Top
Image Alt

الجمع الثاني للقرآن، وهو ما حصل في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه

  /  الجمع الثاني للقرآن، وهو ما حصل في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه

الجمع الثاني للقرآن، وهو ما حصل في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه

يقول الزرقاني: ألقت الخلافة قيادها إلى أبي بكر رضي الله عنه بعد غروب شمس النبوة، وواجهت أبا بكر في خلافته هذه الأحداث الشداد والمشاكل الصعاب, منها موقعة اليمامة سنة  (اثنتي عشرة) للهجرة، وفيها دارت رحى الحرب بين المسلمين، وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب، وكانت معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير من قُرَّاءِ الصحابة وحفظتهم للقرآن، ينتهي عددهم إلى السبعين، وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة، من أَجَلِّهِم سالم مولى أبي حذيفة، ولقد هال ذلك المسلمين، وعز الأمر على عمر، فدخل على أبي بكر وأخبره الخبر، واقترح عليه أن يجمع القرآن؛ خشية الضياع بموت الحفاظ، وقتل القراء فتردد أبو بكر أول الأمر؛ لأنه كان وقَّافًا عند حدود ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فخاف أن يجره التجديد إلى التبديل، أو يسوقه الإنشاء والاختراع إلى الوقوع في مهاوي الخروج والابتداع، ولكنه بعد مفاوضة بينه وبين عمر تجلى له وجه المصلحة؛ فاقتنع بصواب الفكرة، وشرح الله لها صدره، وعلم أن ذلك الجمع الذي يشير به عمر، ما هو إلا وسيلة من أعظم الوسائل النافعة إلى حفظ الكتاب الشريف، والمحافظة عليه من الضياع والتحريف، وأنه ليس من محدثات الأمور الخارجة ولا من البدع، والإضافات الفاسقة؛ بل هو مستمد من القواعد التي وضعها الرسول بتشريع كتابة القرآن، واتخاذ كتاب للوحي، وجمع ما كتبوه عنده حتى مات صلى الله عليه وسلم.

فاهتم أبو بكر بتحقيق هذه الرغبة، ورأى بنور الله أن يندب لتحقيقها رجلًا من خيرةِ رجالاتِ الصحابةِ، وهو زيد بن ثابت رضي الله عنه لأنه اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن، ما لم يجتمع في غيره من الرجال؛ إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كُتَّابِ الوحيِّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته صلى الله عليه وسلم وكان فوق ذلك معروفًا بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه، فاستشار أبو بكر عمر في هذا فوافقه، وجاء زيد فعرض أبو بكر عليه الفكرة، ورغب إليه أن يقوم بتنفيذها، فتردد زيد أول الأمر ولكن أبا بكر ما زال به يعالج شكوكه، ويبين له وجه المصلحة حتى اطمأن، واقتنع بصواب ما ندب إليه، وشرع يجمع وأبو بكر وعمر، وكبار الصحابة يشرفون عليه ويعاونونه في هذا المشروع الجلل، حتى تم لهم ما أرادوا {وَيَأْبَىَ اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32].

فعن زيدٍ، قال: أرسَلَ إليَّ أبو بكرٍ الصديقُ مقتَلَ أهلِ اليمامةِ، فإذا عمرُ بنُ الخطابِ عندَه، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: إن عمرَ أتاني فقال: إنَّ القَتْلَ قد اسْتَحَرَّ يومَ اليمامةِ بقراءِ القرآنِ، وإني أخشى إن استَحَرَّ القتلُ بالقراءِ بالمواطِنِ، فيذهبَ كثيرٌ من القرآنِ، وإني أرى أن تأمرَ بجَمْعِ القرآنِ، قلتُ لعمرَ: كيفَ نفعلُ شيئًا لم يفْعَلْه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمرُ: هذا واللهِ خيرٌ، فلمْ يزلْ عمرُ يراجعُني حتى شَرَحَ الله صدري لذلكَ، ورأيتُ في ذلك الذي رأى عمرُ، قال زيدٌ: قال أبو بكرٍ: إنكَ رجلٌ شابٌّ، عاقلٌ، لا نَتَّهِمُكَ، وقد كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فتَتَبَّعْ القرآنَ فاجْمَعْه، فوالله لو كَلَّفوني نقلَ جبلٍ من الجبالِ ما كانَ أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمعِ القرآنِ، قلتُ: كيف تفعلونَ شيئًا لم يفعلْه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، فلم يزلْ أبو بكرٍ يراجعُني حتى شرحَ الله صدري للذي شرحَ له صدرَ أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما فتتبعتُ القرآنَ أجمَعُه من العُسُبِ، واللِّخافِ، وصدورِ الرجالِ، حتى وجدتُ آخرَ سورةِ التوبةِ، مع أبي خزيمةَ الأنصاريِّ، لم أجدْها مع أحدٍ غيرِه: لقد جاءكم رسول من أنفسكم حتى خاتمة براءة، فكانت الصحفُ عندَ أبي بكرٍ حتى توفّاه الله، ثم عندَ عمرَ حياتَه، ثم عند حفصةَ بنتِ عمرَ رضي الله عنها.

