Top
Image Alt

التَّعريف بالمنهجِ العاطفِيِّ

  /  التَّعريف بالمنهجِ العاطفِيِّ

التَّعريف بالمنهجِ العاطفِيِّ

. تعريف العطفُ لغةً واصطلاحًا:

العطف لغة: يُقال: عَطِفَ وعَطَف يَعْطِفُ مَالَ، وعَطَفَ عليه أشفَقَ، وتعاطَفوا، أي عطف بعضُهم على بعض، أي: مال كلٌّ منهم للآخر وانحنى عليه، واستعطفه سأله أن يعطف عليه. “القاموس المحيط: مادة عطف”

العطف اصطلاحًا: عُرِّفت العاطفة بعدة تعريفات، منها:

أولًا: العواطف هي الانفعالات النَّفسيَّة المنظَّمة والموجَّهة إلى مؤثِّر خاصٍّ، وتنشأ عن الوِجدان الفرديِّ أو الاجتماعيِّ، فتكوِّنُ عواطف فردية أو جماعيَّة.

ثانيًا: العاطفة هي ذلك الشيء الموجود فِي داخل النَّفس الإنسانيَّة، والتي تظهر واضحةً جليةً؛ إذا عُرض للإنسان موقفٌ ما أثار فيه هذه النَّزعة.

ثالثًا: تعريف المنهج العاطفيِّ للدَّعوة إلى الله، هو: النِّظام الدَّعويُّ الَّذي يرتكز على القلب، ويحرِّك المشاعر فِي النَّفس، لكلِّ جوانب الخير، ويدفع بالعواطف والأحاسيس إلى الصدق وحسن التوجه إلى الله، وتعميق أواصر المحبة للهِ ولرسوله وللمؤمنين، وهذا المنهجُ عميقُ الصلة، وثيق الترابط بكلٍّ من المنهج الحسِّيِّ والعقليِّ، قال تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [النحل: 78]. فالأفئدة هي القلوب، مركِزُ المشاعر، ومنبع العواطف، ومستقرُّ الأحاسيس.

ويصف الإمامُ أبو حامدٍ الغزاليُّ القلبَ وما يحتويه من أسرار، فيقول:

“القلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرَقًا بغير الله، وهو المطالب، وهو المخاطب، وهو المعاتَب، وهو الذي يسعد بالقرب من الله، فيُفلح إذا زكَّاه، وهو الَّذي يخيب ويشقى إذا دنَّسه ودسَّاه، وهو المُطيع بالحقيقة لله، وإنَّما الَّذي ينتشرُ على الجوارح من العبادات أنوارُه، وهو العاصي المتمرِّد على الله. وإنَّما السَّاري إلى الأعضاءِ من الفواحش آثارُه، وبإظلامِه واستنارتِه تظهر محاسنُ الظَّاهر ومساوئه؛ إذ إنَّ كلَّ إناءٍ ينضح بما فيه، وهو الَّذي إذا عرفه الإنسانُ فقد عرف نفسَه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربَّه، وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسَه، ومن جَهِلَ نفسَه فقد جهل ربه”.

وإنَّ من أسرار الخلقِ وبديع الصُّنع أنَّ الله سبحانه وتعالى أودع فِي الإنسان قوَّتَين مدرِكتين:

الأولى: قوَّةٌ مدركةٌ ظاهرةٌ واعيةٌ واضحةٌ.

الثانية: قوَّةٌ مدركةُ باطنةٌ مُبْهَمة.

فالقوَّة الأولى: العقلُ الَّذي يُدرك ما تنقلُه إليه الحواسُّ من العالم الخارجيِّ المُحيط بالإنسان، ويتأثَّر بعوامل كثيرة؛ كالعلم والتَّجارب والعادات والتَّقاليد وشتَّى جوانب الحياة، وقد أشرنا إلى ذلك فِي حديثنا عن المنهج العقليِّ.

أمَّا القوَّة الثانية المدركة: فهي قوَّة الإدراك الشُّعوريَّة الوجدانيَّة داخل النَّفس البشريَّة، التي تُدرَك بها الأمور الباطنة، كالألم والجوع والعطش والفرح والحزن، وندرك بها الرِّضا والقَبول والارتياح لشيءٍ ما، وندرك بها النُّفور والرَّفض لشيءٍ آخر، وهذا إدراكٌ باطنيٌّ مبهم، نَقبل به الشيء أو نرفضه وجدانًا وشعورًا، وقد لا يكون لدينا مسوِّغٌ واضح لهذا القَبول أو الرفض، سوى الشعور بالارتياح أو الاستياء.

