Top
Image Alt

التنغيم من “الفونيمات” الثانوية فوق التركيبية، وصور التنغيم بالنسبة إلى نهايات النغمات

  /  التنغيم من “الفونيمات” الثانوية فوق التركيبية، وصور التنغيم بالنسبة إلى نهايات النغمات

التنغيم من “الفونيمات” الثانوية فوق التركيبية، وصور التنغيم بالنسبة إلى نهايات النغمات

. التنغيم من الفونيمات الثانوية فوق التركيبية:

التنغيم أو “Intonation” كما في المصطلح الغربي: قمة الظواهر الصوتية التي تكسو المنطوق كله. وقد صنَّفَ علماء الأصوات الوحدات النطقية أو الظواهر الصوتية إلى فونيمات ثانوية وفونيمات فوق التركيبية أو فوق المقطعية، وحسبها آخرون ظواهر تطريزية، ومهما اختلفت وجهات النظر في هذه التسمية فلا يزال التنغيم هو الخاصة الصوتية الجامعة التي تلف المنطوق بأجمعه، وتتخلل عناصره المكونة له، وتكسبه تلوينا موسيقيًّا معينًا حسب مبناه ومعناه وحسب مقاصده التعبيرية، وفقًا لسياق الحال أو المقام.

والتنغيم بهذه النظرة هو الكل في واحد كما يقولون؛ إنه ينتظم في أثنائه جملة الظواهر الصوتية الأخرى كالنبر والتوقيع الـ”Stress” والـ”Accent” ومطل بعض هذه الأصوات يعد أيضًا داخل التنغيم، والاختلاف في درجة النغمة وتنوعاتها كل هذه تدخل في الظواهر الصوتية في إطار التنغيم.

إنه الآلة- أي: التنغيم- التي تعزف نوتها وفقًا لمقتضياتها وكفاية عازفيها، وطبيعة القطعة أو الكلام التي يراد إبرازها في صورة “سيمفونية” لها مذاقها الخاص- على حد تعبير الدكتور كمال بشر- والتنغيم إنما يتحدد إطاره وتدرك أنماط نغماته في نهايات الجمل بالفواصل الصوتية- أي: الوقفات والسكتات والاصطلاحات- فالتنغيم والفواصل الصوتية متلازمان، وهما معًا الأمارات الأساسية الدالة على أنماط التركيب أو أنماط التراكيب وكيفيات تكوينها، وبهما معًا يمكن تصنيفها هذه التراكيب إلى أجناسها النحوية وتحليلها تحليلًا لغويًّا سليمًا.

فالتنغيم في الاصطلاح هو موسيقى الكلام، والكلام عند إلقائه تكسوه ألون موسيقية، لا تختلف عن الموسيقى إلا في درجة التواؤم والتوافق بين النغمات الداخلية، وتظهر موسيقى الكلام في صورة ارتفاعات وانخفاضات، أو تنويعات صوتية أو ما يسمى نغمات الكلام؛ فالكلام مهما كان نوعه لا يلقى على مستوى واحد بحال من الأحوال، وليس التنغيم هو النبرة؛ فالنبر وضوح نسبي في نطق مقطع من المقاطع الصوتية، فهو بهذا الوصف عامل مهم من عوامل التنغيم بالإضافة إلى عوامل أخرى ذاتية وغير ذاتية، كطبيعة الصوت وهيئات التراكيب ومواقفها وملابستها الخارجية المتعلقة بالمتكلم وأغراضه.

ونغمات الكلام دائمًا في تغير من أداء إلى آخر، ومن موقف إلى موقف، ومن حالة نفسية إلى أخرى، وللنغمات مدى من حيث الارتفاع والانخفاض تحسه الأذن المدربة، فعندما ترتفع درجة التلوين الموسيقي نحصل على تنغيم مرتفع، وعندما تنخفض هذه الدرجة نحصل على تنغيم منخفض، أما إذا لزمت هذه الدرجة مستوًى واحدًا، فالحاصل إذًا نغمة مستوية.

وإمكانات التنويع في النغمات واسعة إلى حد كبير، وفقًا لنوع الكلام وظروفه، وهذا التلوين الموسيقي يعطي الكلام روحًا ويكسبه معنًى؛ إنه يدل على الحالة النفسية للمتكلم، كما يعد عاملًا مهمًّا من عوامل توضيح المعاني، وتفسيرها، وتمييز أنماط الكلام بعضها من بعض؛ فالجملة الواحدة قد يتنوع معناها بتنوع صور نطقها وكيفية التنويع في موسيقاها، تأمل مثلًا عبارة مثل قولك: يا إلهي؛ فقد تعني التحصر أو الزجر أو عدم الرضا أو الدهشة، وفقًا للحالة المعينة هذه المعاني وغيرها إنما ندركها بلون الموسيقى التي تصاحبها عند النطق في كل حالة وعبارة.

