Top
Image Alt

التيمم وأحكامه

  /  التيمم وأحكامه

التيمم وأحكامه

أولًا: حُكم التّيمُّم، ومن يجوز له:

يتضمّن كتاب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” لابن رشد، كتاب التّيمم، ويحتوي على سبعة أبواب عقدها ابن رشد في كتابه نتناول الباب الأول والباب الثاني منها؛ حيث قال ابن رشد:

“إن أحكام التيمم والقول المحيط بأصوله يشتمل على هذه الأبواب السبعة”.

وقد ذكرنا أنّ الطهارة تتنوع إلى نوعيْن:

النوع الأول: طهارة من الحدث الأصغر.

النوع الثاني: طهارة من الحدث الأكبر.

أمّا الطهارة من الحدث الأصغر فتكون بالوضوء، وأما الطهارة من الحدث الأكبر فتكون بالغسل.

وهناك طهارة بديلة عن الوضوء وعن الغسل حين لا يتيسّر الماء، أو حين يتعذر استعمال الماء لأي سبب من الأسباب الشرعية التي سوف نشير إليها في خلال الحديث عن أحكام كتاب التيمم.

والتيمم: هو الطهارة البديلة عن الوضوء من الحدث الأصغر، وعن الغسل من الحدث الأكبر.

معنى “التيمم” وحُكمه:

التيمم لغةً:

هو القصد؛ فمعنى قول الله تبارك وتعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]، أي: اقصدوا ترابًا طاهرًا. فتيمّموا، أي: اقصدوا.

وفي قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267]، أي: لا تقصدوا الأموال الخبيثة لتنفقوا منها، ولكن اقصدوا الطيب من الأموال ليكون محلًّا للنفقة.

إذًا؛ يكون معنى قول الله تعالى: { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}، أي: اقصدوه.

التيمم شرعًا:

فقد نقل التيمم في عرف الفقهاء من هذا المعنى اللغوي: القصد، إلى عبارة عن: مسح الوجه واليديْن بشيء من الصعيد الطاهر، أي: من التراب الطاهر أو نحوه.

أمّا حكمه الشرعي: فهو جائز بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع:

أمّا الكتاب: فقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].

وأما السُّنّة: فحديث عمار وغيره…

وأمّا الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة.

يقول ابن رشد: “والقول المحيط بأصول هذا الكتاب يشتمل بالجملة على سبعة أبواب”:

الباب الأول: معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها:

أي: هل التيمم بدل عن الوضوء؟ أو بدل عن الغسل؟ أو بدل عنهما؟:

يقول ابن رشد: اتفق العلماء على أن هذه الطهارة -أي: التيمم- هي بدل من الطهارة الصغرى: والطهارة الصغرى -كما عرفنا- هي: الوضوء؛ لأنه يكون من الحدث الأصغر.

واختلفوا في الكبرى -أي: في الجنابة، أو الحيض والنفاس، وهي: الأمور التي تتطلب الغسل- هل يكون التيمم بديلًا أيضًا عنها، أو لا يكون بديلًا عنها؟:

يروي ابن رشد اختلاف الصحابة ومن بعْدهم الفقهاء في هذه القضية، فيقول:

اختلفوا في الكبرى: فروي عن عمر وابن مسعود أنهما كانا لا يريانها -أي: لا يريان التيمم- بدلًا من الكبرى -أي: من الغسل-. وقد قال القرطبي في “تفسيره”: إنهما رجعا عن ذلك. وكان علي وغيره من الصحابة رضي الله عنهم  يرون أن التيمم يكون بدلًا من الطهارة الكبرى، أي: بدلًا عن الغسل كما هو بدل أيضًا عن الوضوء. وبه قال عامة الفقهاء -أي: جمهور الفقهاء وغالبيتهم-.

وإذا كان عمر وابن مسعود رضي الله عنهما قد رجعا عن قولهما -كما قال القرطبي- يكون التيمم بديلًا عن الغسل بالإجماع، ما دام الصحابة متفقين على ذلك، والفقهاء متفقين على ذلك؛ لا عن الوضوء فقط.

