Top
Image Alt

الجمع بين الصلاتين

  /  الجمع بين الصلاتين

الجمع بين الصلاتين

باب: جوازه في السفر في وقت إحداهما:   

الحديث الأول:  

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب)) متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: ((كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما)) وهذا هو الحديث الأول في الباب.

معاني مفردات الحديث:  

وقوله: “متفق عليه” يعني: اتفق على إخراجه البخاري ومسلم.

وقوله: ((تزيغ)) بزاي وغين معجمة أي: تميل.

قوله: ((يجمع بينهما)) أي: في وقت العصر.

وفي الحديث دليلٌ على جواز جمع التأخير في السفر سواء كان السير مجدًّا أم لا.

وقد وقع الخلاف في الجمع في السفر فذهب إلى جوازه مطلقًا تقديمًا وتأخيرًا كثيرٌ من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء: الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأشهب.

وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقًا إلّا بعرفة ومزدلفة. وهو قول الحسن، والنخعي، وأبي حنيفة وصاحبيه، وأجابوا عمّا روي من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جمع صوري, وهو أنه أخر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها وعجّل العشاء في أول وقتها. كذا قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) قال: وتعقّبه الخطابي وغيره بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلًا عن العامة.

قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) مؤيدًا لما قاله الخطابي: وأيضًا فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع، قال: ومما يرد على الجمع الصوري جمع التقديم. وقال الليث -وهو المشهور عن مالك-: أن الجمع يختص بمن جد به السير. وقال ابن حبيب: يختص بالسائر، ويستدل لهما بما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عمر قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير)) ولما قاله ابن حبيب بما في البخاري أيضًا عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء)) فيفيد حديث أنس مذكور في الباب بما إذا كان المسافر سائرًا سيرًا مجدًّا فيه كما في هذين الحديثين.

وقال الأوزاعي: إن الجمع في السفر يختص بمن له عذر. وقال أحمد واختاره ابن حزم, وهو مروي عن مالك: إنه يجوز جمع التأخير دون التقديم. واستدلوا بحديث أنس المذكور في الباب.

الحديث الثاني

عن معاذٍ رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

شرح الحديث:

قال الشيرازي: ويجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر الذي يقصر فيه الصلاة لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء)) ثم ذكر حديث أنس المذكور في الباب. قال الشيرازي: وفي السفر الذي لا يقصر فيه الصلاة قولان:

أحدهما: يجوز؛ لأنه سفر يجوز فيه التنفل على الراحلة فجاز فيه الجمع كالسفر الطويل.

والثاني: لا يجوز وهو الصحيح؛ لأنه إخراج عبادة عن وقتها، فلم يجز في السفر القصير كالفطر في الصوم.

مذاهب العلماء في الجمع بالسفر:

قال النووي في شرحه حديث ابن عمر وحديث أنس:

رواهما البخاري ومسلم, و((جدّ به السير)) أي: أسرع، ومذهبنا -يعني: مذهب الشافعية- جواز الجمع بين الظهر والعصر في وقت أيتهما شاء، وبين المغرب والعشاء في وقت أيتهما شاء، ولا يجوز جمع الصبح إلى غيرها ولا المغرب إلى العصر بالإجماع، ولا يجوز الجمع في سفر المعصية، ويجوز الجمع في السفر الذي تقصر فيه الصلاة. وفي القصير قولان -يعني: في السفر القصير- أصحهما باتفاق الأصحاب لا يجوز, وهو نص الشافعي في كتبه الجديدة والقديمة جوازه.

قال القاضي أبو الطيب وغيره من أصحابنا، وقال أبو إسحاق: لا يجوز قولًا واحدًا, ولعله لم يبلغه نصه في القديم، وقد سبق في هذا الباب, وفي باب مسح الخف: أن رُخص السفر ثمانٍ منها: مختص بالطويل, وجائز فيهما, ومختلف فيه، وأما الحجاج من الآفاق فيجمعون بين الظهر والعصر بعرفات في وقت الظهر، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء بإجماع، وفي سبب هذا الجمع وجهان لأصحابنا مشهوران في كتب الخراسانيين, الصحيح منهما أنه بسبب السفر, وبه قطع معظم العراقيين، والثاني: بسبب النسك وبه قطع الماوردي في كتاب: الحج، فإن قلنا بالسفر ففي جمع المكي القولان في السفر القصير -يعني: يجوز الجمع وقيل: لا يجوز- ولا يجمع أهل عرفة بعرفات، ولا يجمع أهل مزدلفة بمزدلفة؛ لأنه في وطنه، وهل يجمع كل واحد بالبقعة الأخرى؟ فيه القولان كالمكي. وإن قلنا بالثاني جاز الجمع لكلهم. وقال بعض الأصحاب عبارة أخرى فقال: في جمع المكي قولان: الجديد منعه والقديم جوازه.