2. صور التنغيم بالنسبة إلى نهايات النغمات:

والتنغيم على الرغم من اختلاف صوره وإمكاناته يمكن حصر نغماته الرئيسية في نغمتين اثنتين، ولكن ذلك بالنسبة إلى نهاياتهما فقط، أما إطارهما الداخلي فينتظم عدد من التنويعات الجزئية الكثيرة، وحسبان النغمات اثنتين فقط إنما بالنظر إلى النهاية لا إلى الوحدات الداخلية المتناثرة في المنطوق المعين.

النغمة الأولى هذه النغمة تسمى النغمة الهابطة، وسميت كذلك للاتصاف بالهبوط في نهايتها “Falling Tone” على الرغم مما قد تنتظمه من تلوينات جزئية داخلية، وربما يكون من المفيد أن يؤتى بأمثلة تقليدية لهذه النغمة وغيرها مع توضيحها برسوم بيانية على ما يذكرون، والرسوم البيانية لموسيقى الكلام يتبع فيها عادة ضوابط معينة، فهي رسم خطوط ثلاثية متوازية مع تساوي المدى بينها، كالخطوط المستقيمة فوق بعضها البعض، الإشارة إلى المقطع المنبور يرمز لها بشرطة كالخط المستقيم، وقد ترسم الشرطة هنا مستوية أو صاعدة أو هابطة، وفقًا لحالة النغمة المعينة، والإشارة إلى المقطع غير المنبور بوضع نقطة بين قوسين صغيرين، قد تكون هذه النقطة في مدى مرتفع أو منخفض أو مستوٍ.

وأمثلة النغمة الهابطة كثيرة تظهر بوجه خاص في الجمل التقريرية، وهي تلك الجمل التامة ذات المعنى الكامل غير المعلق كقولك مثلًا: محمود في البيت، أو بالعامية: محمود في البيت. أنت تقول: محمود في البيت. كذلك تظهر أيضًا هذه النغمة في الجمل الاستفهامية بالأدوات الخاصة، أي: الجمل التي تحتوي أداة استفهام خاص، قُلْ مثلًا في العامية: فين أو مين أو متى أو إزاى، “محمود فين”؟ كذلك تظهر أيضًا في الجمل الطلبية وهي الجمل التي تحتوي على فعل أمر أو نحوه، مثل: “اخرج بره” فأنت هنا تبدأ بالمقطع: “اخ/رج بر/ره” وفقا لنمط النغمة التي تعد نغمة هابطة.

أما النغمة الصاعدة “Rising Tone” فسميت كذلك لصعودها في نهايتها بالرغم من تنوع أمثلتها الجزئية الداخلية، ومن أمثلتها التقليدية الجمل الاستفهامية والجمل المعلقة، والاستفهامية التي تستوجب الإجابة بلا أو نعم؛ كأن تقول مثلًا: محمود في البيت، أما الجمل المعلقة فيها الكلام غير التام لارتباطه بما بعده، ويظهر ذلك بوجه خاص في الجزء الأول من الجمل الشرطية، كأن تقول مثلًا: إذا جئت نتفاهم. وهذا المثال في جملته انتهى بنغمة هابطة؛ لأن الكلام قد تم، وأصبحت الجملة كلها تقريرية، أما الجزء الأول وهو جملة الشرط: إذا جئت، فهو كلام معلق؛ أي: لم يتم، ويتوقف تمامه على الجواب، وقد يشار إلى ذلك بالنغمة الصاعدة في الرسم ويستدل على ذلك في الكتابة العادية بوضع فاصلة بعده.

وهناك متنوعات قد تظهره النغمتان الصاعدة والهابطة معًا في منطوق واحد؛ وذلك كما تقول مثلًا: واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة. عند العد المستمر الذي يشعر بارتباط السابق باللاحق، ثم الانتهاء عند العدد أربعة، فالنغمات الجزئية الداخلية صاعدة عند نهاية الأعداد الثلاثة، أي: الأعداد الثلاثة الأولى واحد اثنين ثلاثة؛ لعدم تمام الكلام ولتعلقها بما بعدها في حين كانت هابطة في النهاية لانتهاء الكلام، وقد أشير إلى ذلك في الكتابة العادية بالفواصل دليل على عدم تمام الكلام، وبالنقطة في النهاية للدلالة على تمام المنطوق مبنى ومعنى.

وهناك مثال آخر منوعًا: واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة خمسة. وبين كل واحد منهما واحد اثنين بينهما فاصلة، وكذلك بين ثلاثة وأربعة فاصلة، وبين اثنين وثلاثة فاصلة، فالنغمات الداخلية هابطة حتى العدد ثلاثة، ولكنها صاعدة في أربعة لتتعلق بالعدد الذي بعده وهو خمسة، حيث يشعر السامع بأن المتكلم سينتهي عند العدد التالي وهو خمسة، وجاءت النغمة هابطة في النهاية وذلك لتمام الكلام.

error: النص محمي !!