الباب الثاني: مَن تجوز له هذه الطهارة:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: وأما من تجوز له هذه الطهارة؟ فأجمع العلماء أنها تجوز لاثنيْن: للمريض وللمسافر إذا عدِما الماء. واختلفوا في أربعة: المريض يجد الماء ويخاف من استعماله، والحاضر يعدم الماء، والصحيح المسافر يجد الماء فيمنعه من الوصول إليه خوف، وفي الذي يخاف من استعماله من شدة البرد.

هناك ستّة أحوال لمن يمكن له أن يتيمم:

اثنان اتفق الفقهاء وأجمعوا عليهما وهما:

أولًا: المريض.

ثانيًا: المسافر إذا عدِم كل منهما الماء.

أما الأربعة الآخرون، فهم:

أولًا: المريض الذي يجد الماء ولكن يخاف من استعماله، أن يزداد مرضُه، أو يطول شفاؤه، أو يتأخّر.

ثانيًا: الحاضر الذي يعدَم الماء: إنسان مقيم والماء عُدِم لأي سبب من الأسباب، وليس عنده ماء.

ثالثًا: الشخص الصحيح المسافر يجد الماء، لكن يمنعه من الوصول إليه خوف من فوات الرفقة، أو من وجود سباع عند البئر الذي يوجد فيه الماء، أو غلوّ الثمن أو السعر، أو ضياع أمتعته الشخصية، أو غير ذلك من الأسباب التي توجد عند الشخص بالرغم من وجود الماء.

رابعًا: الشخص الذي يخاف من استعماله بسبب شدة البرد؛ فهو صحيح، والماء موجود، ولكنه يخشى من استخدام الماء البارد أن يلقي بنفسه إلى التهلكة. فمشكلته هي الخوف من استعماله من شدّة البرد، وليس له طاقة لتسخينه أو القدرة على استعماله.

بعد هذا التقسيم والحصر، يقول ابن رشد:

فأما المريض الذي يجد الماء ويخاف من استعماله؛ فقال الجمهور: يجوز التيمم له، وكذلك الصحيح الذي يخاف الهلاك أو المرض الشديد من برد الماء، وكذلك الذي يخاف من الخروج إلى الماء من السِّباع أو غيرها.

وجمهور العلماء على إجازة التيمم في هذه الأحوال الأربعة، إلَّا أنّ معظمهم أوجب على هؤلاء الإعادة إذا وُجد الماء: وقال عطاء: لا يتيمم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء. يعني: إذا وجد الماء بطَل التيمم. فما دام الماء موجودًا فلا المريض ولا غير المريض أن يذهب إلى التيمم ويترك استخدام الماء.

وأما الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء، فذهب مالك، والشافعي، وأحمد -أي: الجمهور- إلى جواز التيمم له -كما قلنا في الثلاثة الآخَرين-.

وقال أبو حنيفة: لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح وإن عدِم الماء. لكن هذا الكلام خلاف ما في كتاب (اللباب في شرح الكتاب) للغُنيمي، وفي هذا يقول ابن قدامة -رحمه الله- : ويتيمم في قصير السفر وطويله -طويل السفر: ما يُبيح القصر، والفطر في رمضان. وقصيره: ما دون ذلك، مما لا يُباح فيه القصْر ولا الفِطر- فيتيمم في الحاليْن ممّا يقع عليه اسم سفر، مثل: أن يكون بين قريتيْن متقاربتيْن أو متباعدتيْن، حتى قال القاضي: لو خرج إلى ضيعة له ففارق البنيان والمنازل ولو بخمسين خطوة، جاز له التيمم والصلاة على الراحلة، وأكل الميتة للضرورة. فيباح له التيمم فيهما جميعًا. وهذا قول مالك والشافعي. وقد قيل: لا يباح التيمم إلا في السفر الطويل، وقول الله عز وجل: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا} يدل بمُطلقه على إباحة التيمم في كلّ سفر؛ ولأن السفر القصير يكثر، فيكثر عدم الماء فيه، فيحتاج إلى التيمم فيه، فينبغي أن يسقط به الفرض كالطويل.