وعلى القديم: في العرف والمزدلف بموضعه وجهان, والمذهب منع الجمع في حقِّ جميعهم وحكم البقعتين في الجمع حكم سائر الأسفار، فيتخير في التقديم والتأخير، لكن الأفضل في عرفات التقديم، وفي مزدلفة التأخير كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال النووي: وأمّا مذاهب العلماء في الجمع بالسفر: فقد ذكرنا أن مذهبنا جوازه في وقت الأولى وفي وقت الثانية، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، حكاه ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وحكاه البيهقي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ورواه عن زيد بن أسلم، وربيعة، ومحمد بن المنكدِر، وأبي الزناد وأمثالهم قال: وهو من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين.

وقال الحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول، والنخعي، وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز الجمع بسبب السفر بحال، وإنما يجوز في عرفات في وقت الظهر، وفي المزدلفة في وقت العشاء بسبب النُّسك للحاضر والمسافر, ولا يجوز غير ذلك، وحكاه القاضي أبو الطيب وغيره عن المُزَني، واحتج لهم بأحاديث المواقيت وبقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى)) رواه مسلم.

وعن ابن عمر قال: ((ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء قط في السفر إلّا مرة)) رواه أبو داود.

وعن ابن مسعود قال: ((ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة بغير ميقاتها إلّا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء, وصلى الفجر قبل ميقاتها)) رواه البخاري ومسلم. يعني: الجمع بالمزدلفة وصلاة الصبح وقياسًا على جمع المقيم، وجمع المريض، وجمع المسافر سفرًا قصيرًا.

واحتجّ الشافعية بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الجمع في أسفار النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث ابن عمر قال: ((وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير)) رواه البخاري ومسلم.

وعن أنس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت قبل أن يرتحل صلّى الظهر ثم ركب)) رواه البخاري ومسلم.

وعن أنس قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما)) رواه مسلم.

وعن نافع أن ابن عمر: ((كان إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء)) رواه مسلم، ورواه البخاري بمعناه من رواية سالم بن عبد الله بن عمر.

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه إذا عجّل عليه السفر يؤخر الظهر إلى وقت العصر, ويؤخر المغرب حتى يجمع بينهما, وبين العشاء حتى يغيب الشفق)).

وعن معاذ: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ترحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك إذا غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ترحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما)) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وقال البيهقي: هو محفوظ صحيح.                      

وعن أنس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلّى العصر والظهر جميعًا ثم ارتحل)) رواه الإسماعيلي والبيهقي بإسنادٍ صحيح.    

قال إمام الحرمين: في إثبات الجمع أخبار صحيحة هي نصوص لا يتطرق إليها تأويل ودليله في المعنى الاستنباط من صورة الإجماع وهي: الجمع بعرفات والمزدلفة، فإنه لا يخفى أن سببه احتياج الحجاج إليه؛ لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار.

ووجدنا الرخص لا يستدعي ثبوتها نسكًا، ولكنها تثبت في الأسفار المباحة كالقصر والفطر، ثم لا يلزم الأفراد المترفهين في السفر، فإنا لو تتبعنا ذلك عسرت الرخصة, وضاق محلها وتطرق إلى كل مترخص إمكان الرفاهية، فاعتبر الشرع فيه كون السفر مظنة للمشقة، ولم ينظر إلى أفراد الأشخاص والأحوال، وبهذا تمت الرخصة واستمرت التوسعة. قال: فإن قيل: الرخصة ثبتت غير معللة والمتبع فيها الشرع, ولو عللت بالمشقة لكان المريض أحقُّ برخصة القصر, قلنا: المريض يصلي قاعدًا أو مضطجعًا إذا عجز، وهذه الرخصة هي اللائقة بحاله، فالاكتفاء بالقعود منه وهو بلا شُغل كالمقيم الذي يصلِّي قائمًا، وأمّا المسافر فعليه أفعال في غالب الأحوال، وقد يعسر عليه إتمام الصلاة فخفف له بالقصر والجمع، فإن قيل: المريض أحوج إلى الجمع من المسافر وأنتم لا تجوزونه. قلنا: الإتيان بصلاتين متعاقبتين أفعال كثيرة قد يشق على المريض موالاتها ولعل تفريقها أهون عليه، والمسافر يشق عليه النزول للصلاة حال سير القوافل، وقد يؤدي إلى ضرره، ولا يخفى على منصفٍ أن الجمع أرفق من القصر، فإن القائم إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتين ورفق الجمع واضح.

