Top
Image Alt

الجمع الثالث للقرآن، وهو ما حصل في عهد ذي النورين عثمان رضي الله عنه

  /  الجمع الثالث للقرآن، وهو ما حصل في عهد ذي النورين عثمان رضي الله عنه

الجمع الثالث للقرآن، وهو ما حصل في عهد ذي النورين عثمان رضي الله عنه

قال الزرقاني: اتسعت الفتوحات في زمن عثمان رضي الله عنه واستبحر العمران، وتفرق المسلمون في الأمصار والأقطار، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسةِ القرآن وطالَ عهد الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم والوحي والتنزيل، وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود، وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء، ووجوه القراءة بطريقة فتحت باب الشقاق، والنزاع في قراءة القرآن، أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف؛ بل كان هذا الشقاق أشد؛ لبعد عهد هؤلاء بالنبوة، وعدم وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم يطمئنون إلى حكمه، ويصدرون جميعا عن رأيه، واستفحل الداء حتى كفر بعضهم بعضًا، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير، ولم يقف هذا الطغيان عند حد؛ بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية حتى الحجاز والمدينة، وأصاب الصغار والكبار على سواء.

أخرج ابن أبي داود، في المصاحف من طريق أبي قلابة، أنه قال: لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم يعلِّم قراءة الرجل والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بعضًا فبلغ ذلك عثمان، فخطب، فقال: أنتم عندي تختلفون فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافًا.

وصدق عثمان؛ فقد كانت الأمصار النائية أشد اختلافًا ونزاعًا من المدينة والحجاز، وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار، إذا جمعتهم المجامع أو التقوا على جهاد أعدائهم يعجبون من ذلك، وكانوا يمعنون في التعجب والإنكار كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن، وأدى بهم التعجب إلى الشك والمداجاة، ثم إلى التأثيم والملاحاة، وتيقظت الفتنة التي كادت تطيح فيها الرؤوس وتسفك الدماء، وتقود المسلمين إلى مثلِ اختلافِ اليهودِ والنصارى في كتابهم، كما أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، لم تكن معروفة لأهل تلك الأمصار، ولم يكن من السهل عليهم أن يعرفوها كلها حتى يتحاكموا إليها فيما يختلفون؛ إنما كان كل صحابي في إقليم يقرئهم بما يعرف فقط من الحروف التي نزل عليها القرآن، ولم يكن بين أيديهم مصحف جامع يرجعون إليه فيما شجر بينهم من هذا الخلاف والشقاق البعيد؛ لهذه الأسباب والأحداث رأى عثمان بثاقب رأيه، وصادق نظره أن يتدارك الخرق قبل أن يتسع على الراقع، وأن يستأصل الداء قبل أن يعز الدواء، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم، وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة، ووضع حدًّا لذلك الاختلاف، وحسم مادة هذا النزاع؛ فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف يرسل منها إلى الأمصار، وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها وألا يعتمدوا سواها، وبذلك يرأب الصدع ويجبر الكسر، وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية، نورهم الهادي في ظلام هذا الاختلاف، ومصباحهم الكشاف في ليل تلك الفتنة، وحكمهم العدل في ذاك النزاع والمراء، وشفاءهم الناجع من مصيبة ذلك الداء.