ثم يقول: لا فرق بين سفر الطاعة وسفر المعصية؛ لأن التيمم عزيمة -يعني: فريضة- فلا يجوز ترْكه، بخلاف بقية الرخص؛ ولأنه حُكم لا يختص بالسفر، فأبيح في سفر المعصية، كمسح يوم وليلة للمقيم. ثم يقول: فإن عدِم الماء في الحضر، بأن انقطع الماء عنه، أو حُبس في مصر -مصر هنا بمعنى: أي بلد من الأمصار، وليست دولة مصر المعروفة- فعليه التيمم والصلاة. وهذا قول مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي. وقال أبو حنيفة في رواية عنه: لا يصلي لأن الله تعالى شرط السفر لجواز التيمم، فلا يجوز لغيره. وقد روي عن أحمد أنه سئل عن رجل حُبس في دار، وأغلق عليه الباب بمنزل المضيف، أيتيمّم؟ قال: لا. يجيب ابن قدامة ويحتج فيقول: ولنا ما روى أبو ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ الصعيد الطّيِّب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشْر سِنين))، من غير أن يحدّد مسافرًا أو مريضًا أو مقيمًا أو غير ذلك… ((فإذا وجد الماء فليمسّه بشرتَه؛ فإنّ ذلك خير)). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، فيدخل تحت عمومه محلّ النزاع.

أي: الصحيح الذي عدِم الماء، أو المقيم الذي عدِم الماء، أو المسافر سفرًا قصيرًا لا يبيح القصْر ولا الإفطار، كل هؤلاء يدخلون أيضًا، سفر الطاعة أو سفر المعصية، فيدخل تحت عمومه محلّ النزاع؛ ولأنه عادم للماء فأشبه المسافر. والآية يحتمل أن يكون ذكْر السفر فيها خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أنّ الماء إنما يُعدم في السفر -كما ذُكر- وعدم وجود الكاتب في الرهن وليس شرطيْن فيه، ولو كان حجة فالمنطوق مقدّم عليه. على أن أبا حنيفة لا يرى دليل الخطاب حجّة، والآية وإنما يحتج بدليل خطابها. فعلى هذا، إذا تيمّم في الحضر وصلّى، ثم قدَر على الماء فهل يعيد؟:

هناك روايتان:

الأولى: يُعيد، وهو مذهب الشافعي؛ لأن هذا عذر نادر فلا يسقط به القضاء، كالحيض في الصوم.

الثانية: لا يعيد، وهو مذهب مالك.

الباب الثالث: شروط التّيمّم:

ويتحدث الباب الثالث عن شروط التيمم، أما الباب الرابع فيتحدث عن صفته، وتحت كل باب من هذيْن البابيْن ثلاث مسائل عن النية، وطلب الماء، ودخول الوقت، وحدود مسح اليديْن، وعدد الضربات التي يمسح بها أو يتيمم بها، وكيفية إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، ونحو ذلك… كما سيتبيّن ذلك من التالي:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: الباب الثالث: في معرفة شروط جواز هذه الطهارة. وأمّا معرفة شروط هذه الطهارة فيتعلق بها ثلاث مسائل قواعد:

تلك مسائل ثلاث أراد ابن رشد أن يتحدث عنها تحت هذا الباب: معرفة شروط جواز هذه الطهارة. واعتبر هذه المسائل الثلاث قواعد لهذه القضية:

المسألة الأولى: النِّية، هل هي شرط في التّيمّم أو لا؟:

النية -كما نعلم-: محلّها القلب. والنِّيّة هي: القصد، وهي: العزم، وهي: قوة الإرادة على التوجه إلى فعل معيّن. وتسمَّى أيضًا: الإخلاص. { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البيِّنة: 5]. وقد علمنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيها: ((إنما الأعمال بالنِّيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)).

ومن هنا، وضع الفقهاء قاعدة كبرى من قواعد الشريعة، وقواعد الفقه الإسلامي: قاعدة تسمَّى: “الأمور بمقاصدها”. وأضاف إليها الفقهاء الأحناف: “لا عمل بلا نيّة” استنادًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنِّيات)). ومن هنا فإننا نجد جمهور الفقهاء يشترط النية في جميع هذه العبادات: الوضوء، الغسل، التيمم. يقول ابن رشد: أما المسألة الأولى، فالجمهور على أنّ النية فيها -أي: في طهارة التيمم- شرط لكونها -أي: طهارة التيمم- عبادة غير معقولة المعنى.