وقد كانَ آخرَ براءةٍ محفوظًا لدى جمعٍ من الصحابةِ، منهم أبيُّ بنُ كعبٍ وغيرُه ممن جمعَ القرآنَ، ومنهم زيدٌ نفسُه الذي عَلِمَ بنقْصِها، ولكن كان المطلوبُ وجودَها مكتوبةً.

وثَمَّ آيةٌ أخرى من سورةِ الأحزابِ حصلَ فيها نفسُ الأمرِ، ووجدَها زيدٌ عندَ أبي خزيمةَ كذلكَ.

وأصل الرواية عند البخاري مدرجة في آخر قصة جمع عثمان، والصواب أنها في جمع أبي بكر.

قال الزرقاني: فهذا الحديث -كما ترى- يدل على مبلغ اهتمام كبار الصحابة بالمحافظة على القرآن، وعلى مبلغ ثقة أبي بكر، وعمر بزيد بن ثابت، وعلى جدارة زيد بهذه الثقة؛ لتوافر تلك المناقب التي ذكرها فيه أبو بكر، ويؤيد ورعه ودينه وأمانته، قولُهُ: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، ويشهد بوفرة عقله تردده وتوقفه أول الأمر، ومناقشته لأبي بكر حتى راجعه أبو بكر، وأقنعه بوجه الصواب، وينطق بدقة تحريه، قوله: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال رضي الله عنهم.

وأخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال‏:‏ قدم عمر، فقال‏:‏ من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح، والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهيدان، وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا حتى يشهد به من تلقاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظ، فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط‏.‏

وأخرج ابن أبي داود أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه، أن أبا بكر، قال لعمر، ولزيد‏:‏ اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه‏.

‏قال السيوطي: رجاله ثقات مع انقطاعه‏.‏

قال السخاوي، في جمال القراء‏:‏ المراد: أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المراد: أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن‏.‏

قال أبو شامة‏:‏ وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ‏.‏

قال‏:‏ ولذلك قال في آخر سورة التوبة‏:‏ لم أجدها مع غيره‏:، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة‏.‏

قال السيوطي‏:‏ أو المراد: أنهما يشهدان على ذلك مما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم عام وفاته.

وقد أخرج ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد، قال‏:‏ أول من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل، وإن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع أبي خزيمة بن ثابت، فقال‏:‏ اكتبوها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين فكتبت، وإن عمر، أتى بآية الرجم فلم يكتبها؛ لأنه كان وحده‏.‏

قال الحافظُ ابنُ حَجَر -شارحًا للآثارِ الواردةِ في اشتراطِهم في الجمعِ وجودَ شاهدينِ على ما سجَّلوه-: “كأنَّ المرادَ بالشاهدينِ: الحفظُ، والكتابُ، أو أن ذلك هو المكتوبُ بينَ يديْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أو المرادَ: أنهما يشهدان على أن ذلكَ من الوجوهِ التي نَزَلَ بها القرآنُ، وكان غرضُهم ألا يُكْتَبَ إلا من عينِ ما كُتِبَ بين يديْ النبيِّ صلى الله عليه وسلملا من مجرَّدِ الحِفْظِ”.

قال السيوطي: وقد تقدم في حديث زيد، أنه جمع القرآن من العسب، واللخاف‏،‏ وفي رواية: ‏والرقاع، ‏وفي أخرى‏:‏ وقطع الأديم‏، وفي أخرى‏:‏ والأكتاف‏، وفي أخرى‏:‏ والأضلاع‏، وفي أخرى‏:‏ والأقتاب‏.‏

والعسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض‏.

‏واللخاف -بكسر اللام، وبخاء معجمة خفيفة، آخره فاء- جمع لخفة بفتح اللام، وسكون الخاء، وهي الحجارة الدقاق‏.

وقال الخطابي‏:‏ صفائح الحجارة.