قال الحاكم‏:‏ والجمع الثالث، هو ترتيب السور في زمن عثمان‏.‏

فروى البخاري عن أنسٍ رضي الله عنه: أن حذيفةَ بنَ اليمانِ قدمَ إلى عثمانَ، وكان يغازي أهلَ الشامِ في أرمينية وأذربيجان مع أهلِ العراقِ، فأفزَعَ حذيفةَ اختلافُهم في القرآنِ، فقال حذيفةُ لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنينَ، أدركْ هذه الأمةَ قبلَ أن يختلفوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارى، فأرسل عثمانُ إلى حفصةَ أن أرسِلي إلينا بالصحفِ ننسَخُها في المصاحفِ ثم نردُّها إليكِ، فأرسلتْ بها حفصةُ إلى عثمانَ، فأمرَ زيدَ بنَ ثابتٍ وعبدَ الله بنَ الزبيرِ، وسعيدَ بنَ العاصِ، وعبدَ الرحمنِ بنَ الحارثِ بنِ هشامٍ، فنَسخوها في المصاحفِ، وقال عثمانُ للرَّهْطِ القُرَشِيّين الثلاثةِ: إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بنُ ثابتٍ في شيءٍ من القرآنِ، فاكتبوه بلسانِ قريشٍ؛ فإنما نزلَ بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحفَ في المصاحفِ، ردَّ عثمانُ الصحفَ إلى حفصةَ، فأرسلَ إلى كلِّ أُفُقٍ بمصحفٍ مما نسخوا، وأمرَ بكلِّ ما سواه من القرآنِ في كلِّ صحيفةٍ، أو مصحفٍ أن يحرَّقَ.

تنبيه:

جاء في آخر هذه الرواية، قوله: قال زيد: ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: {مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب:23]، فألحقناها في سورتها في المصحف‏.

‏قال ابن حجر، في رواية الزهري: حديث جمع أبي بكر عن زيد بن ثابت، هذا هو الصحيح عن الزهري: أن قصة زيد بن ثابت مع أبي بكر، وعمر عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت، وقصة حذيفة مع عثمان عن أنس بن مالك , وقصة فقد زيد بن ثابت آية من سورة الأحزاب، في رواية عبيد بن السباق عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه , وقد رواه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن الزهري، فأدرج قصة آية سورة الأحزاب في رواية عبيد بن السباق, وأغرب عمارة بن غزية فرواه عن الزهري، فقال: “عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه”، وساق القصص الثلاث بطولها: قصة زيد مع أبي بكر وعمر; ثم قصة حذيفة مع عثمان أيضًا, ثم قصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب، أخرجه الطبري, وبين الخطيب، في (المدرج)، أن ذلك وَهْمٌ منه، وأنه أدرج بعض الأسانيد على بعض.

وقال ابن حجر أيضًا: ‏قوله: “حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري”.

‏‏وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد: “مع خزيمة بن ثابت”، أخرجه أحمد، والترمذي.

ووقع في رواية شعيب عن الزهري -كما تقدم في سورة التوبة- “مع خزيمة الأنصاري”، وقد أخرجه الطبراني، في (مسند الشاميين)، من طريق أبي اليمان عن شعيب، فقال فيه: “خزيمة بن ثابت الأنصاري”، وكذا أخرجه ابن أبي داود من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب, وقول من قال عن إبراهيم بن سعد: “مع أبي خزيمة”، أصح, وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة التوبة، وأن الذي وجد معه آخر سورة التوبة غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب, فالأول اختلف الرواة فيه على الزهري، فمن قائل: “مع خزيمة”، ومن قائل: “مع أبي خزيمة”، ومن شاك فيه يقول: “خزيمة، أو أبي خزيمة”، والأرجح: أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة، هو أبو خزيمة بالكنية, والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة.

وأبو خزيمة، قيل: هو ابن أوس بن يزيد بن أصرم، مشهور بكنيته دون اسمه, وقيل: هو الحارث بن خزيمة، وأما خزيمة، فهو ابن ثابت ذو الشهادتين.

قلت: هكذا قال ابن حجر، وهذا كله فيه نظر واسع؛ بل إنني أتعجب من محاولة الجمع على أنها قصتان، وأنهما رجلان مع وضوح استحالة ذلك.

والصواب: أنها قصة واحدة، وأن زيدًا وجد الجميع عند خزيمة بن ثابت -أعني: أواخر التوبة، وآية الأحزاب- فبعضهم ذكر التوبة، والبعض الآخر ذكر الأحزاب، والاختلاف في الأسانيد، والاسم خلط أو وَهْمٌ من بعض الرواة.

