Top
Image Alt

التوثيق بالكتاب في نقل الأحاديث

  /  التوثيق بالكتاب في نقل الأحاديث

التوثيق بالكتاب في نقل الأحاديث

والذي يهمنا هنا أن نؤكد عليه هو التوثيق بالكتاب في نقل الأحاديث في مناهج التلقي؛ وخاصة السماع والقراءة على الشيخ، فمن صور السماع: إملاء الشيخ على التلاميذ من كتابه، وهذا أعلى صور السماع.

يقول هارون بن معروف -الذي توفي سنة مائتين وإحدى وثلاثين من الهجرة-: “قدم علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول من بكّر عليه، فسألته أن يملي علي شيئًا فأخذ الكتاب يملي” وإذا كان الشيخ يُملي فالتلميذ يُدوّن ما يمليه من الأحاديث، وقد كانوا يذكرون الإملاء؛ ليتميزَ الراوي عن أقرانه بالصحة والجودة في سماعه.

سأل عبد الله بن أحمد بن حنبل أباه عن شُعيب بن أبي حمزة: كيف سماعه من الزهري؟ أليس هو عرض؟ قال: لا، حديثه يشبه حديث الإملاء، هو أصح حديثًا عن الزهري من يُونس، نظرت في كتب شعيب أخرجها إليَّ ابنُه، فإذا بها من الحسن والصحة والشكل ونحو هذا، وكان بعض التلاميذ يأبَى إلا أن يُملي عليه الشيخ؛ ليحوزَ هذه الدرجة العليا من الإتقان.

لَمَّا قدم ابن جُريج البصرة قام معاذ، فشغب وقال: لا نكتب إلا إملاءً، وسأل عبدُ الله بن أحمد بن حنبل أباه: نكتب إملاء؟ قال له أبوه: اكتبوا إملاء.

ويقول عفان وهو من أئمة الحديث، وتُوفي سنة مائتين وتسع عشرة: ما رضينا من أحد إلا بالإملاء إلا شَريكًا، وكان عفان هذا يحض أصحاب الحديث على الضبط والتقييد إذا أخذوا عنه، وكان يقول لحماد بن سلمة: لا نكتب إلا إملاءً، ويقول: ما رضينا من أحد إلا بالإملاء.

وإذا كانت الكتابة من أهم وسائل التوثيق، وإذا كان السماع مع الإملاء هما الجديران بنقل الحديث نقلًا موثَّقًا عند نُقاد الحديث، فإن مما يزيدنا اطمئنانًا أن كثرة من الأحاديث نُقلت على هذا الوجه؛ لأنهم كانوا لا يعتبرون المحدِّث جديرًا بهذا اللقب إلا إذا كتب أحاديث كثيرة.

يقول أبو بكر بن أبي شيبة: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يعد صاحب حديث.

وبالنسبة إلى حالات السماع عمومًا فقد استقرت عادة المحدِّثين على أن يكتب التلميذ حديثَ الشيخ من أصوله، أو من كتب تلاميذه أو أقرانه الذين سمعوا منه أو قرءوا عليه، ثم يأتي فيسمعه منه، يقول بعضهم: كنت آتي عبد الله بن عثمان يعني صاحب شعبة، فأكتب حديث شعبة، ثم آتي شعبة فأسأله فيحدثني.

وقد تلازم السماع والكتابة تلازمًا قويًّا، ونؤكد على هذا؛ لأن هذا من صميم مناهج المحدثين التي نشأت مبكرةً وصار عليها المحدثون فيما بعد ذلك، ولم يُلتفت إليها حتى تكون ردًّا قويًّا على مَن قالوا: إن هناك تحريفاتٍ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقول: قد تلازم السماع والكتابة تلازمًا قويًّا حتى يُعبَّر بأحدهما عن الآخر، فكثيرًا ما كانوا يطلقون أحدهما على الآخر.

