Top
Image Alt

التناسب بين فواتح وخواتم كل سورة

  /  التناسب بين فواتح وخواتم كل سورة

التناسب بين فواتح وخواتم كل سورة

يقول السيوطي -رحمه الله-:

من هذا النوع، مناسبة فواتح السور وخواتمها، وقد أفردت فيه جزءًا لطيفًا سميته (مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع).

وقال الزركشي:

ومن أسراره مناسبة فواتح السور وخواتمها وتأمل سورة القصص وبدايتها بقصة مبدأ أمر موسى ونصرته، وقوله: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ} [القصص:17]، وخروجه من وطنه ونصرته وإسعافه بالمكالمة، وختمها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بألا يكون ظهيرًا للكافرين، وتسليته بخروجه من مكة والوعد بعوده إليها، بقوله: {إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدّكَ إِلَىَ مَعَادٍ} [القصص:85]، لقوله في أول السورة: {إِنّا رَآدّوهُ} [القصص:7].

وفي سورة “ص”، بدأها بالذكر، وختمها به في قوله: {إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ} [ص:87]. وفي سورة “ن”، بدأها بقوله: {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم:2]، وختمها بقوله: {وَيَقُولُونَ إِنّهُ لَمَجْنُونٌ} [القلم:51].

وفي أول سورة البقرة: {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة:3]، ثم قال في آخر السورة: {آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة:285]، فهو في أول السورة يذكر صفات المتقين التي يتميزون بها، وفي آخر السورة يبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه قد امتثلوا تلك الصفات وتحلوا بها.

ومن أمثلته أيضا سـورة الممتحنة؛ حيث بدئت بقـوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَآءَ} [الممتحنة:1]، وختمت بقوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلّوْاْ قوْماً غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الاَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [الممتحنة:13].

وسورة الحشر بدئت بقوله تعالى: {سَبّحَ لِلّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر:1]، وختمت بقوله تعالى: {يُسَبّحُ لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر:24].

وسورة المؤمنون بدئت بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1]، وختمت بقوله: {إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} وغيرها من السور.

قال الزمخشري: وقد جعل الله فاتحة سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} وأورد في خاتمتها {إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون:117]، فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.

وذكر الكرماني في (العجائب) مثله.

ويلاحظ أن الوحدة الموضوعية في الممتحنة تدور حول البراءة من أعداء الله وعدم موالاتـهم، والوحدة الموضوعية في سورة المؤمنون حول صفات المؤمنين المفلحين، وأوصاف الكافرين الخائبين.

التناسب بين السورة والتي تليها: وينقسم إلى أقسام:

الأول: التناسب بين فاتحة السورة، وخاتمة التي قبلها.

فمن أسرار علم تناسب السور، مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التي قبلها؛ حتى إن منها ما يظهر تعلقها به لفظًا، كما قيل في {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مّأْكُولِ} [الفِيل:5]، و{لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [قريش:1].

فقد قال الأخفش: اتصالها بها من باب: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص:8].

وقال بعضهم: إذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها، ثم هو يخفي تارة ويظهر أخرى؛ كافتتاح سورة الأنعام بالحمد؛ فإنه مناسب لختام المائدة من فصل القضاء، كما قال تعالى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ} [الزُّمَر:75].

ولما ختم سبحانه سورة النساء آمرًا بالتوحيد والعدل بين العباد؛ أكد ذلك بقوله في أول سورة المائدة: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة:1].

وفي آخر سورة الإسراء، قال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي لَمْ يَتّخِذْ وَلَداً} [الإسراء:111]، وفي أول سورة الكهف التي تليها، قال: {الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجَا} [الكهف:1]

و في آخر سورة الطور، قال: {وَمِنَ اللّيْلِ فَسَبّحْهُ وَإِدْبَارَ النّجُومِ} [الطور: 49]، وفي أول سورة النجم، قال: {وَالنّجْمِ إِذَا هَوَىَ}.

وكافتتاح سورة فاطر بـ {الْحَمْدُ للّهِ} [فاطر:1]؛ فإنه مناسب لختام ما قبلها، من قوله: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مّن قَبْلُ} [سبأ:54]، كما قال تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45].

وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح؛ فإنه مناسب لختام سورة الواقعة بالأمر به.

وكافتتاح سورة البقرة، بقوله: {الَمَ (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 1،2]؛ فإنه إشارة إلى الصراط، في قوله: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6]، كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط، قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب.

وهذا معنى حسن، يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة.

