Top
Image Alt

الجمع بين أقوال الفقهاء

  /  الجمع بين أقوال الفقهاء

الجمع بين أقوال الفقهاء

تبين مما سبق أن مقصود جميع الأقوال سواء بالغسل أو بالحرق أو بالدفن أو بالتمزيق أو بتفضيل شيء منها على الآخر؛ المقصود: هو حفظ كلام الله تعالى وصيانته عن الامتهان، والذي يظهر أن جميع ما ذكره العلماء من غسل أو حرق أو دفن جائز، كما يجوز الجمع بين أمرين أو أكثر مما ذكره العلماء؛ لأن كلًّا من هذه الأمور وَرَد فيه آثار عن السلف رضي الله عنهم؛ فمنهم من حرق، ومنهم من دفن، ومنهم من غسل، ومنهم من مزق.

وقد قال ابن حجر -رحمه الله- بعد أن أورد الروايات الدالة على التحريق والغسل والتمزيق في عهد عثمان رضي الله عنه: يجمع بأنه صنع بالصحف جميع ذلك؛ أي سيدنا عثمان صنع بالصحف جميع ذلك من تشقيق ثم غسل ثم تحريق، وقال في رواية أخرى: وفي رواية أبي قلابة؛ فلما فرغ عثمان من المصحف كتب إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم، والمحو يكون بالغسل أو التحريق وأكثر الروايات صريح في التحريق فهو الذي وقع، ويحتمل وقوع كل منهما؛ أي الغسل والتحريق بحسب ما رأى من كان بيده شيء من ذلك، فقول عثمان رضي الله عنه: “فامحوا ما عندكم”؛ يفيد عدم إلزامه لهم بطريقة مخصوصة في المحو مما يشعر بجواز المحو والإزالة بأي طريق تيسرت.

كما أنه لم يرد في تعيين أحد هذه الوسائل الحرق أو الدفن أو الغسل أو التمزيق وإلزام العمل به دون غيره؛ لم يرد دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع مما يؤكد أن مبنى هذه الوسائل كلها على الاجتهاد.

وقد قال ابن حجر رحمه الله: وهذا الحكم بالإحراق هو الذي وقع في ذلك الوقت، وأما الآن –أي: في عصر ابن حجر- فالغسل أولى لما دعت الحاجة أو لما دعت الحاجة إلى إزالته.

هذا الكلام يجعلنا نستشهد ببعض الأدلة التي وردت وهي ليست من القرآن الكريم ولا من السنة النبوية الصحيحة، لكنها اجتهادات يحكمها بعض أقوال السلف أو يؤيدها العقل والمنطق.

فالدليل على التخيير بين الغسل والإحراق قول ابن حجر: وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، وفي رواية الإسماعيلي: أن تحمى أو تحرق.

روى البخاري عن ابن شهاب أن مالك بن أنس رضي الله عنه حدثه: “أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان رضي الله عنهما وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك -فحفصة كان عندها مصحف أبي بكر الذي تم جمعه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بمشورة عمر إلا أنه كان مصحفًا واحدًا، فأراد عثمان رضي الله عنه أن ينسخ منه مجموعة ليرسلها إلى العواصم الإسلامية في سائر أمصار الدولة الإسلامية- فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن حارث بن هشام رضي الله عنهم فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر -هذا هو الشاهد- بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق”.

هذا في (صحيح البخاري) كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، حديث رقم 4987، وأيضًا في (فتح الباري) الجزء التاسع الصفحة الحادية عشرة.

قال ابن حجر: فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا.

هذا عن الإحراق، لكن هناك دليلًا على منع الإحراق ما أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه: “أنه أوتي بكتاب فقال: لولا أني أخاف أن يكون فيه ذكر الله عز وجل  لأحرقته”، في كتاب (المصاحف) صفحة 30.

قال ابن حجر في (فتح الباري) قوله: “وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق” في روايات الأكثر: “أن يخرق” بالخاء المعجمة وللمروزي بالمهملة، ورواه الأصيلي بالوجهين والمعجمة أثبت.

وقال الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) نقلًا عن كتاب (فهم السنن) للحارس المحاسبي ملخصًا: وأما تعلق الرافضة بأن عثمان أحرق المصاحف فإنه جهل منهم وعمى، قال: وأما قولهم: إنه أحرق المصاحف فإنه غير ثابت ولو ثبت وجب حمله على أنه أحرق مصاحف قد أودعت ما لا يحل قراءته، وفي الجملة فإنه إمام عادل غير معاند ولا طاعن في التنزيل، ولم يحرق إلا ما يجب إحراقه ولهذا لم ينكر عليه أحد ذلك، بل رضوه وعدوه من مناقبه، حتى قال علي: “لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف عمله”. وهذا كلام ملخص إلى غير ذلك من الأدلة على الدفن وعلى منع التمزيق وعلى جواز التمزيق.

أورد ابن حجر -رحمه الله- ما يدل على وقوع التمزيق فقد قال: قوله: “حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة”، زاد أبو عبيد وابن أبي داود من طريق شعيب عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم وابن عبد الله بن عمر قال: “كان مروان يرسل إلى حفصة -حين كان أمير المدينة من جهة معاوية- يسألها الصحف التي كتب منها القرآن فتأبى أن تعطيه، قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه تلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشققت -أي: مزقت- وقال: إنما فعلت هذا؛ لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب”.

ووقع في رواية أبو عبيد: “فمزقت” قال أبو عبيد: لم يسمع أن مروان مزق الصحف إلا في هذه الرواية، قلت: قد أخرجه ابن أبي داود من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب نحوه وفيه: “فلما كان مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها الصحف فمنعته إياها، قال: فحدثني سالم بن عبد الله قال: لما توفيت حفصة” فذكره وقال فيه: “فشققها وحرقها”، ووقعت هذه الزيادة في رواية عمارة بن غزية أيضًا باختصار.

error: النص محمي !!