Top
Image Alt

التّدوين في القرْن الثالث الهجري: تَطوّره، وأبرز مميّزاته

  /  التّدوين في القرْن الثالث الهجري: تَطوّره، وأبرز مميّزاته

التّدوين في القرْن الثالث الهجري: تَطوّره، وأبرز مميّزاته

أولًا: تَطوّر التّدوين في هذا القرْن الثالث الهجري:

يُعتبر هذا القرن عصْر ازدهار العلوم الإسلامية عامّة، وعلوم السُّنة النبوية خاصّة، بل يُعدُّ هذا القرن مِن أزهى عصور السُّنة النبوية، إذ نَشطَت فيه الرحلة لطلب العِلم ونشِط فيه التأليف في علْم الرجال، وتُوسّع في تدوين الحديث؛ فظهرت كتب المسانيد، والكتب السِّتّة -الصِّحاح والسُّنن- التي اعتمدتها الأمّة واعتبرتها دواوين الإسلام.

ثانيًا: أبرز مميزات هذا القرن:

قد برز في هذا العصْر كثير مِن الحُفّاظ والنُّقاد والعلماء الجَهابِذة مِن أمثال: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المَديني، ويحيى بن مَعين، ومحمد بن مسلم بن وارة، وأبو عبد الله البخاري، ومُسْلم بن الحجاج، وأبو زُرعة وأبو حَاتم الرازيان، وعثمان بن سعيد وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميان، وغيرهم كَثير ممّن كان على أيديهم تأسيس كثير من علوم الحديث عمومًا، وعلْم الجَرْح والتَّعْديل خصوصًا.

كما ظهر على أيدي هؤلاء الجهابذة الأعلام نوعٌ جديد مِن التأليف، وهو ما عُرف بكتب العقيدة، وكان التأليف في ذلك على نوعيْن:

النوع الأول: ما جَمع فيه مؤلِّفوه النصوص الواردة في العقيدة مِن الكتاب والسُّنة مع بيان منْهَج السَّلف -من الصحابة والتابعين- في فَهم النصوص، ومَوقفهم من أصحاب الأهواء، وكان أغلب هذا النوع بعنوان: “السُّنة” مثل: (السُّنة) لأحمد بن حنبل، و(السُّنة) لابنه عبد الله، و(السُّنة) لأبي نصر المروزي، وغيرها…

النوع الثاني: ما سَلك فيه مُؤلِّفوه مَسْلك الردِّ على المُبتدِعة أصحاب الأهواء، وذلك لهَتْك أستارهم، وفضْحِ أسرارهم، وتحْذير المسلمين منهم، وبيان خَطرهم على الأمّة.

وحيثُ بلغَ نشاطُ المُعْتزلة والجَهْمية ذُروتَه بتبنِّي الدولة العباسية في عصرِ كلٍّ من المأمون، والمعتصم، والواثق، لآرائهم وعقائِدهم، لذلك حَظيت هذه الفِرق بالنصيب الأكْبر من هذه الرُّدود؛ من ذلك: (الرَّد على الجَهمية) لأحمد بن حنبل، والدارمي أيضًا، و(الرَّد على بِشْر المريسي المعتزلي) للدارمي -أيضًا-، و(خَلْقُ أفعَال العِباد) للبخاري، وغيرها كَثير…

وكما كان لأتباع التابعين في القرْن الثاني جُهود رائِدة وعَظيمة في خِدمة السُّنة تدوينًا، وذبّ الكَذب عنها، وحمايتها من كلّ ما يشوبها جَرحًا وتعديلًا، كذلك كان لهذا الجيل -في القرن الثالث- جُهود جبَّارة وكَبيرة في سبيل خِدمة السُّنة، وقمْع ما يُخالفها من الأهواء والبِدع.

ولقد تُوِّجت تلك الجُهود في خِدمة السُّنة بتلك المؤلَّفات المختلفة مِن كُتب المتون -مسانيد وصحاح وسُنن-، وكتب الرجال المتنوّعة في موضوعاتها ومجالاتها، إلى كُتب العَقيدة التي كثُرت في هذا القرْن.

كما تُوِّجت تلك الجُهود أيضًا في مجال قمْع الأهواءِ والبِدع، ومحاربة أصحابها وكشْف أسرارهم، وتحذير الأمّة من شرِّهم، بتلك الوَقْفة الشامخة مِن إمام أهل السُّنة الصِّدِّيق الثاني: أبي عبد الله أحمد بن حنبل -رحمه الله-، في وجوه أهل التَّجهم والاعتزال الذين جمعوا عليه وألّبوا، فخَرج -رحمه الله- منتصرًا مؤيدًا من الله عز وجل.

