Top
Image Alt

الثروة اللغوية والأدبية والمعرفية من شعر المازني قصيدة (الشاعر المحتضر)

  /  الثروة اللغوية والأدبية والمعرفية من شعر المازني قصيدة (الشاعر المحتضر)

الثروة اللغوية والأدبية والمعرفية من شعر المازني قصيدة (الشاعر المحتضر)

النص الثالث الذي سنتوقف معه بدرس تحليلي، قصيدة للشاعر إبراهيم عبد القادر المازني عنوانها: “الشاعر المحتضَر”.

وقصيدة الشاعر المحتضر مرثيةُ شاعرٍ قتله الحب؛ ولما دنا منه الموت نادَى حبيبه وأخبره بمكنون نفسه، وبثه لواعجَ حبه، ثم أمَّل في الراحة من حرارة الشوق وعذاب الحِرمان بعد الموت.

وجاءت قصيدة المازني -الشاعر المحتضر- على وزن قصيدتين من الشعر القديم؛ القصيدة الأولى: هي قصيدة عبد يغوث الحارثي الشاعر الجاهلي؛ قالها في رثاء نفسه ومطلعها:

ألا لا تلوماني كفَى اللومَ ما بيا

*فما لكما في اللوم خير ولا ليا

والقصيدة الثانية: هي قصيدة مالك بن الريب الشاعر الأُموي، وقد قالها أيضًا في رثاء نفسها ومطلعها:

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً

*بجنب الغضا أُزجِي القلاصَ النواجِيا

وفيها قال مالك:

تذكرت مَن يبكي علي فلم أجد

*سوى السيف والرمح الرُّدَيْنِي باكيا

إذن المازني يرثي نفسَه أيضًا كما رَثَى هذان الشاعران القديمان نفسيهما في هاتين القصيدتين.

يقول المازني في قصيدته: “الشاعر المحتضر”:

فيا مرحبًا بالموت يثلج بردُه

*فؤادي ويُنسيني طويلَ عنائيا

تموت مع المرءِ الهمومُ ولن ترى

*ككأسِ الرَّدى من علةِ العيش شافيا

ولست على شيء بآسٍ وإنني

*لَأهجرُ ظلَّ الأرضِ جزلانَ راضيا

وما طال عمري غير أن لواعجًا

*أطلنَ عنائي فاجتويتُ مُقاميا

ثم ينعي الشاعر المحتضر نفسَه إلى ذويه، ويطلب منهم أن يترحموا عليه، ويطلب من صاحبه أن يودِّع الأرض عنه، وأن يذكِّر الجبال والزهرَ به؛ فيقول:

أهاب بنا داعي الرَّدى فترحموا

*وقولوا سقى اللهُ القلوبَ الظواميا

وقم ودِّع الأرضين عني فإنني

*بقيد الرَّدى المحتومِ إلا لسانيا

وقل لجبالٍ عارياتٍ مَخُوفةٍ

*تخال مَوَامِيهن للجن واديا

ألا أطلقي لي صوته والأغانيا

*وغذِّي بذكراها الشجونَ النواميا

وقل يا عيون الزهر غُضِّي وأطرقي

*قضَى عاشقٌ أجلى العيون الروانيا

ثم يضمن المازني قصيدته أبياتًا من شعر الشاعر الإنجليزي شيلي، مضمونها: أن الشاعر لا يموت؛ لكن الطبيعةَ أمَّه تغيبه فيها، وتبقى آثاره خالدةً، يدل عليها الرعد في هزيمه، والطير في تغريده، وكل مظهر من مظاهر القدرة التي تُنْعِمُ على الدنيا بالشعراء، ثم تدعوهم فيلبون نداءها.

يقول المازني:

وما غالَه موت ولا هاضَه كرَى

*ولكن غَدَا من حُلمِ ذا العيشِ صاحيا

وما مات إلا الموتُ يا فجرُ فأتلقْ

*وحوِّلْ سناءً ظلَّك المتلاليا

ولا غابَ إلا في الطبيعة أمِّه

*وقِدمًا أعارته الضلوع الحوانيا

فقوموا اسمعوا في هزْمة الرعد صوته

*وفي سجعة الغِرِّيد ما بات شاديا

وفي حيثما تبدو لنا القدرة التي دعته

*فلبَّاها ولم يك عاصيا

ثم يؤكد المازني خلود الشاعر فيما قاله على لسان حبيبه في نهاية القصيدة؛ إذ يقول:

