Top
Image Alt

التوسع في دلالات الألفاظ

  /  التوسع في دلالات الألفاظ

التوسع في دلالات الألفاظ

لقد رأى ابن فارس تغيرًا في اللغة -نوع تغير- وربطه بالتوقيف, ورأى أن اللغة لم تنشأ مرةً واحدةً، وإنما بدأت على قدر احتياج آدم، ثم زادت شيئًا فشيئًا بوساطة عرب الأنبياء، ثم اكتملت بنبوة محمد صلى الله عليه  وسلم, منكرًا أن يحدث التغير عن طريق تأثر العربية بغيرها من اللغات, مؤكدًا سعة العربية وفضلها وتميزها عن غيرها، وقد رأى أن السبب الوحيد لانتقال العربية من حال إلى أخرى، وتغير بعض ألفاظها من حال إلى أخرى عن طريق الإلهام أيضًا والوحي هو ظهور الإسلام؛ حيث نقل العرب في زمن قريب -بتوفيق الله- عما ألفوه ونشئوا عليه وغذوا به, إلى حال أخرى وصلت إلى درجة كبيرة من الرقيّ العلميّ.

في ضوء هذه النظرة المحدودة لتغير بعض ألفاظ العربية, نتساءل: هل لهذا التطور مظاهر؟

نعم، من مظاهر هذا التطور: التوسع في دلالات بعض الألفاظ باكتسابها معاني جديدة إلى جانب معانيها القديمة, وقد عده ابن فارس مظهرًا من مظاهر تطور بعض الألفاظ في العربية, وذلك بانتقال هذه الألفاظ من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي، وقد مثّل لذلك بأمثلة عديدة مثّل بالمؤمن والمسلم والكافر والمنافق، مثّل بالصلاة، مثّل بالسجود مثّل بالصيام مثّل بالحج مثّل بالزكاة، وقد لفت النظر إلى أن هذه الألفاظ كانت لها دلالة، ثم اختلفت تلك الدلالة عما آلت إليه في الإسلام؛ لذلك صار لها معنيان: أحدهما لغوي والآخر اصطلاحي.

وقد فتح لنا ابن فارس الباب على مصراعيه لنتدبر هذا الأمر, فنرى ألفاظًا سياسية وإدارية لها دلالات جديدة نحو: الخلافة والوزارة والولاية والدولة والحكومة والوظيفة والحجابة والسكة والتوقيع والشرطة والجباية، ونرى ألفاظًا علمية صارت مصطلحات لها دلالات جديدة، ففي مجال دراسة اللغة نرى: النحو والصرف والفاعل والمفعول والرفع والنصب والجزم والاستعارة والمجاز، وفي مجال العروض نرى: المديد والخفيف والطويل إلى آخره, وفي الفقه نرى: الشفعة والإيلاء والعتق والنكاح، وفي علم الكلام نرى: الذات والصفات والقِدم والحدوث إلى آخره, وفي مجال التفسير والحديث نرى: المأثور والمنقول والتأويل والمتواتر والمرسل والمنقطع إلى آخره, وفي فنون الطب نرى: الجراحة والتشريح والرطوبة إلى آخره, وفي الفلك والرياضة نرى: الرصد والتعديل والقوس والوتر إلى آخره.

وكل هذه الألفاظ وغيرها, قد قضت حياة العرب الجديدة في ظل الإسلام أن توسع من معانيها، حقًّا إنها ألفاظ قديمة، لكنهم قد عبروا بها عن دلالات جديدة لم يكن لهم بها إلف من قبل، وقد تنوعت هذه الألفاظ ما بين ألفاظ دينية وسياسية وإدارية وعلمية إلى آخر المجالات التي فتح الله بها على هؤلاء العرب.

ولقد مثل ابن فارس بأبيات شعرية عدة تضمنت ألفاظًا اتسعت دلالتها بفضل الإسلام، ومما ذكره من الشعراء حميد بن ثور حيث جاء السجود في شعره بالمعنى القديم وهو طأطأة الرأس, حيث يقال: أسجد الرجل, أي: طأطأ رأسه وانحنى, ويقال: أسجدت الناقة؛ طأطأت رأسها وانحنت, وذكر بيته:

فضول أزمتها أسجدت

*سجود النصارى لأربابها

ولقد تخصص معنى السجود في الإسلام, فأصبح يطلق -كما قال ابن فارس- على ما أتت به الشريعة من الأعداد والمواقيت والتحريم للصلاة والتحليل منها، وهذه الدلالة الإسلامية الخاصة وقعت أيضًا في شعر حميد؛ حيث وقف بين يدي النبي صلى الله عليه  وسلم مسلمًا قائلًا:

فلم نكذب وخررنا سجدا

*نعطي الزكاة ونقيم المسجدا

إذن: ورد السجود في شعر له قبل إسلامه بمعنى: الانحناء وطأطأة الرأس، ثم ورد اللفظ نفسه بعد إسلامه بالدلالة الإسلامية الخاصة.

وعن الزكاة فإننا نرى تغيرًا في دلالاتها، حيث كان لفظ الزكاة يدل قبل الإسلام على معنى عام وهو النماء، وبمجيء الإسلام تخصص معناه فأصبح يدل على إخراج جزء من المال وفق ما فصله الفقهاء للمساكين؛ لأنه تطهير للمال وتثمير وإصلاح ونماء، وهذا قول ابن فارس عن الزكاة, فلم تكن العرب تعرفها إلا من ناحية النماء، وزاد الشرع ما زاده فيها، قال حميد بن ثور:

فلم نكذب وخررنا سجدا

*نعطي الزكاة ونقيم المسجدا

وعن الإمارة, قد كان الأمير يطلق قبل الإسلام على كل من يتولى أمرًا، ثم بمجيء الإسلام أصبح يدل على من يتولى أمر المسلمين، قال حميد:

ردك مروان لا تفسخ إمارته

*ففيك راع لها ما عشت صرصور

وعن التوبة وما يتعلق بها, كانت التوبة تدل على مطلق الرجوع، ثم أصبحت بمجيء الإسلام تدل على الرجوع إلى الله عن الذنب، وورد من التوبة في شعر حميد لفظ نتوب, قال:

فلا يبعد الله الشباب وقولنا

*إذا ما صبونا صبوة سنتوب

وإذا كان التغير في ألفاظ هذا الصنف قد انتقل من العموم إلى الخصوص، فإننا نرى ألفاظًا أخرى قد توسع في دلالاتها باكتسابها معاني جديدة إلى جانب معانيها القديمة, عن طريق انتقالها من معنًى خاص قديم إلى معنى آخر عام جديد.

وفي أمثلة ذلك يقول ابن فارس: “كان الأصمعي يقول: أصل الورد إتيان الماء، ثم صار إتيان كل شيء وردًا، والقرب طلب الماء، ثم صار يقال ذلك لكل طلب, فيقال: هو يقرب كذا أي: يطلبه، ولا تقرب كذا”.

error: النص محمي !!