والرقاع: جمع رقعة، وقد تكون من جلد، أو ورق، أو كاغد‏.‏

والأكتاف: جمع كتف، وهو العظم الذي للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا عليه‏.‏

والأقتاب: جمع قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير؛ ليركب عليه‏.

وفي (موطأ ابن وهب)، عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عبد الله بن عمر، قال‏:‏ جمع أبو بكر القرآن في قراطيس، وكان سأل زيد بن ثابت في ذلك، فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل‏.‏

وفي (مغازي) موسى بن عقبة عن ابن شهاب، قال‏:‏ لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كانوا معهم عندهم، حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في المصحف‏.

قال ابن حجر‏:‏ ووقع في رواية عمارة بن غزية: أن زيد بن ثابت، قال‏:‏ فأمرني أبو بكر، فكتبته في قطع الأديم، والعسب، فلما توفي أبو بكر، وفي عهد عمر كتبت ذلك في صحيفة واحدة، فكانت عنده.

قال‏:‏ والأول أصح؛ إنما كان في الأديم، والعسب أولًا قبل أن يجمع في عهد أبي بكر، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة‏.‏

قال الزرقاني: وانتهج زيد في القرآن طريقةً دقيقةً محكمةً، وضعها له أبو بكر، وعمر فيها ضمان لحياطة كتاب الله بما يليق به من تثبت بالغ، وحذر دقيق، وتحريات شاملة، فلم يكتف بما حفظ في قلبه، ولا بما كتب بيده، ولا بما سمع بأذنه؛ بل جعل يتتبع ويستقصي آخذًا على نفسه أن يعتمد في جمعه على مصدرين اثنين، أحدهما ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني ما كان محفوظًا في صدور الرجال، وبلغ من مبالغته في الحيطة والحذر، أنه لم يقبل شيئًا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان أنه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت: وهكذا تمَّ جمعُ المصحفِ مع توافرِ الشرطينِ: الحفظِ في الصدورِ، والكتابةِ في السطورِ، والحمدُ لله ربِ العالمينَ.

قال السيوطي: وأخرج ابن أبي داود، في المصاحف بسندٍ حسنٍ عن عبد خير، قال‏:‏ سمعت عليًّا، يقول‏:‏ أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر -رحمة الله على أبي بكر- فهو أول من جمع كتاب الله‏.‏

لكن أخرج أيضًا من طريق ابن سيرين، قال‏:‏ قال علي‏:‏ لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليت أن لا آخذ علي ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعته‏.‏

قال ابن حجر‏:‏ هذا الأثر ضعيف لانقطاعه، وبتقدير صحته فمراده بجمعه: حفظه في صدره‏.‏

قال السيوطي‏:‏ قد ورد من طريق آخر أخرجه ابن الضريس في فضائله‏:‏ حدثنا بشر بن موسى حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عون عن محمد بن سيرين، عن عكرمة، قال‏:‏ لما كان بعد بيعة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته، فقيل لأبي بكر‏:‏ قد كره بيعتك فأرسل إليه، فقال‏:‏ أكرهت بيعتي؟ قال‏:‏ لا والله، قال‏:‏ ما أقعدك عني؟ قال‏:‏ رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه، قال له أبو بكر‏:‏ فإنك نعم ما رأيت؛ قال محمد‏:‏ فقلت لعكرمة‏:‏ ألفوه كما أنزل الأول فالأول‏؟

قال‏:‏ لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا‏.‏

قلت: هذا الأثر من مراسيل عكرمة، وقد نص العلماء: أن مراسيله ضعيفة، بالإضافة إلى أن الذي عند ابن الضريس، هو: عن محمد بن سيرين، عن عكرمة، فيما أحسب… فذكره.

فيضاف إلى ذلك، الشك في إسناده أيضًا.

وأخرجه ابن أشتة، في المصاحف من وجهٍ آخرَ عن ابن سيرين، وفيه أنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين، قال‏:‏ تطلبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه.

قلت: قد اجتمعت الطرق في ابن سيرين -رحمه الله- ولا نعرف من أخبره بذلك متصلًا إلى علي رضي الله عنه فهو كما قال ابن حجر ضعيف لانقطاعه، ولو صح قول ابن سيرين الأخير كان دليلًا على عدم ثبوت هذه القصة فإنه واضح في عدم وجود هذا الكتاب.