وقال أبو جعفر بن الزبير: حكى الخطابي: أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن؛ وضعوا سورة القدر عقب العلق، استدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكناية، في قوله: {إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدْر:1]، الإشارة إلى قوله: {اقْرَأْ} [العلق:1]، قال القاضي ابن العربي: وهذا بديع جدًّا.

قال الزركشي:

وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له.

قال: وهو مبنيٌّ على أن ترتيب السور توقيفي، وهذا الراجح.

الثاني: التناسب بين فواتح السورة، وفواتح التي تليها:

مثل مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح، وسورة الكهف بالتحميد؛ لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد، يقال: سبحان الله، والحمد الله.

وذكر الشيخ كمال الدين الزملكانى فى بعض دروسه مناسبة استفتاحها بذلك ما ملخصه: إن سورة بنى إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء، وهو من الخوارق الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رسول من عند الله، والمشركون كذبوا ذلك، وقالوا: كيف يسير في ليلة من مكة إلى بيت المقدس؟! وعاندوا وتعنتوا، وقالوا: صِف لنا بيت المقدس؛ فرفع له حتى وصفه لهم، قال: فافتتحت بالتسبيح؛ تصديقًا لنبيه فيما ادعاه؛ لأن تكذيبهم له تكذيب عناد؛ فنزه نفسه قبل الإخبار بهذا الذي كذبوه، أما الكهف فإنه لما احتبس الوحي وأرجف الكفار بسبب ذلك؛ أنزلها الله ردًّا عليهم، وأنه لم يقطع نعمه عن نبيه صلى الله عليه وسلم بل أتم عليه بإنزال الكتاب، فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة، وإذا ثبت هذا بالنسبة إلى السور؛ فما ظنك بالآيات وتعلق بعضها ببعض؟! بل عند التأمل يظهر أن القرآن كله كالكلمة الواحدة.

الثالث: التناسب بين مضمون السورة، ومضمون التي تليها:

ومن لطائف ذلك، وجه المناسبة بين سورتي الماعون، والكوثر.

قيل: “هي كالمقابلة للتي قبلها؛ لأن السابقة وصف الله فيها المنافقين بأربعة أمور: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة، فذكر في هذه السورة في مقابلة البخل: {إِنّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر:1]، أي: الخير الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة: {فَصَلّ} [الكوثر:2]، أي: دُم عليها، وفي مقابلة الرياء: {لِرَبّكَ} [الكوثر:2]، أي: لرضاه لا للناس، وفي مقابلة منع الماعون: {وَانْحَرْ} [الكوثر:2]، ويدخل فيه التصدّق من لحوم الأضاحي”.

ومثاله أيضًا: في سورة الضحى، ذكرٌ للنعم الحسية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سورة الشرح، ذكر للنعم المعنوية عليه.

مثال آخر: في سورة البقرة ذكر للطوائف الثلاث: “المنعم عليهم”، ويمثلهم المسلمون، و “المغضوب عليهم”، ويمثلهم اليهود، و “الضالون”، ويمثلهم النصارى.

وقد ذكر في سورة البقرة الطائفتين الأوليين بما هو ظاهر، وفي سورة آل عمران، ذكر الطائفة الثالثة فيما يزيد على “120” آية من أولها.

وقال بعضهم: لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفي صادر عن حكيم:

أحدها: بحسب الحروف؛ كما في الحواميم.

الثاني: لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها؛ كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة.

الثالث: للتوازن في اللفظ؛ كآخر تبت، وأول الإخلاص.

الرابع: لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى؛ كالضحى، وألم نشرح.

قال بعض الأئمة: وسورة الفاتحة، تضمنت الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه في دين الإسلام والصيانة عن دين اليهودية، والنصرانية، وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مكملة لمقصودها؛ فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم؛ ولهذا ورد فيها ذكر المتشابه لما تمسك به النصارى.

وأوجب الحج في آل عمران، وأما في البقرة؛ فذكر أنه مشروع وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه، وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر؛ لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها، والنبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب؛ ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء؛ فخوطب به جميع الناس والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين؛ فخوطبوا بـ {يَأَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران:64]، و{يَابَنِيَ إِسْرَائِيلَ} [المائدة:72]، و{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة:87].

وأما سورة النساء؛ فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس، وهي نوعان: مخلوقة لله، ومقدورة لهم؛ كالنسب والصهر؛ ولهذا افتتحت بقوله: {اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء:1]، ثم قال: {وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ} [النساء:1]، فانظر هذه المناسبة العجيبة في الافتتاح وبراعة الاستهلال؛ حيث تضمنت الآية المفتتح بها ما أكثر السورة في أحكامه من نكاح النساء، ومحرماته، والمواريث المتعلقة بالأرحام، وأن ابتداء هذا الأمر، كان بخلق آدم ثم خلق زوجه منه ثم بث منهما رجالًا ونساء في غاية الكثرة.