وإنك نور تستضيء به الدُّنا

*وغيرك ظِلٌّ سوف يصبح فانيا

وإنك حسن ليس يبلى وغيرُه

*وديعة دهر يسترد العواريا

فيا آخذًا من دهره بنصيبه

*هنيئًا لك المجد الذي ليس ذاويا

ننظر في هذه القصيدة من جهة العنوان ومن جهة الوَحدة؛ نجد عنوان القصيدة منطبقًا على مضمونها: “الشاعر المحتضَر”؛ فالمازني يتحدث عن شاعر حضرته وفاته، وعلى لسان هذا الشاعر الذي حضره الموت يتحدث المازني، ويصور مشاعر هذا الشاعر، وهي مشاعر المازني نفسه:

البيت الأول:

فيا مرحبًا بالموت يُثلِج بردُه فؤادي

*وينسيني طويل عنائيا

ترحيب بالموت وسرور به؛ لأن هذا الموت -كما قال- بردُه يريح قلبه، وهذا الموت سينسي الشاعر هذا العناء وهذا العذابَ، هذا مطلع القصيدة.

يأتي البيت الثاني كأنه تعليل للترحيب بالموت، يقول:

تموت مع المرء الهمومُ ولن ترى

*ككأس الرَّدَى من علة العيش شافيا

إذن هو يرحب بالموت؛ لأن مع المرء تموت الهموم، “ولن ترى ككأس الردى من علة العيش شافيا”: أضاف العلة إلى العيش؛ فالعيش مثل العلة، أي: المرض، ولا يشفي من هذه العلة إلا كأس الردى، أي: كأس الموت والفناء؛ ففي هذا التعبير: “ككأس الردى”: جعل للردى كأسًا، وجعل شفاء هذه العلة موجودًا في كأس الردى.

ثم يقول المازني:

ولست على شيء بآسٍ وإنني

*لأهجر ظل الأرض جزلان راضيا

“جزلان”: فرحًا.

إذن هذا تصوير لمشاعره في مقابلة الموت؛ أخبر بأنه ليس حزينًا على شيء؛ بآسٍ، أي: بحزين؛ جار ومجرور في محل خبر “لست”، “وإنني”: أسلوب تأكيد، وأكد باللام بعد ذلك في خبر، “لأهجر”: اقترن الخبر بلام التوكيد أيضًا، “جزلان”: موقعها حال، معناها: فرحًا راضيًا.

إذن، في هذا البيت يخبرنا المازني على لسان الشاعر المحتضر بأنه ليس نادِمًا على شيء، وإنه فَرِحٌ بهجرته للحياة وخروجه منها، وأنه راضٍ بذلك.

وما طال عمري ….

*…. …. …. ….

هذا التعبير نسميه احتراسًا، يقول: إن فرحه بالموت ليس بسبب طول عمره وملله من الحياة.

…. …. غير أن لواعجًا

*…. …. …. ….

مشاعر الحزن واليأس.

…. …. …. ….

*أطلن عنائي فاجتويت مقاميا

فاجتويت –فكرهت- مقاميا”: بالحياة أو بالأرض.

أهاب بنا داعي الردى فترحَّموا

*وقولوا سقى الله القلوب الظواميا

يخبر قومه بأن الموت حضره، ويطلب مِن رفاقه أن يترحموا عليه ويطلبوا السقيا لقلبه من الله سبحانه وتعالىويطلب من رفيقه أو صديقه أن يودع الأرض نيابةً عنه:

وقُم ودِّع الأرضين عني فإنني

*بقيد الرَّدَى المحتوم إلا لسانيا

يقول: إنه أصبح مقيدًا بقيد الموت والهلاك الذي لا بد منه إلا لسانه هو الذي لم يقيد؛ لأنه ما يزال يعبِّر ويقول الشعر.

وقوله: “بقيد الردى” أضاف: “القيد” إلى: “الردى” وهو تشبيه أضيف فيه المشبه به إلى المشبه؛ فالردى مثل القيد.

وقل لجبال عاريات مخوفة

*تخال مواميهن للجن واديا

ألا أطلقي لي صوته والأغانيا

*وغَذِّي بذكراه الشجون النواميا

يطلب من رفيقه أن يخاطب الجبال المَخُوفة التي تشبه صحراؤها وادي الجن، يطلب من صديقه أن يقول لهذه الجبال: أطلقي لي صوت هذا الشاعر وأغانيه التي كان يغنيها، وغذي بذكرى هذه الأغاني أو هذا الشاعر الأحزان التي تنمو في الحياة.

