Top
Image Alt

الجذور التاريخية لحركة الصهيونية العالمية

  /  الجذور التاريخية لحركة الصهيونية العالمية

الجذور التاريخية لحركة الصهيونية العالمية

ما هي الجذور التاريخية لهذه الحركة الصهيونية؟

هل هناك عام محدّد أو عقد محدّد من الزمن، يمكن أن نعتبره بداية طبيعية لهذه الحركة السياسية، أو الصهيونية؟

في واقع الأمر من الصعب أن نجد عامًا نستطيع أن نجعله بداية طبيعية لهذه الحركة كحركة تاريخية؛ لكن يمكن أن نحدّد بداية طبيعية للصهيونية السياسية والقومية بالذات، ونحن نتكلم عن “تيودور هرتزل” مؤسِّس الصهيونية المعاصرة. لكن الصهيونية التاريخية لم تكن وقفًا على “تيودور هرتزل”، وإنما يأتي هذا الرجل ممثلًا حلقةً في سلسلة امتدّت تاريخيًّا إلى ما قبل ذلك بقرون وقرون.

ولذلك أودّ أن أنبِّه هنا إلى: أنّ هناك رباطًا تاريخيًّا، وربما قد أشرت إلى ذلك بين الماسونية العالمية والصهيونية العالمية، الماسونية العالمية كحركة يهودية، والصهيونية العالمية كحركة يهودية، أيهما أسبق؟

ربما تكون الماسونية من ناحية الجانب التاريخي، وربما أيضًا تكون الصهيونية من واقع العمل والنشاط التاريخي. ولعل كثيرًا من المؤرِّخين يروْن أنّ الحركتيْن قد نشأتا ربما في وقت واحد، ولهدف واحد، وإن اختلفت التسميات، واختلفت حقول النشاط، ووسائل النشاط كما سنرى فيما بعد.

لكن على أية حال، نحن نجد أن بعض المؤرِّخين ينبِّه: أن تاريخ الصهيونية يمكن تقسيمه إلى أربع مراحل، خاصة أننا نجد هذا التقسيم عند أشهر المؤرِّخين اليهود وهو: “ليفي أبو عسل”. يقول في تأريخه للحركة الصهيونية: “نحن إذا أمعنّا النظر جيدًا، نرى: أن تاريخ الصهيونية يتناول أربعة أزمنة مختلفة:

الأوّل هو: زمن التوراة.

والثاني هو: الزمن السابق على “تيودور هرتزل”.

والثالث: الزمن المعاصر لـ”تيودور هرتزل”، والذي ينتهي بنهاية الحرب العالمية الأولى.

أما الزمن الرابع: فربما يمتدّ ليشمل وعد “بلفور”، وربما يمتد إلى وقتنا الحاضر الآن”.

هذا التقسيم ليس تقسيمًا دقيقًا، لكنه تقريبي على كل حال. وكان أوّل من شيّد صرْح الصهيونية، ووطّد دعائمها، ونشر مبادئها.

وقد أثبت الواقع: أنّ الصهيونية ليست في عهدنا سوى حلقة من سلسلة متّصلة الحلقات بعضها مع بعض. أقول: أوّل من شيّد الحركة بشكل منظّم، وربما بشكل مؤسسي هو: “تيودور هرتزل” الذي سوف نتحدث عنه فيما بعد. إنما قبل هذا التاريخ، كان النشاط الصهيوني ربما يميل إلى الفردية أكثر منه إلى الجماعية، ولم تعرف الصهيونية روح العمل الجماعي إلا في القرن التاسع عشر، وربما في بعض عقود متأخِّرة من القرن الثامن عشر. وما قبل ذلك، كانت عبارة عن جهود فردية آمَن بها المحافِظون، وعملوا على تنشيط الدعوة إلى أفكارهم، وأعلنوا فكرة العودة إلى أرض فلسطين التي تسلّلت هذه الدعوة، والتفّ حولها الصهيونية المنظمة فيما بعد.

ولكثرة الخلافات حول تاريخ هذه الحركة، نجد أنّ بعض المؤرِّخين يُغالي أحيانًا فيصِل بتاريخها إلى نبيّ الله موسى عليه السلام ونجد أن “ليفي أبا عسل” مؤرّخ هذه الحركة يقول: “إنّ موسى عليه السلام كان أوّل مَن شيّد صرْح الصهيونية، ووطّد دعائمها، ونشر مبادئها”؛ لكن الواقع أثبت أنّ الصهيونية -كما نقرأ تاريخها- ليست إلا حلقات في سلسلة لا يمكن العودة بها إلى نبيِّ الله موسى عليه السلام 

كما نجد بعض المؤرخين في (دائرة المعارف البريطانية) أيضًا يمدّ هذه الحركة بجذورها، ويحاول أن يضع لها حلقات أو مسافات تاريخية ترتبط كلّ مسافة بشخص معيّن. فيبدأ بحركة “المكابيِّين” التي أعقبت العودة من السبي البابلي، والتي كان من أوّل أهدافها: العودة إلى صهيون وبناء هيكل سليمان. وهذه العودة تمّت على يد “قورش” ملك الفرس، يجعل هذه حركة، أو إحدى الحلقات في تاريخ الصهيونية.