2. اختلاف العواطف والتفاوت بينها:

إنَّ من سُنن الله فِي الخلق اختلافَهم فِي العقول، وتفاوتَهم فِي المشاعر والعواطف، قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119].

وقد بيَّن الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم اختلافَ القلوب والمشاعر فِي الإيمان والكفر والنفاق، وقسم البشر إلى أنواعٍ تتباعد عواطفُهم وتتنافر أحاسيسهم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((القلوبُ أربعةٌ: قلبٌ أجردُ فيه مثلُ السِّراج يُزهر، وقلب أغلفُ مربوطٌ على غلافه، وقلبٌ منكوسٌ، وقلبٌ مُصفَّحٌ. فأمَّا القلبُ الأجرَد فقلبُ المؤمنِ سراجُه فيه نورٌ. وأمَّا القلب الأغلف فقلب الكافر. وأمَّا القلب المنكوس فقلب المنافق، عَرَفَ ثم أنكر. وأمَّا القلب المُصْفَح فقلبٌ فيه إيمانٌ ونفاق، فمثل الإيمان كمثل البقلة يمدُّها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القُرحة يمدُّها القيح والدَّم، فأيُّ المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه)). (مسند الإمام أحمد).

وقد بيَّن القرآنُ الكريم، أنَّ انشراح الصدر بمشاعر الإسلام، وأنَّ صدق العواطف بالإيمان، إنَّما هو بتوفيق الله، وأنَّ انقباضَ الصَّدر وتوتُّرَ النَّفس واضطرابَ الأحاسيس، إنَّما هو عقابٌ وغضبٌ من الله، بسبب انصراف القلوب عن طاعته، قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُون} [الأنعام: 125].

ولقد صوَّر القرآن الكريم المؤمنين بأنَّهم أصحابُ مشاعر حسَّاسة وعواطف صادقة، تقشعرُّ جلودهم، وتلينُ قلوبُهم لسماعهم للذِّكر الحكيم، وأنَّ الكافرين ذوو عواطف متبلِّدة، وقلوب قاسية مُتَحَجِّرة، قال تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِين * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد} [الزمر: 22، 23].

فانشراحُ الصدر ثمرةٌ من ثمار الإيمان، فإذا ما انشرح صدرُ الإنسان لان قلبُه، ورقَّت عواطفُه، وارتقت مشاعرُه، وصدقت أحاسيسُه، ولقد امتنَّ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بانشراح الصَّدر، قال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك} [الشرح: 1]، ولقد دعا موسى ربَّه قائلًا: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} [طه: 25، 26].

ولقد أفاض القرآنُ الكريم فِي إبراز عواطف المؤمنين، وصدق أحاسيسهم، ورقَّة مشاعرهم، ونبل عواطفهم؛ مِمَّا انعكست آثار ذلك على الإنسانيَّة رأفةً ورحمةً وشفقة.

كما أبرز القرآن الكريم تحجُّر المشاعر للكافرين، وأبرز تبلُّد عواطفهم، وقسوة قلوبهم، وموت ضمائرهم، وفقدان الأحاسيس بمشاعر الآخرين، مِمَّا كان له الأثر السيئ على الأفراد والجماعات قديمًا وحديثًا.

وسوف نسوق بعض الآيات التي تتحدَّث عن عواطف المسلمين، ومن ذلك:

أولًا: قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4].

ثانيًا: قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29].

ثالثًا: بيَّن القرآنُ الكريم أنَّ رقَّة المشاعر ونُبل الأحاسيس هي سماتُ وصفاتُ العلماءِ المؤمنين الَّذين اتَّقَوُا الله وتدبَّروا آياته، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107- 109].

رابعًا: ذكر القرآنُ الكريمُ أنَّ رقيَّ المشاعر وصدق العواطف أمرٌ يقتصرُ على مناهج الأنبياء والمرسلين من لدن آدمعليه السلام إلى خاتم الرُّسل محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58].

خامسًا: وصفَ القرآنُ الكريم صدق عاطفة الرَّسول صلى الله عليه وسلم ولين قلبه؛ فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين}
[آل عمران: 159]، وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} [التوبة: 128]، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107].

وكما أشار القرآنُ الكريم إلى ما اتَّصف به الرَّسول صلى الله عليه وسلم وصحابتُه، وكذلك المؤمنون فِي كلِّ زمانٍ ومكانٍ من سلامة القلب، وطهارة النَّفس، وسموِّ العواطف، ونُبل المشاعر، وصدق الأحاسيس، مِمَّا كان له عميقُ الأثر فِي الدَّعوة إلى الله، وانتشار الإسلام، ودخول الناس فِي دين الله أفواجًا.