” غير معقولة المعنى” يعني: تعبّديَّة لا نعلم الحكمة منها، وبالتالي لا يجوز لنا أن نستخدم القياس فيها أو غير ذلك من الأمور. هذا معنى قوله: “عبادة غير معقولة المعنى”، أي: تعبّديّة، أمَرنا الله بذلك، وعلينا أن نقول: سمعنا وأطعنا. وشذّ زفر -من أصحاب أبي حنيفة- فقال: إن النية ليست بشرط في هذه الطهارة -أي: في التيمم- وأن هذه الطهارة -أي: التيمم- لا تحتاج إلى نية. مثل هذا الكلام الذي وجدناه عند زفر من أصحاب أبي حنيفة، روي أيضًا عن الأوزاعي إمام أهل الشام، وعن الحسن بن حي؛ وهو قول ضعيف؛ ولذلك وصفه ابن رشد -رحمه الله- بالشذوذ.

المسألة الثانية: طلب الماء:

هل يجب على المتيمّم أن يطلب الماء قبل أن يتيمّم؟ أم بمجرد انقطاعه، أو عدم وجوده، أو دخول وقت الصلاة، له أن يتيمم ويصلّي، سواء طلب الماء أم لم يطلبه؟

يقول ابن رشد: “وأما المسألة الثانية، فإن مالكًا  رضي الله عنه اشترط الطلب، وكذلك الشافعي، وكذلك الإمام أحمد”.

إذًا هناك ثلاثة من الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، هذا هو جمهور الفقهاء. ولم يشترطه أبو حنيفة، ولكنه قال: إذا لم يغلب على ظنّه وجود الماء، لكن إذا غلب على ظنّه وجود الماء، يكون طلب الماء شرطًا كسائر الأئمة.

إذا نظرنا إلى ما قاله ابن قدامة في هذا المقام، وهو أكثر تفصيلًا من هذا الكلام الذي ذكره ابن رشد -رحمه الله-  نجد ابن قدامة يقول:

“الشرط الثاني: طلب الماء”:

لأنه ذكَر شروطًا أخرى لصحة التيمم، أحدها: دخول وقت الصلاة- وهذا محلّ الشاهد الذي نسعى إليه، والذي نطلب بيانه، وهذا الشرط، وإعواز الماء إنما يشترط لمن يتيمم لعذر عدم الماء.

إذًا، اشتراط طلب الماء وإعواز الماء يشترط لمَن يتيمم لعذر عدم الماء. والمشهور عن أحمد: اشتراط طلب الماء لصحة التيمم، وهو مذهب الشافعي. وكما رأينا أيضًا هو مذهب الإمام مالك.

إذًا هو مذهب جمهور الأئمة. وروي عن أحمد في رواية أخرى ولكنها ضعيفة: لا يشترط الطلب. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لقوله عليه السلام: ((التراب كافيك ما لم تجد الماء))؛ ولأنه غير عالِم بوجود الماء قريبًا منه، فأشبه ما لو طلب فلم يجِدْ.

ولنا -أي: في وجوب الطلب واشتراطه، وهي الرواية الصحيحة عن أحمد- قوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]، ولا يثبت أنه غير واجد للماء إلَّا بعد الطلب، لجواز أن يكون بقُربه ماء لا يعلَمه؛ ولذلك لما أمر في الظهار بتحرير رقبة قال: { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: 4]، لم يبح له الصيام حتى يطلب الرقبة، ولم يُعدّ قبل ذلك غير واجد؛ ولأنه سبب للصلاة مختص بها -أي: الماء- فلزِمَه الاجتهاد في طلبه عند الإعواز كالقِبلة. يعني: كما يجتهد الإنسان في تحرّي القِبلة أو في ستر العورة، فكذلك ينبغي له بل يجب عليه أن يجتهد في طلب الماء؛ لأنه من شروط صحة الصلاة.