والحركة الثانية يؤرَّخ لها بـ”باركوخيا” الذي أثار الحماسة في بني قومه، وحثَّهم على السَّعي للتجمّع في أرض فلسطين، وإقامة الصلاة فوق جبل صهيون.

ثم تمتدّ الحركات رويدًا رويدًا إلى أن يصل بنا إلى حركة “منشئة بني إسرائيل” التي تمت سنة 1604م، وكانت تدعو إلى توطين اليهود في بريطانيا، توطئةً لإعادتهم إلى أرض فلسطين. ويبدو أن هذه الحركة كانت النواةَ الأولى للصهيونية الحديثة التي وجَدت لها أرضًا خصبة في بريطانيا. ترعرعت، ونمَت، واستطاعت في مدى ثلاثة قرون أن تُسخِّر جميع القوى الإنجليزية؛ لتحقيق أهداف اليهود في فلسطين.

ويبدو أنّ هذه الفترة التاريخية هي التي شهدت حركة الإصلاح الديني على يد “مارتن لوثر”، والتي شهدت أيضًا انتقالًا نوعيًّا للعلاقة بين المسيحية واليهودية من جانب على يد “مارتن لوثر”، والتي بدأت تشاهد أو تزامن قضية الإحساس بضرورة الخلاص من اليهود من أوربا، من كل دول أوربا. وبدأت حالة الكراهية لليهود في أوربا، والعمل على تجميع شملهم في أرض فلسطين مستعينين أيضًا بالأساطير الدينية التي أسّستها الحركة الصهيونية قبل ذلك.

وكثير من المؤرِّخين يعتبرون هذه الفترة أخصب الحركات التي تجمّعت حولها عواطف الأوربيِّين خاصة المثقّفين منهم، لتشحذ هِمَم وعقول الأوربيِّين بالتعاطف مع الحركة الصهيونية، ودعوة اليهود من الشتات، ومناداتهم بالعودة إلى أرض فلسطين، إحياءً للمملكة الداودية والعمل على إعادة بناء الهيكل في أرض فلسطين، وبالذات على جبل صهيون.

تحدثنا عن بعض المواقف في تاريخ هذه الحركة، وأنّ كل حركة كانت قد ارتبطت باسم عَلَم من أعلام هذه الحركة في فترتها التاريخية. وعند التدقيق، لا نجد قرنًا من الزمان خلا من حركة على يد مفكِّر صهيوني يعمل على تحقيق أهداف الصهيونية العالمية. وإذا كنا قد أشرنا إلى قليل من هذه الحركات، فإننا من المهمّ أن نشير إلى بعض الحركات التي ارتبطت بأسماء معيّنة، حتى نصل إلى مؤسِّس الحركة الصهيونية السياسية العالمية، والذي أعطاها بعدًا تاريخيًّا على مستوى العالَم، وهو: “تيودور هرتزل”.

قبل مرحلة “تيودور هرتزل”، هناك أيضًا بعض الحركات التي أُكمِل بها ما بدأناه. فعلى سبيل المثال: وجدْنا حركة “شبتاي ليفي” في سنة 1676م، تاريخ وفاة هذا الرجل. هذه الحركة تولّى قيادتها هذا المفكر “شبتاي ليفي”، وكانت من أشدّ الحركات الصهيونية في وقتها عنفًا وتعصبًا، في نهاية القرن السابع عشر تقريبًا؛ حتى إنّ هذا الرجل ادّعى أنه المسيح المنتظر.

وما لبثت هذه الحركة أن أحدثت ردَّ فعلٍ عكسيّ؛ فجاء “مندلسون” يدعو اليهود والمنتمين إلى الحركات الصهيونية أن يتقبَّلوا العيش مع جيرانهم في البلاد التي يعيشون فيها، وأن يكتفوا بالجانب الروحي من الديانة اليهودية، ويُهملوا الجانب السياسي. هذه العبارة مهمّة جدًّا في هذه المرحلة من التاريخ؛ لأنها تدلّنا على: أنّ أهداف الحركة الصهيونية -وإن تشبّثت بنصوص دينيّة- إلا أنها لم تكن دينيّة خالصة، وإنما كان لها أهداف سياسية ربما كانت هي الأغلب فيما بعد.

error: النص محمي !!