Top
Image Alt

الجذور الفكرية والعقائدية لفرقة الأحباش، ومواقع نفوذهم

  /  الجذور الفكرية والعقائدية لفرقة الأحباش، ومواقع نفوذهم

الجذور الفكرية والعقائدية لفرقة الأحباش، ومواقع نفوذهم

مما سبق يتبين أن الجذور الفكرية والعقائدية للأحباش تتلخص في الآتي: فهم في مسائل الإيمان مرجئة جهمية، وهم يعتقدون بعقيدة الجفر الباطنية، ولهم مجموعة من الأفكار والمناهج المنحرفة التي تجتمع على هدف الكيد للإسلام والمسلمين.

الانتشار ومواقع النفوذ:

ينتشر الأحباش في لبنان؛ فقد انتشرت فيها مدارسهم الضخمة وصارت حافلاتهم تملأ المدن، وأبنية مدارسهم تفوق سعة المدارس الحكومية، علاوة على الرواتب المغرية لمن ينضم إليهم ويعمل معهم، وأصبح لهم في لبنان إذاعة تبث أفكارهم، وتدعو إلى مذهبهم. كذلك ينتشرون في أوروبا وفي أمريكا، قد أثاروا القلاقل في كندا واستراليا والسويد والدنمارك، كما أثاروا الفتن في لبنان بسبب فتوى شيخهم بتحويل اتجاه القبلة إلى جهة الشمال.

أفكار فرقة الأحباش والرد عليها:

ونختار من أفكارهم مسألة تكفير المعين عندهم، ونرد عليها؛ فالأحباش يكفرون المعين بإطلاق لا يشترطون لهذا التكفير تحقق الشروط أو انتفاء الموانع، وهم يحتجون لذلك بتكفير الشافعي لحفص الفرد، وفي ذلك يقول الحبشي: ليعلم أنه لا يزول إثم الإيمان والإسلام عن المؤمن إلا بالردة التي هي أفحش أنواع الكفر، ويسمى عندئذ كافرًا، ولا يجوز مناداته بالمسلم ولا بالمؤمن، كما فعل الإمام الشافعي، فإنه قال لحفص الفرد بعد مناقشته في مسائل الكلام: لقد كفرت بالله العظيم. ففي (مناقب الشافعي) للبيهقي ما نصه عن محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: سمعت الربيع يقول: لما كلم الشافعي حفصًا الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق. قال الشافعي: كفرتَ بالله العظيم!

وفي حديث البخاري ((من بدل دينه فاقتلوه)) دليل على جواز تكفير المعين؛ لأن المرتد لما يقتل يكون ذلك تكفيرًا له بالتعيين، وقال في موضع آخر مما يرد تأويل كلام الشافعي بأن مراده بقوله لحفص: لقد كفرت بالله العظيم كفران النعم لا كفران الجحود بالملة قول الحافظ ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان المرادي أنه قال: وكفر حفصًا الفرد أي: كفر الشافعي حفصًا، ومن المؤسف أيضًا أن نجد الأحباش قد أطلقوا ألسنتهم وأقلامهم بتكفير بعض الأعلام من أهل السنة والجماعة والدعاة المعاصرين، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام محمد بن عبد الوهاب، والعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، والعلامة الشيخ محمد بن العثيمين، والأستاذ سيد قطب، والشيخ أبي بكر الجزائري، والشيخ سيد سابق، والشيخ الجزائري له كتاب (منهاج المسلم) وكتاب (عقيدة المسلم)، فسمى الحبشي الأول ضد منهاج المسلم، وسمى الثاني ضد عقيدة المسلم، كذلك كفروا مفتي جبل لبنان محمد علي الجوزو، وكفروا الدكتور فتحي يكن، وكفروا الدكتور فيصل مولوي، وكفروا الشيخ حسن قاطورجي، وخالد كنعان، وغيرهم من العلماء والدعاة.

أما من جهة الناس فقد تسرعوا في إطلاق التكفير على أعيان المسلمين دونما تثبت، وسببوا في هذا فتنًا أشغلت الرأي العام وأهل الفتوى بلبنان.

إذا أردنا مناقشة الأحباش في مسألة تكفير المعين نقول: إن إطلاق الحبشي تكفير المعين بدون قيد أو شرط، خطأ يخالف فيه معتقد أهل السنة والجماعة، فمذهب أهل السنة والجماعة وسط بين من غلا فادَّعى تكفير المعين بإطلاق كما فعل الحبشي، وبين من جفا عنه فامتنع عن تكفير المعين بإطلاق كذلك، وهذان الطرفان على جانب كبير من الغلو والتفريط؛ لهذا كان من منهج أهل السنة عند الحكم بالتكفير التفريق بين الإطلاق والتعيين، وبين وصف الفعل ووصف الفاعل، فهم يُطلقون التكفير على العموم مثل قولهم: من استحل ما هو معلوم من الدين بالضرورة كفر، ومن قال: إن القرآن مخلوق كفر، ولكن تحقق التكفير على المعين لا بد له من توفر شروط وانتفاء موانع.