كيف يطلب الماء؟

يقول ابن قدامة -وهذه من الإضافات الطيّبة-: “وصفة الطلب: أن يطلبه في رحْله -يعني: يسأل جيرانه وأصحابه ورفقاءه-. ثم إن رأى خضرة -يعني: مكانًا فيه خضرة ونباتات، يكون ذلك دليلًا على أن في هذا المكان ماء، بدليل وجود النباتات- أو شيئًا يدل على الماء قصده فاستبرأه -يعني: تحقق منه- وإن كان بقربه ربوة -مكان مرتفع شيئًا ما- أو شيء قائم أتاه وطلب عنده -يعني: يصعد الربوة وينظر ذات اليمين وذات اليسار، وإن لم يكن لا هذا ولا ذاك نظر أمامه ووراءه، وعن يمينه وعن يساره، وإن كانت له رفقه يُدِلُّ عليهم -يعني: كانت له حظوة أو مكانة- طلب منهم؛ لأنهم حينئذٍ لا يتأخرون عنه بحُكم منزلته ومكانته عندهم. وإن وجد من له خبرة بالمكان، سأله عن مياهه -يعني: المياه الموجودة في هذا المكان-. فإن لم يجد فهو عادم للماء. وإن دُلّ على مكان، لزِمه قصْده إن كان قريبًا، ما لم يخَف على نفسه أو ماله، أو يخشى فوات رفقته، ولم يفت الوقت. وهذا مذهب الشافعي. فإن طلب الماء قبل الوقت، فعليه إعادة الطلب بعده -قاله ابن عقيل-؛ لأنه طلب قبل المخاطبة بالتيمم، فلم يسقط فرضه، كالشفيع إذا طلب الشفعة قبل البيع. وإن طلب بعد الوقت ولم يتيمّم عقبه، جاز التيمم بعد ذلك من غير تجديد طلَب.

الشرط الثالث: إعواز الماء بعد الطلب:

ولا خلاف في اشتراطه؛ لأن الله تعالى قال: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}، وقال صلى الله عليه وسلم: ((التراب كافيك ما لم تجد الماء)) فاشترط ألا يجد الماء؛ ولأن التيمم طهارة ضرورة ولا يرفع الحدث، فلا يجوز إلا عند الضرورة. ومع وجود الماء لا تكون هناك ضرورة.

بعد هذا البيان الواضح، الشافي الكافي، في مسألة طلب الماء قبل التيمم، واشتراطه عند جمهور الأئمة، وعدم اشتراطه عند أبي حنيفة.

المسألة الثالثة: دخول الوقت:

يقول فيها ابن رشد: “وأما المسألة الثالثة، وهي: اشتراط دخول الوقت:

فمنهم: -أي: من الفقهاء- مَن اشترطه: وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد -أي: الجمهور-.

ومنهم: من لم يشترطه: وبه قال أبو حنيفة، وأهل الظاهر، وابن شعبان من أصحاب مالك”.

الباب الرابع: في صفة هذه الطهارة :

المسألة الأولى: حدُّ مسْح اليديْن:

يقول ابن رشد في الباب الرابع في صفة هذه الطهارة: وأما صفة هذه الطهارة، فيتعلق بها ثلاث مسائل هي قواعد هذا الباب أيضًا، كما مر في الباب الثالث والبابيْن قبْله.

فالله تعالى يقول: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]. فما هو حدّ مسح اليديْن؟ يقول: اختلف الفقهاء في حدّ الأيدي التي أمر بمسحها في التيمم في قوله: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} على أربعة أقوال:

القول الأول: أنّ الحدّ الواجب في ذلك هو الحدّ الواجب بعينه في الوضوء، وهو: إلى المرافق، كما قال تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}. يكون المسح هنا أيضًا في التيمم إلى المرافق، وهو مشهور المذهب المالكي. وبه قال فقهاء الأمصار، وعليه أبو حنيفة والشافعي.

القول الثاني: أنّ الفرض هو: مسْح الكف فقط -يعني: الكفّيْن- وبه قال أهل الظاهر وأهل الحديث.