كذلك أشار القرآنُ الكريمُ فِي مواضع كثيرةٍ إلى قسوة قلوب الكافرين، وفساد مشاعرهم، وتبلُّد عواطفهم، وموت أحاسيسهم، ومن ذلك ما يلي:

أولًا: تحدَّث القرآن الكريم عن قسوة قلوب بني إسرائيل قسوةً لم توصف بها أمة من الأمم سواهم، وإنَّ واقعَ ما يحدث فِي فلسطين الآن من قتل واغتيال وحرق للأخضر واليابس وإبادة جماعيَّةٌ للمسلمين على أيدي إسرائيل لأكثرَ من ثمانين عامًا صورةٌ حيَّةٌ لما أخبر عنه القرآن الكريم، قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون} [البقرة: 74].

ثانيًا: أشار القرآن الكريم إلى أسباب قسوة قلوب اليهود والنصارى، وهي:

  • نقض ما أخذه الله عليهم من مواثيق، لا سيَّما ما يتعلَّق بدعوة الرَّسول صلى الله عليه وسلم.
  • تحريف الكلِم عن مواضعه.
  • نسيانُ جزءٍ كبيرٍ مِمَّا شرعه الله لهم، وذَكَّرَتهم به أنبياؤهم.
  • الخيانة التي تسري فِي عروقهم وشواهد التاريخ قديمًا وحديثًا تنطق بذلك.

وكان حصادُ ذلك ما بين بعض المذاهب النَّصرانيَّة وبعضها الآخر من عداء، وما بين اليهود والنَّصارى من خلاف عميق واتِّهامات متبادلة بين الفريقين، وإن بدا فِي هذا العصر اتِّفاقُهم على ما به القضاءُ على الإسلام والمسلمين، قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون} [المائدة: 13، 14].

ثالثًا: ذكر القرآنُ الكريم إنَّ من أسباب تَحَجُّر العواطف وقسوة القلوب وموت المشاعر: انقطاعَ الصِّلة بالله، والتَّوقُّفَ عن التَّضرُّع والدُّعاء، خاصَّةً فِي أوقات الشَّدائد والمحن، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُون * فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الأنعام: 42- 45].

فالآية من دلائل إعجاز القرآن الكريم، وهي إشارةٌ إلى سُنَّة من سُنن الله فِي الكون، بخصوص الأمم الظَّالمة والحضارات المتجبِّرة فِي الأرض قديمًا وحديثًا، وكذلك الطُّغاة؛ حيث ابتلاهم الله مع ما هم فيه من قسوة القلوب بانفتاح الدنيا من كل جوانبها، وتملُّكُهم لكلِّ وسائل القوَّة والبطش والجبروت، حتى خُيِّل لهم أنَّه لا غالب لهم من النَّاس، وليس على سطح الأرض قوةٌ يخشَون بأسها، أو شعبٌ يخرج عن طوع إرادتهم، وتاهوا بذلك زَهوًا وخُيَلاءً واستعلاءً، وحينما بلغوا الغاية من ذلك، وافتُتن الناس بهم، وتزلَّفوا إليهم نفاقًا وخوفا،ً وإذا بالقصاص الإلهيِّ العادل يأتي بغتةً؛ فيبدد تلك القوى الظَّالمة، كما أشارت الآية السابقة: {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الأنعام: 44، 45].

رابعًا: بَيَّنَ القرآنُ الكريم أنَّ الشيطان لا يتمكَّنُ بفتنه ووساوسه، إلا من القلوب المريضة والنفوس القاسية الظالمة، وأنَّ اطمئنانَ القلوب وصِدق المشاعر مقصورٌ على أولي العلم، الَّذين جمعوا بين العِلم ومعرفة الحقِّ، فهداهم اللهُ إلى الصِّراط المستقيم، قال تعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم * وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيم} [الحج: 53- 55].

خامسًا: ذكر القرآنُ الكريم أنَّ من أسبابِ قسوة القلوب وظلام النُّفوس وظلمِها: كثرةَ أمَد الناس بالكفر، وطولَ عهدهم بالمعاصي، وانغماسَ حياتهم فِي الشَّهوات، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون} [الحديد: 16].

من خلال هذه الآيات يتَّضح فِي ظهور وجلاء ما يتَّصفُ به المؤمنون من رقَّة المشاعر، ورحمة القلوب، ونُبل العواطف، وما عليه الكافرون والعُصاة والطُّغاة من قسوة القلوب، وتحجُّر النفوس، وموت الأحاسيس.

error: النص محمي !!