وقُمعت -بإذن الله- البِدعة، ونكَص أصحابها على أعقابِهم مدحورين؛ وما مَثلهم ومَثل ما أرادوه من النَّيْل من السُّنة وأهلِها إلا كما قال الشاعر:

كناطحِ صخرةً يومًا ليوهِنها


 
*فلم يضرْها وأوهى قرنَه الوعلُ


 

ثالثًا: تبيّن التدوين في هذا القرن بما يلي:

  1. تَجريد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمييزها عن غيْرها، بعد أن كانت قد دُوِّنت في القرن الثاني ممزوجةً بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
  2. الاعتناء ببيان درجة الحديث من حيثُ الصِّحة والضعْف.
  3. تنوّع المصنَّفات في تدوين السُّنة، حيث ظَهرت الأنواع التالية:
    1. كُتب المسانيد التي تُعْنى بجمْع أحاديث كلّ صحابيّ على حِدة، كـ(مسند الإمام أحمد)، وغيرِه…

ب.كُتب الصِّحاح والسُّنن التي تُعْنى بتصنيف أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكُتب والأبواب، مع العناية ببيان الصحيح من غيره، كالكُتب السِّتة وغيرها…

جـ.كتب مُخْتلف الحديث ومُشْكِلها، مثل: كتاب (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي، وكتاب (اختلاف الحديث) لعلي بن المَديني، وكذلك كتاب (تأويل مَخْتلف الحديث) لابن قُتيبة، وغيرها…

وهناك الكثير مِن المُصنَّفات في هذا القرْن، نكتفي بذكر القليل منها إشارة إلى الكَثير.

مربع نص:  (صحيح الإمام البخاري)

أ. مؤلفه:

يُعْتبر كتاب (الجامع الصحيح المُسنَد المختصر من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، أصحَّ كِتاب بعد كتاب الله عز وجل عند جُمهور المحدِّثين.

ب. ثناء العلماء على (صحيح البخاري):

قال أبو إسحاق الإسفراييني: “وأهلُ الصَّنعة مُجْمعون على أنّ الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مَقْطوع بصحّة أصولِها ومُتونها، ولا يَحْصل الخِلاف فيها بحال، وإنْ حصَل فذاك اختلاف في طُرقها ورُواتها”. واستثنى ابن حجر ما وَقع التجاذب بين مَدلوليْه حيث لا تَرجيح لأحدهما على الآخر، ولا يمكن الجمْع، وما عدا ذلك فالإجْماع حاصل على تَسليم صحَّته.

ووقوع الإجْماع على أصحّيّة ما في (الصحيحيْن) ليس معناه أصحِّيّة كلِّ حديث فيها بالنسبة لما في سِواهما، بل أصحية الجُملة إلى الجُملة وتقدُّمها عليها، كما في تَقْديم (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم)؛ فليس المقْصُود منه أنّ كل حديث في (صحيح البخاري) أصحَّ من كلّ حديث في (صحيح مسلم)، بل المقْصُود أنَّ جُملة ما في البخاري أصحّ؛ وعلى هذا، فلا يُستدلّ بكون حديث معيَّن في “الصحيحيْن” أصحّ من سائِر الصِحاح إلّا بعد تَبيُّن وجوه الأصحّيّة في ذلك الحديث بعيْنِه.

ج. انتقاء البخاري للأحاديث الصحيحة:

وقد انتقى البخاري صحيحه مِن ستمائة ألْف حديث، ولا شك أنّ مُعْظم هذه الأحاديث كانت مُدوَّنة في كُتب المسانيد والمصنَّفات الحديثيّة الأخرى التي دوَّنها عُلماء القرن الثاني الهجري، وسمِعها البخاري عن شيوخِهم بأسانيدهم إلى مصنِّفيها، لذلك يُعبَّر عن كَيفية التَّحمّل بألفاظ السماع.

ومَكث البخاري في تَصنِيفه ستّ عشرة سنة، واقْتصر فيه على الحديث الصحيح. وهو أوّل مَنْ أفردَ الصحيح، لكنه لمْ يَستَوعِب الصحيح، فَقد صرَّح بأنّ ما ترَكه من الحديث الصحيح أكثرُ ممّا أثبت، لئلّا يَطول الكتاب. ولا يدخل ما فيه مِن التعاليق والمتابعات والشواهد ضِمْن الصحيح. وقد استقرأه العلماء ليتبيّنوا شرط البخاري في تخريج أحاديثه، فوجدوه يشترط -إلى جانب عدالة رجال سلسلة إسناده إلى الصحابيّ واتصال إسناده-، أن يكون الرّاوي اللاحق في الطبقة الأولى من الرواة عن شيخه؛ فلو أنّ الرواة عن الإمام ابن شِهاب الزُّهري يُقسَّمون من حيث الحِفظ والإتقان وطول صحبتهم له إلى خمس طبقات، فإنّ البخاري يُخرج لمن هم في الطبقة الأولى من الرواة عن الزهري، فهم شرطه. وقد يخرج من حديث أهل الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب. ومعظم حديث الطبقة الثانية يخْرجه تعليقًا، وربما أخرج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقًا؛ وهذا ينطبق على المُكْثرين مِن الرواة، أمّا غيرهم فقد اعتمد في تَخْريج أحاديثهم على الثِّقة والعَدالة وقِلّة الخطأ.