سئل الأوزاعي عن الغلام يكتب الحديث قبل أن يبلغ الحد الذي تجري عليه فيه الأحكام؟ يعني: حتى يبلُغ سن الحلم أو سن التكليف، ويفهم الأوزاعي أن المقصود بكتابة الحديث هنا “السماع”؛ ولهذا يُجيب: إذا ضبط الإملاء جاز سماعه وإن كان دون العشر.

وقد فهم ابن خلاد الرامهرمزي صاحب كتاب (المحدث الفاصل) وهو الكتاب الذي يعتبر من أوائل ما أُلف في مصطلح الحديث، يقول: إن ابن عيينة أخبر أنه كتب عن الزهري وهو ابن خمس عشرة سنة، والحقيقة أن العبارة التي أشار إليها تقول: إن سفيان قال: سمعت منه -أي: الزهري- وأنا ابن خمس عشرة سنة، ولم يذكر الكتابة. فهما متلازمان ويعبر بأحدهما عن الآخر.

وقد عبّر الإمام أحمد عن الكتابة بالسماع، فقال في عبد الرحمن بن عبد الله العمري: ليس بشيء، وقد سمعت أنا منه ثم مزقته يعني: سمعت وكتبت، أو كتبت ثم مزقت؛ لأن مجرد السماع لا يمزق، ومعلوم أنه يريد أن يقول: كتبت عنه وسمعت، ولكنه اكتفى بأن يقول: سمعت منه؛ لتلازم الاثنين الكتابة والسماع بالأذن.

وقد كان بعض الأئمة يحرص على أن يقرأ الشيخ من كُتبه حتى تكون أحاديثه موثّقة؛ مرّ عبد الله بن المبارك سنة ثمان وستين على محمد بن جابر وهو يحدّث بمكة، فقال له: حدِّث يا شيخ من كتبك.

ويحرص بعض الشيوخ على أن يعين بعض تلاميذه على الكتابة عند الإملاء، يقول الحسن بن عرفة: كنت آتي وكيعًا وكان يملي من حفظه وكنت بطيء الكتابة، فيأخذ يدي في يده ويقول: هات، فكتب لي.

فالسماع في حقيقة الأمر إنما هو وسيلة للحصول على كتاب صحيح يدون فيه الحديث تدوينًا موثقًا، ويبقى هذا الكتاب يسند الذاكرة في أداء الحديث:{ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282] فيتعاونان معًا على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإذا ما تركنا السماع إلى العرض وجدنا الأمر واضحًا؛ لأن التلميذ يقرأ من كتاب قد أعده قبل أن يجلس مع الشيخ ليقرأ عليه، وما عملية القراءة إلا لتصحيح الأخطاء التي قد تكون واقعة أثناء النقل، وللاطمئنان إلى أن الأحاديث التي نُقلت إنما هي أحاديث الشيخ، لم يُروَ فيها بزيادة ولا نقص، فالعرض إذن أو القراءة على الشيخ إنما هو وسيلة لتصحيح الكتاب ونطقه سليمًا كما هو الحال في معظم السماع.

أما المناولة والمكاتبة وغيرُها، فإنها تعتمد على الكتاب اعتمادًا كبيرًا وكليًّا في بعضها، كالمناولة والمكاتبة والوصية، وقد وضعت الشروط التي تجعل الكتاب فيها صحيحًا موثّقًا، وصحة الكتاب كانت وصحة الكاتب كانت تغفر للراوي سوء تلقيه للحديث؛ لأنّه كفيل بتوثيقه؛ قال الإمام أحمد وقد وثق راويًا فقيل له: إنه قد كان يسيء الأخذ، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا، وكان للكتاب دور آخر هو ضبط المرويات وحفظها، وهذا ما سنبينه فيما يلي، ونُعنى به؛ لأنه كان حاكمًا على المنهج متحكِّمًا فيه؛ ليؤدي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أداء موثقًا.

error: النص محمي !!