقّون الأسرى من المسلمين، فلا بد من أن يُعامَلوا بالمثل تطبيقًا للنصّ الكريم الذي يُقرِّر أنّ من يعتدي على المسلمين يعامَل بمثل صنيعه. وفرْق بين رقّ الإسلام ورقّ أعدائه؛ فإن الرقيق في الإسلام يُعامل أرفق معاملة، ولا يسقط شيء من حقوقه الإنسانية، ولا فرْق بيْنه وبين الحرّ في المعاملة، إلاّ ملكية رقبته، ولا شيء وراء ذلك؛ حتّى إنه ورد أنّ آخِر وصايا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة الصلاة! ومَا ملكَتْ أيمانُكم!)). بل لقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن السيد إذا قتل عبدَه قُتِل به. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: ((مَن قَتل عبده قتلْناه به، ومَن جَدَعه جدعْناه)). أي: من قطع أنفه أو طرفًا من أطرافه، عاملناه بمثله. ثم هنالك عموم قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنّ النّفْسَ بِالنّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالاُذُنَ بِالاُذُنِ وَالسّنّ بِالسّنّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لّهُ وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} [المائدة: 45].

ومن جهة أخرى، فتح الإسلام باب العتق على مصاريعه؛ فإذا كان قد ضيّق باب الرقّ فقد فتح أيضًا باب العتق. نذكر من ذلك: أنّ الإسلام اعتبر أقرب القربات إلى الله تعالى: عتْق الرقاب. فجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكّ رَقَبَةٍ} [البلد: 11-13].

وجعل العتق أيضًا كفارةَ الكثير من الذنوب:

فمن حنث في يمينه، فعليه عتق رقبة.

ومن أفطر يومًا في رمضان عامدًا عليه عتْق رقبة.

ومَن حرّم امرأته عليه وجعلها كأمِّه في الظِّهار، لا يَقربها إلا إذا أعتق رقبة.

ومن قَتل مؤمنًا خطًا، فعليه عتْق رقبة.

ومَن لطم عبْده، فكفّارته عتْقه.

ومن أراد التعاقد مع سيِّده على أن يُطلقه، يسعى ويعمل حتّى يحصل على ثمنه ويقدِّمه له، وجب على السيد أن يُعاهده أو أن يكاتبه، وعلى المسلمين أن يساعدوه في سداد ما اتّفق عليه.

وجُعل من مصارف الزكاة: شراء الرقاب وإعتاقها، وقد يدخلون في سهْم الغارمين فيكون لهم مدخلان في الزكاة؛ قال تعالى: {إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].

وإذا كان الرق قد أُبيح في الإسلام على أساس أنه معاملة بالمِثْل؛ فإنه يجب ألاّ يُسترقّ أحدٌ من المسلمين إذا كان اتفاق على إلغاء الرقّ، وبالتالي لا يكون هناك رقّ في الحرب لأن الاعتداء ممنوع بمقتضى النصوص العامّة. ولو أُبيح الرق مع امتناع الأعداء، يكون المسلمون قد وقعوا في الاعتداء الممنوع.

وقد يقال: إن المعاملة بالمثْل تُعارض التسامح والعفو. ونقول: إنّ العفو حيث لا يمسّ العدالة، وغمْط حقوق الناس، أو رضاءً بالعدوان. وموضوع العفو والتسامح يكون بعد أن يتمكّن صاحب الحقّ منه، فيعفو أو يأخذ. وإن العدالة لا تنافي الرحمة بل إنها تلازمها؛ فحيث كانت العدالةُ كانت الرحمة، ولا يمكن أن تكون رحمةٌ حقيقيةٌ مناقضة للعدالة الحقيقية. وقد كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم أرحم الناس وأكثر الناس سماحةً في المعاملة، مع أنه كان عدلًا بكلّ ما تشمله هذه الكلمة من معانٍ. تذكر السيدة عائشة رضي الله عنها أخلاقه فتقول: ((ما ضَرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خادمًا ولا امرأةً، ولا دابّة، ولا شيئًا قط، إلاّ أن يجاهد في سبيل الله. ولم يُنَلْ منه شيءٌ فانتقم لنفسه، إلاّ أن تُنتَهك حرمات الله؛ فإذا انتُهكت حرماتُ الله لم يقُم شيء حتّى ينتقِم لله)). وهذه أخلاق الرحماء حقًّا وصدقًا؛ يتسامحون في حقوق أنفسهم التي لا يترتّب على التسامح فيها نصرةٌ للباطل، ولا هدم لحقّ غيرهم.

ولعلّ هذا يفسِّر لنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا نبيّ الرحمة، وأنا نبيّ الملحمة)). فالملحمة والمرحمة متلاقيتان في نفسه، كما تتلاقيان في كلِّ حاكم عادل يسوس الناس بالقسطاس المستقيم. وإنّ أخْذ المبطلين من أنوفهم ليُحمَلوا على الطريق السّويّ، هو من قوانين الرحمة. وإن الملحمة -وهي: القتال- لا تكون في الإسلام إلا ببواعث من العدالة والرحمة في الناس.