د. شروط البخاري:

وقد اشترط البخاري في العنعنة المعاصرة واللّقْيا، مقتفيًا أثر شيخه علي بن المَديني، في حين اكْتفى مسلم بشرط المُعاصرة. وبذلك يتبيّن أنّ شرط البخاري أعلى مِن شرط مسلم. وكذلك فإنّه يَترجّح على (صحيح مسلم) من حيث علوّ توثيق رواته، واتصال أسانيده، وسلامته مِن العِلل.

وقد انفرد البخاري بالإخراج لـ(435) رجل دون مسلم، المتكلَّم فيهم بالضعف: ثمانون رجلًا، بينما انفرد مسلم بالإخراج لِـ(620) رجل دون البخاري، المتكلَّم فيهم بالضعف: مائة وستون رجلًا. كما أنّ الذين انفرد بهم البخاري ممّن تُكلِّم فيهم لم يُكْثر عنهم الرواية، ثم هُم من طبقة شيوخه الذين يُميّز مَروياتهم جيِّدًا، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلّها أو أكثر، إلّا عِكرمة عن ابن عباس، بخِلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ، كأبي الزبير عن جابر، وسُهيل عن أبيه، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وهُم مِن التابعين ومَن بعدهم وليسوا من شيوخه. ثم إن البخاري خرَّج أحاديث الطبقة الثانية في التعليق وليس التعليق على شرطه، أمّا مسلم فخرّج أحاديث الطبقة الثانية في الأصول.  

وقد بلغ عدد الأحاديث المُنتقدة في “الصحيحيْن” معًا (210) حديث، منها أقلّ مِن (80) حديثًا في (صحيح البخاري)، وبقيّتها أكثر من (130) حديث في (صحيح مسلم).

هـ. منهجُه في (الصحيح):

وقد رتّب البخاري أحاديث “صحيحه” على الموضوعات والأبواب، واعتنى بالفوائد الفقهيّة، والنكات الحُكميّة، فاستخرج بفهْمه مِن المتون معانٍ كثيرة فرَّقها في أبواب الكتاب بحسَب تناسبها، ممّا يُيسِّر للفقهاء وطلاّبهم الرجوع إليها والاستنباط منها؛ وهي تُوضح سعة علْم البخاري بفقه الحديث.

وجميع ما في (صحيح البخاري) من الأحاديث الموصلة بلا تكرير: (2602) حديثًا. ومِن المتون المعلّقة المرفوعة التي لم يَصلْها في موضع آخر مِن الجامع: (159) حديثًا. وجميع أحاديثه بالمكرَّر، سوى المُعلّقات والمتابعات: (7397) حديثًا. وجملة ما في الكتاب مِن التعاليق: (1341) حديثًا. وجملة ما فيه مِن المتابعات: (344). فجميع ما في الكتاب على هذا بالمُكرّر: (9082) حديثًا. وهذا الرقم لا يشتمل على ما في الكتاب من الموقوفات على الصحابة والمقطوعات عن التابعين فمَن بعدَهم.

وقد بيّن الحافظ ابن حجر أنّ الإمام البخاري تركَ كتابه مُسوَّدة حين وفاته دون تبييض؛ لذلك تصرَّف الناقلون لكِتابه في تقديم بعض التراجم على بعض أحيانًا: فلم يَقع في ترتيب أصحاب المناقب مثلًا، مراعاة الأفضليّة ولا السابقيّة ولا الأسنية، وهذه جهات التقديم في الترتيب؛ فلما لمْ يُراع واحدًا منها، دلّ على أنه كتب كلّ ترجمة على حِدة، فضمّ بعض النَقلة بعضها إلى بعض حَسبما اتفق.

و. وقد تحمّل تلاميذ البخاري من “صحيحه” عنه، وأبرزهم: الفِرَبْري (ت320هـ)، وإبراهيم بن معقل النسفي (ت 295هـ)، وحماد بن شاكر (ت311هـ)، وأبو طلحة منصور البزدوي (ت 329هـ)، والحسين بن إسماعيل المحاملي (ت 330هـ). وقد اشتهرت رواية الفِرَبْري خاصّة، حيث تحمّلها اثنا عشر عالِمًا، ممّا أكسبها انتشارًا في الآفاق.

ز. عِناية العلماء بـ: (صحيح البخاري):

وقد حظي (صحيح البخاري) بعناية فائقة من العلماء في سائر العصور، فاهتمّوا بشرحه؛ ومِن أجلِّ شُروحه: كتاب: (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) للحافظ ابن حجر العَسْقلاني (ت 852هـ)، و(عُمدة القاري) لبدر الدِّين العَيني الحنفي (ت 855هـ)، و(إرشاد السّاري إلى صحيح البخاري) للقسطلاني (ت 922هـ)، وكلها مَطبوعة. كما قام الحافظ زين الدِّين أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الزبيدي، بحذْف المكرّر، وأخبار الصحابة، وكلّ ما لا علاقة له بالحديث من (صحيح البخاري)، وسمَّاه: (التجريد الصّريح).

error: النص محمي !!