وأما المائدة؛ فسورة العقود تضمنت بيان تمام الشرائع ومكملات الدين والوفاء بعهود الرسل، وما أخذ على الأمة وبها تم الدين، فهي سورة التكميل؛ لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذي هو من تمام الإحرام، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبة المعتدين من السراق والمحاربين الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات الذي هو من تمام عبادة الله تعالى؛ ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كالوضوء، والتيمم، والحكم بالقرآن على كل دين؛ ولهذا كثر فيها من لفظ الإكمال والإتمام، وذكر فيها أن من ارتد، عوض الله خيرًا منه، ولا يزال هذا الدين كاملًا؛ ولهذا ورد أنها آخر ما نزل؛ لما فيها من إشارات الختم والتمام.

وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات، من أحسن الترتيب.

بقيَ في تعليّقات القرآن، أنواع من المناسبات، نذكر منها:

أولًا: المناسبة بين حكمين في الآيات، أو الآية:

وذلك كما في آيات الاستئذان، حين أعقبها بالأمر بغض البصر؛ فإن الاستئذان إنما جعل من أجل أن لا يقع بصر المستأذن على عورة، ولو صادف أن وقع فإن على المستأذن أن يغض البصر، ثم إن العلاقة بين الحكمين بيِّنة؛ إذ فيهما ذكر ما تكون به العفة وحفظ العورات في المجتمع المسلم.

والمناسبة بين الأمر بحفظ الفرج والأمر بغض البصر، وهما حكمان في آية واحدة.

ثانيًا: مناسبة مطلع السورة للمقصد الذي سيقت له:

ومن أمثلة ذلك سورة النساء؛ فإن الكثير من آياتها إنما يتكلم عن العلاقات الأسرية ومسائل النكاح، وأمر النساء وما يتعلق بهن؛ فناسب ذلك افتتاح مطلعها بذكر أصل الخليقة، وأول تزاوج حصل في تاريخ البشرية، وقد تقدم الإشارة لذلك.

ثالثًا: المناسبة بين اسم السورة ومضمونها:

مثاله: المناسبة بين مضمون سورة الكهف واسمها؛ فإن السورة قد ذكرت أنواع الفتن التي تمر بالمرء؛ إذ ذكرت فيها الفتنة في الدين في قصة الفتية، وفتنة الجلساء في قوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ} [الكهف:28]، وفتنة المال في قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم في قصة موسى والخضر، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين، وفتنة القوة والكثرة في خبر يأجوج ومأجوج، وذكرت هذه السورة المخرج من كل واحدة من هذه الفتن؛ فكأنها كهف لمن اعتصم بها من الفتن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من الدجال)).

رابعًا: المناسبات العامة:

وهي المناسبات التي يذكرها العلماء مطلقة في القرآن، وهي كثيرة ومن ذلك:

– افتُتحت سورتان بقوله: {يَأَيّهَا النّاسُ} [الحج:1]، وهما: سورتا النساء، والحج، وذكر في الأولى بدء الخلق والحياة للإنسان: {يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً}،وفي سورة الحج ذكر لنهاية هذه الحياة، وبداية حياة أخرى: {يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}.

ونخلص من هذا المثال إلى الحديث عن الوحدة الموضوعية في القرآن التي وعدنا بأن نعرج عليها؛ لارتباطها بعلم المناسبات العامة:

الوحدة الموضوعية في القرآن:

من الشواهد على الوحدة الموضوعية، والترابط بين آيات السورة الواحدة تكرار بعض الآيات أو معانيها في السورة؛ حيث تكررت في بعض السور الآيات مرات عديدة، مثل سورة المرسلات، وسورة الرحمن، وسورة هود، وسورة القمر.

والآيات التي تكرر ذكرها، قوله تعالى: {فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} [الرحمن:13]، وقوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ} [المرسلات:15]، وقولهِ تعالى: {وَلَقَدْ يَسّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مّدّكِرٍ} [القمر:17]، وقوله تعالى: {فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون:23].

فتكرار الآيات في السورة الواحدة -رغم أنـها تتطرق لعدة معانٍ، وتنجرُّ من غرض إلى آخر- يدل على وحدة الموضوع الذي تدور حوله آيات السورة، والهدف العام الذي تقصده.