القول الثالث: الاستحباب إلى المرفقيْن. يعني: يكون المسح على الكفّيْن، لكن يستحب أن يتجاوز ذلك إلى المرفقيْن، والفرْض: الكفان. وهو مروي عن مالك، كما في (الشرح الصغير) للدردير. وعليه أيضًا الإمام أحمد رضي الله عنه.

القول الرابع: أن الفرض: إلى المناكب -يعني: اليد كلها إلى نهايتها عند الرقبة- وهو شاذ روي عن الزهري ومحمد بن مسلمة.

المسألة الثانية: عدد ضربات التيمم:

بالنسبة لعدد ضربات التيمم المطلوبة، يقول ابن رشد: اختلف العلماء في عدد الضربات على الصعيد -أي: التراب الطاهر- للتيمم:

فمنهم من قال: ضربة واحدة، وهو قول مالك في أشهر روايتيْه، وأحمد.

ومنهم من قال: ضربتيْن اثنتيْن، والذين قالوا اثنتيْن قالوا: ضربة للوجه، وضربة لليديْن، وهم الجمهور. ويعني ابن رشد كما يبيّن يقول: إذا قلت: الجمهور، فالفقهاء الثلاثة معدودون فيهم، أعني: مالكًا، والشافعي، وأبا حنيفة.

ومنهم من قال: ضربتيْن لكل واحد منهما، يعني: ضربتان للوجه، وضربتان لليديْن: 

المسألة الثالثة: إيصال التّراب إلى أعضاء التّيمّم:

يقول ابن رشد: المسألة الثالثة: إيصال التراب إلى أعضاء التّيمّم. هل لا بد من توصيل التراب إلى العضويْن: الوجه واليديْن؟ أو يكفي مجرّد المسح، سواء وصل التراب أم لم يصل؟ يقول: اختلف الشافعي مع مالك وأبي حنيفة وغيرهما في وجوب توصيل التراب إلى أعضاء التيمم.

  • فلم ير ذلك أبو حنيفة واجبًا، ولا مالك.
  • ورأى ذلك الشافعي وأحمد واجبًا.

الباب الخامس: فيما تُصنع به طهارة التّيمّم:

بماذا نتيمّم؟ هل نتيمّم بالتراب فقط؟ أو نتيمّم بأي غبار؟ أو نتيمّم بالحجارة الملساء والصخور والحصى؟ بماذا نتيمّم؟

يقول ابن رشد: وفيه مسألة واحدة، وذلك أنهم -أي: الفقهاء- اتفقوا على جوازها -جواز طهارة التيمم بتراب الحرث -تراب الحراثة: تراب الزراعة: قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63، 64].

اتفق الفقهاء على جواز التيمم من هذا التراب بضربتيْن أو بضربة واحدة، للوجه والكفّيْن، كما سبق بيان ذلك.

واختلفوا في جواز فعْلها -فعل طهارة التيمم- بما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولّدة عنها، كالحجارة مثلًا، أو الحصى.

فذهب الشافعي إلى: أنه لا يجوز التيمم إلَّا بالتراب الخالص، أي: الحرث -كما أشرنا-.

وذهب مالك وأصحابه إلى: أنه يجوز التيمم بكلّ ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، كما قال تعالى: { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]؛ فكلّ ما صعد على وجه الأرض وكان من أجزائها يجوز التيمم به: الحصى، الرمل، التراب.

وزاد أبو حنيفة على ذلك، فقال: وبكل ما يتولد من الأرض من الحجارة، مثل: النوْرة، والزرنيخ، والجص -يعني: الجير- ونحو ذلك، والطين، والرخام. كل هذه الأنواع المتولّدة من الأرض يجوز الضرب عليها والتيمّم بها.

ومن هذا يتبيّن مدى تيسير الإسلام، ومرونة الفقه الإسلامي والتشريع الإسلامي كما أشرنا إلى ذلك في الدروس المتقدمة.

– ومنهم -من الفقهاء- مَن شرَط: أن يكون التراب على وجه الأرض، وهم الجمهور. وقال أحمد بن حنبل: لا يشترط ذلك، بل يجوز التيمم بغبار الثوب، واللّبد، يعني: الأشياء الصوفية، أو الملابس الثقيلة يضرب الإنسان عليها ويتيمّم من غبارها.