وقال الزرقاني: إن هذه الرواية وأشباهها لا تغير بحثنا، ولا تعكر صفو موضوعنا؛ فقصاراها أنها تثبت أن عليًّا أو بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف، لكنها لا تعطي هذا المصحف تلك الصفة الإجماعية، ولا تخلع عليه تلك المزايا التي للصحف أو المصحف المجموع في عهد أبي بكر بل هي مصاحف فردية ليست لها تلك الثقة، ولا هذه المزايا، وإذا كانت قد سبقت في الوجود، وتقدم بها الزمان فإن جمع أبي بكر هو الأول من نوعه على كل حال، وقد اعترف علي بن أبي طالب نفسه بهذه الحقيقة، في الحديث الذي أخرجه ابن أبي داود، في المصاحف بسندٍ حسنٍ؛ إذ قال: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر -رحمة الله على أبي بكر- فهو أول من جمع كتاب الله، فهذا اعتراف صريح من أبي الحسن، بالأولية لجمع أبي بكر على النحو الآنف رضي الله عنه.

وأخرج ابن أبي داود من طريق الحسن أن عمر سأل عن آية من كتاب الله فقيل‏:‏ كانت مع فلان،  وقد قتل يوم اليمامة‏، فقال‏:‏ إنا لله, وإنا إليه راجعون، وأمر بجمع القرآن فكان أول من جمعه في المصحف‏.‏

قال السيوطي: إسناده منقطع، والمراد بقوله: فكان أول من جمعه، أي: أشار بجمعه‏.‏

قال‏:‏ ومن غريب ما ورد في أول من جمعه، ما أخرجه ابن أشتة، في كتاب المصاحف من طرق كهمس عن ابن بريدة، قال‏:‏ أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة، أقسم لا يرتدي رداءً حتى جمعه فجمعه، ثم ائتمروا ما يسمونه، فقال بعضهم‏:‏ سموه السفر، قال‏:‏ ذلك تسمية اليهود فكرهوه، فقال‏:‏ رأيت مثله بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف‏.

قال: إسناده منقطع أيضًا، وهو محمول على أنه كان أحد الجامعين بأمر أبي بكر‏.‏

وقال المحاسبي في كتاب فهم السنن‏:‏ كتابة القرآن ليست بمحدثة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقًا في الرقاع، والأكتاف، والعسب؛ فإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعًا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها قرآن منتشرًا فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء‏.

قال‏:‏ فإن قيل‏:‏ كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع، وصدور الرجال؟ قيل: لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز، ونظم معروف قد شاهدوا تلاوته من النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، فكان تزوير ما ليس منه مأمونا؛ وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحفه‏.

وقد امتاز هذا الجمع بمزايا:

أولها: أنها جمعت القرآن على أدق وجوه البحث، والتحري، وأسلم أصول التثبيت العلمي.

ثانيها: أنها اقتصر فيها على ما لم تنسخ تلاوته.

ثالثا: أنها ظفرت بإجماع الأمة عليها، وتواتر ما فيها.

قال الزرقاني: ولا يطعن في ذلك التواتر، ما مر من أن آخر سورة براءة لم يوجد إلا عند أبي خزيمة؛ فإن المراد: أنه لم يوجد مكتوبًا إلا عنده، وذلك لا ينافي أنه وجد محفوظًا عند كثرة غامرة من الصحابة بلغت حد التواتر، وقد قلنا غير مرة إن المعول عليه، وقتئذ كان هو الحفظ والاستظهار؛ وإنما اعتمد على الكتابة كمصدر من المصادر؛ زيادة في الاحتياط، ومبالغة في الدقة والحذر، ولا يعزبن عن بالك أن هذا الجمع كان شاملًا للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن؛ تيسيرًا على الأمة الإسلامية، كما كانت الأحرف السبعة في الرقاع كذلك.

ملاحظة:

جمع القرآن في صحف أو مصحف على ذلك النمط الآنف بمزاياه السابقة التي ذكرناها بين يديك لم يعرف لأحد قبل أبي بكر رضي الله عنه وذلك لا ينافي أن الصحابة كانت لهم صحف أو مصاحف كتبوا فيها القرآن من قبل، لكنها لم تظفر بما ظفرت به الصحف المجموعة على عهد أبي بكر من دقة البحث والتحري، ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، ومن بلوغها حد التواتر، ومن إجماع الأمة عليها، ومن شمولها للأحرف السبعة.

وأخيرًا: قد اعتمد الصحابة كلهم وبالإجماع القطعي هذا العمل، وهذا المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وتتابع عليه الخلفاء الراشدون كلهم، والمسلمون كلهم من بعده، وسجلوها لأبي بكر الصديق منقبة فاضلة عظيمة من مناقبه وفضائله.

error: النص محمي !!