فالملِك أو الحاكم الذي يقود الجيوش لإزعاج الآمنين لهوىً في نفسه، أو لتعصّب لجماعته، يفسد في الأرض ولا يُصلح، ويكون من العدالة والمصلحة الإنسانية الوقوف في وجهه. ولقد جاء النصّ القرآني ببيان أنه لولا الحروب العادلة ودَفْع الناس للظالمين من الحكّام الذين يُثيرون الحروب، لفسدت الأرض؛ ولكنّ الله تعالى أباح القتال فكان ذلك منه فضلًا على خلْقه، قال الله سبحانه وتعالى في ذلك: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَـَكِنّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].

وهكذا نرى أنّ العدالة تمنع الفساد، وهي من المرحمة، وأنّ من أبرز مظاهر العدالة: المعاملة بالمثْل، وأنه بمقتضى تطبيق هذا القانون العادل كان على الحاكم المسلم أن يعامل غيره بالمثّل. فإن اعتُدِي عليه ردّ الاعتداء، وإن سالمه لا يشنّ عليه حربًا، وإن نكث في عهده نبَذ المسلمون عهده. ولكن المعاملة بالمثْل مقيّدةٌ بالفضيلة، كما سبق أن تحدّثنا؛ فإذا انتهكوا حرماتهم لا نجاريهم في ذلك؛ فإن حرب المسلمين حرب فضلاء لا يسوغ لهم أن يجاروا السفهاء. وإنه في حال المعاملة بالمثْل عند الاعتداء، يكون ردّ الاعتداء بالقَدْر الضروري لردِّه، فلا يتجاوز المحارب المسلم حدودَ الدفاع. فلا يَقتل من لا يُقاتِل ولا يكون له رأي في الحروب. لا يَقتل الذّرية ولا الشيوخ، ولا الرهبان ولا العمّال المنصرفين للزراعة، ولا غيرهم ممّا يحتاج إليه الناس، لأن هؤلاء لا يحارِبون ولا يُباح دم أحدٍ إلاّ مَن يكون في الميدان.

وقد يقول قائل: إنّ ردّ الاعتداء المسلّح بمثْله، حيثُ تقام بسبب هذا الرد حربٌ مشبوبة النيران ليس من شأن رجال الأديان، لأن شأن رجال الدِّين هو: التهذيب الروحي، والاتجاه بالنفس إلى السمو في العبادة، والعلوّ عن معترك الحياة بهذا الاعتراك الدموي. وذلك السمو لا يتفق مع القتل والقتال. ذلك قول قيل واتُّخذ مساقًا للنقد والادّعاء الباطل على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، بل وعلى الإسلام بشكل عامّ.

والجواب: إنّ الإسلام ككلّ دين جاء لنشر الفضيلة وهداية الناس؛ فلا يصحّ أن يَترك الرذيلة ترتع وتفسد وتُزعج الآمنين. وإنّ فضيلة الإسلام إيجابيةٌ هاديةٌ، لا سلبية قاصرة. وما كانت العبادات إلاّ لتهذيب الروح وتقوية النفس، وتربية المؤمن على المعاملة الحسنة والائتلاف مع الناس أيًا كان مذهبهم أو جنسهم أو لونهم . ولَيْتكم تفكِّرون في بعض أسرار العبادات، من صلاة وزكاة وصوم وحج مثلًا؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن مُؤلّف فلا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف)).

وإن الفضيلة الإيجابية التي دعا إليها الإسلام هي الفضيلة الاجتماعية، التي تكون بها كلّ نفس صالحة لأن تندمج في المجتمع وتعمل على حمايته من كل آفات الشر. وإن ذلك لا يكون بالاستسلام للرذيلة لِتقوى وتسيطر، فيُترك المعتدون يعيثون في الأرض فسادًا ويهدمون كل قائم.

وليس من التّديّن في شيء ترْك الذي يسفك الدماء من غير دافع لفساده ومانع من شره. وإنّ ذلك لا يُقرّه الإسلام الذي كان من أعظم مبادئه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد يأخذ ذلك المبدأ السامي مظهر السيف يُرفع أحيانًا؛ فإن الله يزَع بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن. وإن التعاون بين الأمم يوجب ذلك النوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهو خاصّة للأمة المحمدية. فقد وصف الله أتباع محمد بأنهم خيرُ أمة أخرجت للناس إذا قاموا بذلك الواجب المقدّس، وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الوصف قد ورد في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].

وأقول: وهكذا يجب أن تكون الأمّة المحمدية خير أمّة أخرجت للناس تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله.

error: النص محمي !!