وقل يا عيون الزهر غضي وأطرقي

*قضى عاشق أجلى العيون الروانيا

يطلب من عيون الزهر أن تغض وأن تطرق حزنًا على هذا الشاعر الذي طالما غَنَّى للحياة، ووصف العيون الزهرَ، ووصف عيون النساء، ووصف جمالَ الطبيعة.

ثم يقول الشاعر عن هذا الشاعر الذي يحتضر أو يموت:

وما غالَه موت ولا هاضَه كرى

*ولكن غَدا من حلم ذا العيش صاحيا

يقول: إن هذا الشاعر لم يمت؛ وإنما استيقظ من حلم الحياة وصحا منه.

وما مات إلا الموت يا فجر فأتَلِق

*وحوِّل سناءً ظلَّك المتلاليا

يقول: إن الشاعر لم يمت، وإن الشاعر خالد.

ولا غاب إلا في الطبيعة أمِّه

*وقدمًا أعارته الضلوع الحوانيا

فقوموا اسمعوا في هجمة الرعد صوته

*وفي سجعة الغِرِّيد ما بات شاديا

وفي حيثما تبدو لنا القدرة التي دعته

*فلباها ولم يكُ عاصيا

يقول: إن الشاعر خالد، يتمثل خلوده في هذه الطبيعة التي أعارته ضلوعها الحوانيا عندما أخفته فيها، يقول: عندما نسمع هزيم الرعد، وعندما نسمع غناءَ الطائر؛ فإننا نجد في هذه الظواهر الطبيعية خلودَ الشاعر.

ثم يقول:

وإنك -أيها الشاعر- نور تستضيء به الدنا

*وغيرك ظل سوف يصبح فانيا

يؤكد بأسلوب التأكيد: “وإنك نور”،

وإنك حسن ليس يبلَى

*…. …. …. ….

أيضًا تأكيد لفكرة خلود الشاعر باستخدام “إن” يؤكد هذا الخلود بقوله: “ليس يبلى” وغير الشاعر وغير هذا النور: “وديعة دهر يسترد العواريا”.

فيا آخذًا من دهره بنصيبه

*…. …. …. ….

يخاطب الشاعر: يا آخذًا من دهره بنصيبه من الخلود:

…. …. …. ….

*هنيئًا لك المجد الذي ليس ذاويا

هنيئًا لك مجد الفن ومجد الشعر الذي لا يبلَى ولا يزول ولا يفنَى.

فهذه القصيدة -كما ترى- عنوانها يدل عليها؛ فيها وحدة موضوعية ووحدة فنية، أفكارها مترابطة، وموضوعها جديد؛ الشعراء الذين كانوا يرثون أنفسَهم قبل ذلك لم يتطرقوا إلى فكرة خلود الشاعر؛ فالقصيدتان -التي أشرت إليهما في صدر حديثي: قصيدة عبد يغوث الحارثي، وقصيدة مالك بن الريب- وكل الشعراء السابقين الذين رثوا أنفسهم في الشعر القديم لم يتطرقوا إلى فكرة خلود الشاعر، هذه الفكرة التي تحدث عنها المازني في هذه القصيدة، وهذا من الجديد الذي حاول الشعراء الثلاثة -العقاد، وشكري، والمازني- أن يضيفوه في مجال الأفكار ومجال المعاني والموضوعات إلى الشعر العربي، وهو شيء يميزهم عن الشعراء المحافظين.

إذا نظرتَ في هذه النماذج نظرة فاحصةً؛ تبينتَ أن هناك فرقًا في طريقة التعبير، وطريقة التصوير، وبناء القصيدة، ووحدتها، ومنهجها في شعر المجددين: العقاد، وشكري، والمازني، تجعلهم مختلفين عن جيل الشعراء المحافظين الذين كانوا يسبقونهم والذين عاصروهم، والذين اختلفوا معهم ونقدوهم.

ولعلك أن تجد في هذه النماذج صورة تطبيقيةً لبعض المبادئ التي دَعَا إليها هؤلاء الشعراء المجددون من الصدق الفني والشعوري، ووحدة القصيدة، وتعبير الشاعر عن نفسه، ووضوح شخصيته في شعره، والتأمل في الطبيعة والكون، والنفس والحياة، والبعد عن شعر المناسبات، كل هذا تجد تطبيقًا له في هذه النماذج التي توقفتُ معها بدراسة تحليليةٍ تفصيلية.

error: النص محمي !!