والدليل على ذلك ما يلي:

أولًا: الجمع بمعنى تتبع آيات القرآن مكتوبة، ومحفوظة في الصدور، إنما كان في جمع أبي بكر، وانتهى ذلك تمامًا في عهده، واتفقت الأمة على أن ما جمع هو القرآن، وأجمعت على ذلك فلا زيادة فيه ولا نقصان.

ثانيًا: نص حديث جمع عثمان واضح في أن الأمر لا يعدو نسخ ما كان في الصحف عند حفصة، ولا يوجد إعادة للبحث عن السور، والآيات مرةً أخرى.

ثالثًا: حديث جمع أبي بكر؛ إنما هو من رواية زيد بن ثابت وحديث جمع عثمان؛ إنما هو من رواية أنس.

ويلاحظ أن الراوي أدرج جزءًا من حديث زيد في نهاية حديث أنس، ولم يذكر هل كان ذلك في جمع أبي بكر، أو في جمع عثمان، إلا أن سوقه لهذا الجزء من حديث زيد بعد حديث أنس، أوهم أن ذلك كان في جمع عثمان، وليس كذلك.

رابعًا: أيعقل أن يتكرر في الجمعين أن تفقد آية، وأن يكون زيد حافظًا لها، وأن كل آية لا توجد إلا عند رجل واحد، وأن كلًّا من الرجلين يكون اسمه فيه لفظ خزيمة، وأن يكون كل رجل منهما شهادته تعدل شهادة رجلين؟

وكيف هذا، والحديث الوارد في ذلك إنما يتعلق برجل واحد شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

فقد أخرج الطبراني، وغيره عن خزيمة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسًا من سواد بن الحارث فجحده , فشهد له خزيمة بن ثابت، فقال له: بم تشهد ولم تكن حاضرًا؟ قال: بتصديقك، وأنك لا تقول إلا حقًّا، ‏فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من شهد له خزيمة، أو عليه فحسبه)).

‏وهكذا استنسخَ عثمانُ المصاحفَ، وبعثَ بالمصاحفِ التي اسْتَنْسَخَها إلى الأمصارِ؛ ليَحْسُمَ بها أيَّ اختلافٍ يقعُ بسببِ مصحفٍ كتبه بعضُهم لنفسِه، فأدْرَجَ فيه بعضَ التفسيرِ، أو ألفاظًا منسوخةً، أو خطأ وقعَ منه أثناءَ الكتابةِ بسببِ عَدَمِ الدِّقَّةِ، ويدفعُ بها أيضًا الأخطاءَ الناشئةَ عن الوهمِ في حفظِ بعضِ الحفاظِ، ونحوَ ذلك.

قال ابن حجر‏:‏ وكان ذلك في سنة خمس وعشرين‏.‏

قال‏:‏ وغفل بعض من أدركناه فزعم أنه كان في حدود سنة ثلاثين، ولم يذكر له مستندًا

وأخرج ابن أشتة من طريق أيوب عن أبي قلابة، قال‏:‏ حدثني رجل من بني عامر، يقال له: أنس بن مالك، قال‏:‏ اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فقال‏:‏ عندي تكذبون به، وتلحنون فيه فمن نأى عني كان أشد تكذيبًا، وأكثر لحنًا، يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إمامًا، فاجتمعوا فكتبوا فكانوا إذا اختلفوا وتدارءوا في أيِّ آيةٍ، قالوا: هذه أقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلانًا، فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كذا وكذا؟ فيقول: كذا وكذا فيكتبونها، وقد تركوا لذلك مكانًا‏.‏

وأخرج ابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح، قال‏:‏ لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار، فبعثوا إلى الرقعة التي في بيت عمر فجيء بها، وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه‏.‏

قال محمد‏:‏ فظننت أنما كانوا يؤخرونه؛ لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة فيكتبونه على قوله‏.

وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة، قال‏:‏ قال عليٌّ: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذه يكاد يكون كفرًا؟ قلنا‏:‏ فما ترى؟ قال‏:‏ أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا‏:‏ فنعم ما رأيت‏.‏

قال ابن التين، وغيره‏:‏ الفرق بين جمع أبي بكر، وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وجمع عثمان المصحف؛ لأنه كان  يكثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات؛ فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش؛ محتجًا بأنه نزل بلغتهم وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم؛ رفعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة‏.‏

وقال الحارث المحاسبي‏:‏ المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك، فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق، وقد قال عليّ‏:‏ لو وليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان‏.‏

قلت: إذا كان مقصد قائل هذا الكلام أن جمع عثمان اقتصر فيه على قراءة واحدة فهذا خَطَأٌ بَيِّنٌ؛ وإنما ضبط فيه عثمان أوجه القراءات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك ما عداها مما ظهر خطؤه أو نسخه.

قال القاضي أبو بكر، في (الانتصار)‏:‏ لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين؛ وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه؛ خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد‏.‏

قال الزرقاني: ومما تواضع عليه هؤلاء الصحابة أنهم كانوا لا يكتبون في هذه المصاحف إلا ما تحققوا أنه قرآن، وعلموا أنه قد استقر في العرضة الأخيرة، وما أيقنوا صحته عن النبي صلى الله عليه وسلم مما لم ينسخ، وتركوا ما سوى ذلك، نحو قراءة فامضوا إلى ذكر الله، بدل كلمة “فاسعوا”، ونحو: “وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا”، بزيادة كلمة صالحة إلى غير ذلك؛ وإنما كتبوا مصاحف متعددة؛ لأن عثمان رضي الله عنه قصد إرسال ما وقع الإجماع عليه إلى أقطار بلاد المسلمين، وهي الأخرى متعددة وكتبوها متفاوتة في إثبات وحذف وبدل وغيرها؛ لأنه رضي الله عنه قصد اشتمالها على الأحرف السبعة، وجعلوها خالية من النقط والشكل؛ تحقيقا لهذا الاحتمال أيضًا، فكانت بعض الكلمات يقرأ رسمها بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل، نحو: فتبينوا من قوله تعالى: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوَاْ} [الحُجُرات:6]، فإنها تصلح أن تقرأ: فتثبتوا، عند خلوها من النقط والشكل، وهي قراءة أخرى.

وكذلك كلمة: ننشرها من قوله تعالى: {لِلنّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} [البقرة:259]، فإن تجردها من النقط والشكل كما ترى يجعلها صالحة عندهم أن يقرؤوها: ننشزها بالزاي، وهي قراءة واردة أيضًا، وكذلك كلمة: “أف”، التي ورد أنها تقرأ بسبعة وثلاثين وجهًا.

أما الكلمات التي لا تدل على أكثر من قراءة عند خلوها من النقط والشكل، مع أنها واردة بقراءة أخرى أيضًا، فإنهم كانوا يرسمونها في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي بعض آخر برسم آخر يدل على القراءة الثانية، كقراءة “وصَّى”، بالتضعيف، و “أوصى”، بالهمز، وهما قراءتان، في قوله سبحانه: {وَوَصّىَ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة:132].

وكذلك قراءة “تحتها الأنهار”، وقراءة “من تحتها الأنهار”، بزيادة لفظ “من”، في قوله تعالى في سورة التوبة: {وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100]، وهما قراءتان أيضًا.

وصفوة القول:

أن اللفظ الذي لا تختلف فيه وجوه القراءات كانوا يرسمونه بصورة واحدة لا محالة، أما الذي تختلف فيه وجوه القراءات، فإن كان لا يمكن رسمه في الخط محتملًا لتلك الوجوه كلها، فإنهم يكتبونه برسم يوافق بعض الوجوه في مصحف، ثم يكتبونه برسم آخر يوافق بعض الوجوه الأخرى في مصحف آخر، وكانوا يتحاشون أن يكتبوه بالرسمين في مصحف واحد؛ خشية أن يتوهم أن اللفظ نزل مكررًا بالوجهين في قراءة واحدة، وليس كذلك بل هما قراءتان نزل اللفظ في إحداهما بوجهٍ واحدٍ، وفي الثانية بوجهٍ آخرَ من غير تكرار في واحدة منهما وكذلك كانوا يتحاشون أن يكتبوا هذا اللفظ في مصحف واحد برسمين أحدهما في الأصل، والآخر في الحاشية؛ لئلا يتوهم أن الثاني تصحيح للأول، أضف إلى ذلك أن كتابة أحدهما في الأصل، والآخر في الحاشية دون العكس تحكم، أو ترجيح بلا مرجح، وذلك نحو كلمة وصى بالتضعيف، وأوصى بالهمز -كما سبق- أما اللفظ الذي تختلف فيه القراءات ويدل عليه الرسم بصورة واحدة تحتمل هذا الاختلاف، ويساعدهم عليه ترك الإعجام والشكل، نحو: “فتبينوا”، و”ننشزها”، فتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين شبيهة بدلالة المشترك اللفظي على كلا المعنيين المعقولين، والذي دعا الصحابة إلى انتهاج هذه الخطة في رسم المصاحف، وكتابتها أنهم تلقوا القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع وجوه قراءاته، وبكافة حروفه التي نزل عليها، فكانت هذه الطريقة أدنى إلى الإحاطة بالقرآن على وجوهه كلها، حتى لا يقال: إنهم أسقطوا شيئًا من قراءاته، أو منعوا أحدًا من القراءة بأي حرفٍ شاء، على حين أنها كلها منقولة نقلًا متواترًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا))، وكان من الدستور الذي وضعه عثمان رضي الله عنه لهم في هذا الجمع أيضًا أنه قال لهؤلاء القرشيين: “إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

فهذا شأنُ كتابةِ القرآنِ من عهدِه صلى الله عليه وسلم إلى أن اشتهرتْ في الأمصارِ. والكتابةُ الموجودةُ الآنَ في المصاحفِ، والمسماةُ بالرسمِ العثمانيِّ، هي عينُها التي أجمعَ عليها أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عهدِ عثمانَ، وقد حُفِظَتْ لنا حفظًا عجيبًا، حتى إن الهمزةَ الساقطةَ فيها ساقطةٌ عندنا، والواوَ الزائدةَ زائدةٌ عندنا، والألفَ المحذوفةَ محذوفةٌ عندنا، والحرفينِ المتصلَين متصلانِ عندنا، والحرفينِ المنفصِلَينِ منفصلان عندَنا، وهلمَّ جرا، وقد ألحِقَتْ الحروفُ الساقطةُ بخطٍ صغيرِ، ونُبِّهَ على الحروفِ الزائدةِ بعلاماتٍ معينة، وذلك في الطبعاتِ الحديثِةِِ لتيسيرِ القراءةِ على الناسِ، وكانتْ قبلَ ذلكَ تلحَقُ بالمدادِ الأحمرِ.

فأما الأولُ: فيُسمّى علمَ رسمِ المصحَفِ وقد صُنِّفَتْ فيه الكتبُ وروى أصحابها بأسانيدِهم عمن رأَوْا مصاحفَ عثمانَ وكيفيةَ كتابتٍها.

وأما الثاني: فيُسمَّى علمَ ضبطَِ المصحف، وفيه كيفيةُ النَّقْطِ والشَّكْلِ وغيرُ ذلكَ، حيثُ إن الكتابةَ الأولى لم تكنْ منقوطةً ولا مشِكَّلةً.

وقد اختلفت آراء العلماء حول الرسم العثماني على آراء ثلاثة:

الأول: أن الرسم العثماني ليس توقيفًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه اصطلاح ارتضاه عثمان، وتلقته الأمة بالقبول، فيجب التزامه والأخذ به، ولا يجوز مخالفته.

الثاني: أن رسم المصحف اصطلاحي لا توفيقي، وعليه فيجوز مخالفته.

الثالث: أنه توقيفي لا يجوز مخالفته، وهو مذهب الجمهور.

واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كُتاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن كله بهذا الرسم، وقد أقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على كتابتهم وقضى عهده صلى الله عليه وسلم والقرآن على هذه الكتبة لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل.

وقد ذهب جمهور العلماء: إلى منع كتابة المصحف بما استحدث الناس من قواعد الإملاء، للمحافظة على نقل المصحف بالكتابة على الرسم نفسه الذي كتبه الصحابة.

وقد صرح الإمام أحمد فيه بالتحريم، فقال: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك.

وسئل الإمام مالك: هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتابة الأولى.

وجاء في الفقه الشافعي: إن رسم المصحف سنة متبعة.

وجاء في الفقه الحنفي: أنه ينبغي ألا يكتب بغير الرسم العثماني.

وقال الإمام أبو عمرو الداني: ولا مخالف له من علماء الأمة.

وهكذا اتخذت الأمة الإسلامية الرسم العثماني سُنَّةً متبعةً إلى عصرنا هذا، كما قال البيهقي، في (شعب الإيمان): واتباع حروف المصاحف عندنا، كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها.

وهناكَ جماعةً من أهلِ العلمِ ذهبوا إلى أن الرسم يتضمنُ إعجازًا من وجوهٍ عدَّةٍ، علَمِها من عَلمها وجَهِلَها من جهلها.

وما زالتْ الأمةُ الإسلاميةُ إلى الآنَ بعدَ انصرامِ أربعةَ عشرَ قرنًا، متمسكةً بما كان عليه سلفُها من المنعِ من كتابةِ المصحفِ بغيرِ الرسمِ العثمانيِّ، وهذا في حدِّ ذاتِه طعنةٌ في نحورِ أعداءِ هذا الدينِ، حيث إنه لا درجةَ أعلى من ذلكَ في الحفظِ، وإذا حُفِظَتْ طريقةُ الكتابةِ، فما بالُكَ بالمكتوبِ؟

وقد كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل اعتمادًا على السليقة العربية التي لا تحتاج إلى مثل ذلك، وظلت هكذا حتى دخلت العجمة بكثرة الاختلاط، وتطرق اللحن إلى اللسان العربي، عندئذ أحسَّ أولو الأمر بضرورة تحسين كتابة المصاحف بالتنقيط والشكل والحركات مما يساعد على القراءة الصحيحة.

واختلف العلماء في الذي قام بوضع الشكل للمصحف، فمنهم من قال: أبو الأسود الدؤلي، الذي ينسب إليه وضع ضوابط اللغة العربية بأمر من علي بن أبي طالب.

يروى أنه سمع قارئًا يجر اللام، من “رسوله”، في قوله تعالى: {أَنّ اللّهَ بَرِيَءٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة:3]، فغير المعنى، ففزع لهذا اللحن وقال: الله عز وجل أن يبرأ من رسوله، فعندئذ قام بوضع ضوابط التشكيل؛ حفاظًا عليه من اللحن.

ومن العلماء من قال: أول من شكل المصحف: الحسن البصري، ويحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم الليثي بأمر من الحجاج.

فائدة:

اختلف في عدة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق، المشهور أنها خمسة‏.

‏وأخرج ابن أبي داود من طريق حمزة الزيات، قال‏:‏ أرسل عثمان أربعة مصاحف‏.‏

قال ابن أبي داود‏:‏ سمعت أبا حاتم السجستاني، يقول‏:‏ كتب عثمان سبعةَ مصاحف، فأرسل إلى مكة، والشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا‏.‏

تحريق عثمان للمصاحف والصحف المخالفة:

بعد أن أتم عثمان نسخ المصاحف بالصورة السابقة، عمل على إرسالها وإنقاذها إلى الأقطار، وأمر أن يحرق كل ما عداها مما يخالفها، سواء كانت صحفًا، أو مصاحف؛ وذلك ليقطع عرق النزاع من ناحية، وليحمل المسلمين على الجادة في كتاب الله من ناحية أخرى، فلا يأخذوا إلا بتلك المصاحف التي توافر فيها من المزايا ما لم يتوافر في غيرها وهذه المزايا هي:

  1. 1.  الاقتصار على ما ثبت بالتواتر، دون ما كانت روايته آحادا .
  2. 2.  إهمال ما نسخت تلاوته، ولم يستقر في العرضة الأخيرة.
  3. 3.  ترتيب السور والآيات على الوجه المعروف الآن، بخلاف صحف أبي بكر رضي الله عنه فقد كانت مرتبة الآيات دون السور.
  4. 4.  كتابتها بطريقة كانت تجمع وجوه القراءات المختلفة، والأحرف التي نزل عليها القرآن.
  5. 5.  تجريدها من كل ما ليس قرآنا، كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة؛ شرحا لمعنى، أو بيانا لناسخ ومنسوخ أو نحو ذلك.

وقد استجاب الصحابة لعثمان؛ فحرقوا مصاحفهم، واجتمعوا جميعًا على المصاحف العثمانية، حتى عبد الله بن مسعود الذي نقل عنه أنه أنكر أولا مصاحف عثمان، وأنه أبى أن يحرق مصحفه، رجع وعاد إلى حظيرة الجماعة حين ظهر له مزايا تلك المصاحف العثمانية، واجتماع الأمة عليها وتوحيد الكلمة بها.

وبعدئذ طهر الجو الإسلامي من أوبئة الشقاق والنزاع، وأصبح مصحف ابن مسعود، ومصحف أبي بن كعب، ومصحف عائشة، ومصحف علي، ومصحف سالم مولى أبي حذيفة، أصبحت كلها وأمثالها في خبر كان مغسولة بالماء أو محروقة بالنيران {وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} [الأحزاب:25]، ورضي الله عن عثمان، فقد أرضى بذلك العمل الجليل ربه، وحافظ على القرآن، وجمع كلمة الأمة، وأغلق باب الفتنة، ولا يبرح المسلمون يقطفون من ثمار صنيعه هذا إلى اليوم، وما بعد اليوم.

ولن يقدح في عمله هذا أنه أحرق المصاحف والصحف المخالفة للمصاحف العثمانية، فقد علمت وجهة نظره في ذلك على أنه لم يفعل ما فعل من هذا الأمر الجلل إلا بعد أن استشار الصحابة واكتسب موافقتهم؛ بل وظفر بمعاونتهم وتأييدهم وشكرهم، وقد ذكرنا قبل ذلك قول علي رضي الله عنه ومدحه لذلك.

فذلكة:

تستطيع مما سبق أن تفرق بين مرات جمع القرآن في عهوده الثلاثة عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر، وعهد عثمان رضي الله عنه فالجمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان عبارة عن كتابة الآيات وترتيبها ووضعها في مكانها الخاص من سورها، ولكن مع بعثرة الكتابة، وتفرقها بين عسب، وعظام، وحجارة، ورقاع ونحو ذلك، حسبما تتيسر أدوات الكتابة، وكان الغرض من هذا الجمع، زيادة التوثق للقرآن، وإن كان التعويل أيامئذ على الحفظ والاستظهار.

أما الجمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه فقد كان عبارة عن نقل القرآن وكتابته في صحف، مرتب الآيات أيضًا مقتصرا فيه على ما لم تنسخ تلاوته، مستوثقا له بالتواتر والإجماع، وكان الغرض منه تسجيل القرآن، وتقييده بالكتابة مجموعا مرتبا؛ خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفاظه.

وأما الجمع في عهد عثمان رضي الله عنه فقد كان عبارة عن نقل ما في تلك الصحف في مصحف واحد إمام، واستنساخ مصاحف منه ترسل إلى الآفاق الإسلامية ملاحظا فيها تلك المزايا السالف ذكرها، مع ترتيب سوره وآياته جميعا، وكان الغرض منه إطفاء الفتنة التي اشتعلت بين المسلمين حين اختلفوا في قراءة القرآن، وجمع شملهم وتوحيد كلمتهم، والمحافظة على كتاب الله من التغيير والتبديل {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس:64].

error: النص محمي !!