ومما أجمع عليه أهل التأويل من السلف والخلف: أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وأنه أوثق تعويلًا وأحسن تأويلًا، فإن أصح طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر؛ وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر.

فالله سبحانه وتعالىيقول: {اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزُّمَر:23]، فمعنى قوله {مّتَشَابِها}، أي: يشبهُ بعضه بعضًا، و{مّثَانِيَ}، ثنيت موضوعاته مرة بعد مرة، وهذا يقودنا إلى القول بوجود الوحدة الموضوعية في القرآن كله.

فسورة الفاتحة جامعة كالديباجة؛ ففيها مفاتيح لجميع ما في القرآن؛ ولذلك كان من أسمائها: أم القرآن، وأم الكتاب، والأساس.

وفي الحديث: عن أبي هريرة، قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أقرأ عليكم ثلث القرآن؟! فقرأ: {قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ (1) اللّهُ الصّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2] حتى ختمها)).

قال النووي، في شرح الحديث: قال المازري، قيل: معناه: أن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وصفات لله –تعالى- و{قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ}، متضمنة للصفات؛ فهي ثلث، وجزء من ثلاثة أجزاء.

وقال ابن حجر: هي ثلث باعتبار معاني القرآن؛ لأنه أحكام وأخبار وتوحيد، وقد اشتملت هي على القسم الثالث؛ فكانت ثلثًا بـهذا الاعتبار.

ثم تأمل في بعض سور القرآن، كيف تثنى موضوعاتـها مرة بعد مرة، فتجد المعنى واحدًا، لكن يختلف الأسلوب وطريقة السياق؛ ولا شك أن هذا مؤداه إلى القول بالوحدة الموضوعية.

اقرأ مثلًا -بتدبر وتأمل- سورة البقرة، وهي أطول سور القرآن الكريم، ثم اقرأ بالطريقة نفسها سورة لقمان؛ كيف تكررت المعاني مع اختلاف الأسلوب وطريقة السياق! فالمعاني نفسها التي وردت في البقرة جاءت بطريقة مختصرة في سورة لقمان، لقد اتحدت السورتان في افتتاحيتيهما {الَمَ (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ} [البقرة: 1، 2]، و{الَـمَ (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ} [لقمان: 1-3]، وقوله تعالى: {يُؤّتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة:269].

وجاء في سورة لقمان قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنّ اللّهَ غَنِيّ حَمِيدٌ} [لقمان:12]، وقوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة:256].

وفي لقمان: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ وَإِلَىَ اللّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ} [لقمان:22].

واقرأ أيضًا سورة التوبة كيف افتتحت بالأمر بالبراءة من المشركين، قال تعالى: {بَرَآءَةٌ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:1]، وقال تعالى في سورة الممتحنة: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَآءَ} [الممتحنة:1].

فقد جاءت سورة الممتحنة، كخلاصة لسورة {بَرَآءَةٌ}، ثم إن هاتين السورتين أوجزتا في سورة “الكافرون”.

ثم تدبر سورة “العصر”، فقد أوجزت فيها مضامين أربع سور: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، فقد احتوت على أربع صفات:

{الّذِينَ آمَنُواْ} [العصر:3]، و{وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ} [العصر:3]، و{وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ} [العصر:3]، و{وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ} [العصر:3].

فسورة البقرة، وآل عمران، تضمنتا الإسلام والإيمان؛ حيث تضمنت معظم الأحكام الشرعية المفصلة في سورة البقرة؛ ولذا فقد أوجزت بقوله تعالى: {إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ}، وسورة النساء فصلت حقوق الأرحام، والأمر بالقسط وإيفاء الحقوق؛ ولذا أوجزت بقوله تعالى في العصر: {وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ}.

وسورة المائدة، سورة العقود؛ عقود الحِل والحرمة، والأمر بالوفاء بالعقود، والتزام الحلال واجتناب الحرام؛ ولذا أوجزت بقوله تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ}؛ فالحرص على الحلال واجتناب الحرام يحتاج إلى الصبر.

ونختتم كلامنا عن المناسبات، بكلمة الشيخ محمد عبد الله دراز -رحمه الله- حول تنزيل القرآن مفرقًا، وتأثير ذلك في علم المناسبات، قال: “إن كانت بعد تنزيلها جمعت عن تفريق؛ فلقد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع، كمثل بنيان كان قائمًا على قواعده، فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه؛ قدرت أبعاده ورقمت لبناته ثم فُرِّق أنقاضًا، فلم تلبث كل لبنة أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصًا، يشد بعضه بعضًا كهيئته أول مرة.

error: النص محمي !!