الباب السادس: نواقض طهارة التّيمّم:

يقول ابن رشد: وأمّا نواقض هذه الطهارة -أي: الطهارة بالتيمم- فإنهم اتفقوا على أنه ينقضها ما ينقض الأصل الذي هو الوضوء أو الطّهر، واختلفوا من ذلك في مسألتيْن:

المسألة الأولى: هل ينقضها إرادة صلاة أخرى مفروضة غير المفروضة التي تيمّم لها؟.

المسألة الثانية: هل ينقضها وجود الماء أم لا؟.

هاتان المسألتان خارجتان عن أحكام الوضوء، وعن أحكام الغسل.

وكنا قد عرفنا من قبْل: أن الذي ينقض الوضوء خمسة أشياء: ما خرج من الفرْج مثل: البول والغائط، والريح، والمذي، والودي -أي ما خرج من السبيليْن- ووجدنا اختلاف الفقهاء في النوم وفي لمْس المرأة، وفي مسّ الذَّكَر؛ تلك هي التي تنقض الوضوء. كما رأينا قول أبي حنيفة في نقض الوضوء أيضًا بالقهقهة والضحك، وهو شاذ في هذا القول. فهذه النواقض يضاف إليها في نقض التيمم: إرادة صلاة أخرى مفروضة غير المفروضة التي تيمّم لها. وقد سبق أن بيّنّا أنّ الوضوء يجوز أن يصلّي به الإنسان جميع الفرائض، فهل يجوز ذلك في التيمم؟ أو يصلي بالتيمم الواحد فريضة واحدة؟ المسألة الثانية: هل ينقض التيمم وجود الماء، أم لا ينقضه؟

الباب السابع: ما يُستباح من طهارة التّيمُّم، أو ما يشترط له:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: اتفق الجمهور على أن الأفعال التي هذه الطهارة شرْط في صحتها هي الأفعال نفسها التي كان الوضوء شرطًا في صحتها، وهي: 

الصلاة، فلا تصح الصلاة بدون وضوء؛ وبالتالي لا تصح بدون البديل عن الوضوء وهو التيمم، ومس المصحف، وغير ذلك من الطواف حول الكعبة، وقراءة القرآن الكريم، ودخول المسجد والمكث فيه، ونحو ذلك من الأمور التي أشرنا إليها من قبْل في الحديث عن الوضوء وعن الغسل…

قبل أن ننتهي إلى ما اختلف فيه الفقهاء من هذه القضية، ننظر فيما قاله ابن قدامة-رحمه الله-  في تعليقه على هذه الجزئية، وهي: الأفعال التي يُعتبر التيمم شرطاً في صحتها. يقول -رحمه الله-: يجوز التيمم لكلّ ما يُتطهّر له، من نافلة، أو مسّ مصحف، أو قراءة قرآن، أو سجود تلاوة، أو سجود شكر، أو لُبث في مسجد. قال أحمد: يتيمّم ويقرأ جُزءه -يعنيك الجُنب-، وبذلك قال عطاء، ومكحول، والزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري، ومالك، والشافعي والثوري، وأصحاب الرأي.

وقال أبو مخرمة -هذه وجهة نظر مخالفة-: لا يتيمّم إلَّا لمكتوبة، أي: لفريضة من فرائض الصلاة، حيث إنها ضرورة والقيام بها ضرورة، أما غيرها من الأعمال فلا يُعتبر ضرورة حتى يغتسل ويجد الماء، أو يتوضأ ويتطهر بالماء. وكره الأوزاعي أن يمسّ المتيمِّم المصحف -كأنه لم يعتدّ بأن التيمم طهارة بديلة.

والواقع: أن الله -تبارك وتعالى- قد أكّد ذلك في كتابه الكريم بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } [المائدة: 6].

فلو لم يكن التيمم طهارة كاملة، ونِعمة من نِعم الله -تبارك وتعالى- لما قال الله عز وجل ذلك في شأنه.

فيجوز للمتيمِّم أن يقوم بكل أفعال الخير التي كان يقوم بها وهو متوضئ أو وهو مغتسل.

error: النص محمي !!