وفي بيان ذلك يقول ابن تيمية -رحمه الله: “فقد يكون الفعل أو المقالة كفرًا ويطلق القول بتكفير من قال تلك المقالة، أو فعل ذلك الفعل، ويقال: من قال كذا فهو كافر، أو من فعل ذلك فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قال ذلك القول، أو فعل ذلك الفعل لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها”، وهذا الأمر مطرد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة فلا يشهد على معين من أهل القبلة بأنه من أهل النار؛ لجواز ألا يلحقه لفوات شرط أو لثبوت مانع.

ويقرر هذا المعنى أيضًا العلامة محمد صديق حسن خان -رحمه الله- فيقول: “تسجيل أهل السنة على بعض الفرق بأن عقيدتها كفر، والقول الفلاني كفر، ويصير المرء بالقول الفلاني كافرًا مثلًا، فهذه رواية منهم لما ورد عن الله، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وهم مع ذلك مقتصرون على ما ورد لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه، ولا يفرطون، ولا يتطرفون، ولا ينصون على شخص واحد، ورجل خاص أنه كافر، أو أنه في النار؛ بل قولهم في هذه المواضع كقوله صلى الله عليه وسلم: “من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر”، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) ونحو ذلك من العبارات: “ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا أو يقولون كذا وكذا”، فهذه قاعدة عظيمة بني عليها منهج أهل السنة في مسألة التكفير، وقد انتهجها علماؤهم وأئمتهم، فمذهبهم مبني على التفصيل والتفريق بين النوع والعين، أو بين الإطلاق والتعيين، لا كما يفعل الحبشي فيكفر المعين بإطلاق دون ضوابط أو شروط.

أما استدلال الحبشي بتكفير الإمام الشافعي لحفص الفرد فلا يُؤخذ هذا على إطلاقه، بل لعل الشافعي أراد أن قوله كفر، أو أنه من باب التغليظ ونحو ذلك، وهذا ما فهمه الأئمة من كلام الشافعي ف،هو من باب التنفير من البدع الخطيرة، يقول ابن تيمية: “فإذا رأيت إمامًا قد غلظ على قائل مقالته أو كفره؛ فلا يعتبر هذا حكمًا عامًّا في كل من قالها، إلا إذا حصل الشرط الذي يستحق به التغليظ والتكفير له”. مقصود ابن تيمية أنه لا يلزم أنه إذا كفر شخصًا بفعل، أن يكفر كل من فعل فعله إلا إذا توفر الشرط، ومن تخريجات الأئمة لكلام الإمام الشافعي ما قاله الإمام البغوي -رحمه الله: “وأجاز الشافعي شهادة أهل البدع والصلاة خلفهم مع الكراهية على الإطلاق” فهذا القول منه يعني تكفير حفص الفرد، دليل على أنه إن أطلق على بعضهم اسم الكفر في موضع أراد به كفرًا دون كفر.

وقال البيهقي -رحمه الله: “وكل من لم يقل من أصحابنا بتكفير أهل الأهواء من أهل القبلة؛ فإنه يحمل قول السلف رضي الله عنهم في تكفيرهم على كفر دون كفر” كما روى ابن عباس رضي الله عنه في قوله عز وجل: {وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] يعني: كفرًا دون كفر. وقال ابن تيمية -رحمه الله: “بُيِّن لنا أن هذا القول كفر ولم يحكم بردة حفص لمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم”.

ونقل النووي قول الشافعي -رحمه الله تعالى: “أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم”، ثم علق عليه بقوله: “ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة ونحوهم ومناكحتهم وموارثتهم، وإجراء سائر الأحكام عليهم”، قد تأول الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي وغيره من أصحابنا المحققين ما نُقل عن الشافعي وغيره من العلماء من تكفير القائل بخلق القرآن، على أن المراد كفران النعمة لا كفران الخروج عن الملة، وحملهم على هذا التأويل ما ذكرته من إجراء أحكام الإسلام عليهم، وقال الإمام الذهبي -رحمه الله: “هذا دال على مذهب أبي عبد الله -يعني: الشافعي- أن الخطأ في الأصول ليس كالخطأ في الاجتهاد في الفروع، فهؤلاء أئمة كبار من الشافعية وغيرهم، وهم أعرف بمذهب الشافعي، ومراده من هذا الحبشي الذي اتخذ من القصة دليلًا على التكفير بالتعيين مطلقًا، وليس فيها دليلًا على ما يريده من تكفير لعلماء المسلمين وغيرهم بالتعيين.

وعلى فرض أن الشافعي كفر حفصًا الفرد بعينه، فلقيام الدليل عنده على كفره؛ لاستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، لا كما يفعل الحبشي الذي أطلق التكفير بالتعيين على علماء أهل السنة، بل وبغير حق أو دليل. أما حديث ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) واستدلال الحبشي به على إطلاق تكفير المعين، فهذا حكم المرتد الذي توفرت فيه الشروط، وانتفت عنه الموانع، وحُكم بردته، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل.

error: النص محمي !!