وأما الجواب عن احتجاجاتهم بأحاديث المواقيت: فهو أنها عامة في الحضر والسفر, وأحاديث الجمع خاصة بالسفر فقدمت، وبهذا يجاب أيضًا عن حديث: ((ليس في النوم تفريط)) فإنه عام أيضًا.

والجواب عن حديث أبي داود عن ابن عمر أن أبا داود قال: روي موقوفًا عن ابن عمر من فعله، وقد قدمنا أن الحديث إذا روي مرفوعًا وموقوفًا هل يحتجُّ به؟

فيه خلافٌ مشهور للسلف، فإن سلمنا الاحتجاج به فجوابه أن الروايات المشهورة في (الصحيحين) وغيرهما عن ابن عمر صريحة في إخباره عن جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجب تأويل هذه الرواية وردها، ويمكن أن يتأول على أنه لم يره يجمع في حال سيره، إنما يجمع إذا نزل أو كان نازلًا في وقت الأولى.

وأمّا حديث ابن مسعود فجوابه أنه نفي؛ فالإثبات الذي ذكرناه في الأحاديث الصحيحة مقدّم عليه؛ لأن مع رواتها زيادة علم، والجواب عن جمع المقيم أنه لا يلحقه مشقة والجواب عن المريض سبق في كلام إمام الحرمين، والجواب عن السفر القصير إذا سلمنا امتناع الجمع فيه أنه في معنى الحضر فإنه لا تعظم المشقة فيه.

قال الشيرازي: ويجوز الجمع بينهما في وقت الأولى منهما وفي وقت الثانية, غير أنه إن كان نازلًا في وقت الأولى فالأفضل أن يقدم الثانية، وإن كان سائرًا فالأفضل أن يؤخر الأولى إلى وقت الثانية لما روي عن ابن عباس قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زاغت الشمس وهو في المنزل قدّم العصر إلى وقت الظهر ويجمع بينهما في الزوال، وإذا سافر قبل الزوال أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم جمع بينهما في وقت العصر)) ولأن هذا أرفق بالمسافر فكان أفضل.

قال النووي: حديث ابن عباس رواه البيهقي بإسنادٍ جيد، وله شواهد وسبق معناه في الأحاديث الصحيحة في مذاهب العلماء في الجمع.

باب: جمع المقيم لمطر أو غيره:     

عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر والمغرب والعشاء)) متفق عليه.

وفي لفظ للجماعة إلّا البخاري وابن ماجه: ((جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألّا يحرج أمته)).

والحديث ورد بلفظ: ((من غير خوفٍ ولا سفر)) وبلفظ: ((من غير خوف ولا مطر)) قال الحافظ ابن حجر: على أنه لم يقع مجموعًا بثلاثة في شيء من كتب الحديث بل المشهور: ((من غير خوفٍ ولا سفر)).

قوله: ((سبعًا وثمانيًا)) أي: سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا كما صرّح به البخاري في رواية له, ذكرها في باب وقت المغرب.

قوله: ((أراد ألّا يحرج أمته)) قال ابن سيد الناس: قد اختلف في تقييده، فروي: يُحرج بالياء المضمومة آخر الحروف، و((أمته)) منصوب على أنها المفعول، وروي تُحرَج بالتاء ثالثة الحروف مفتوحة، وضم ((أمتُه)) على أنها فاعل، ومعناه: إنما فعل تلك لئلا يشق عليهم ويثقل، فقصد إلى التخفيف عنهم، وقد أخرج ذلك الطبراني في (الأوسط) و(الكبير) وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن ابن مسعود بلفظ: ((جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك؟ فقال: صنعت ذلك لئلا تُحرَج أمتي)).

حكم الجمع من غير خوف ولا مطر:

وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقًا، بشرط أن لا يتخذ ذلك خُلقًا وعادة. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وممن قال به ابن سيرين، وربيعة، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، وقد رواه في (البحر) عن الإمامية، والمتوكل على الله أحمد بن سليمان، والمهدي أحمد بن الحسين، ورواه ابن مظفر في (البيان) عن علي رضي الله عنه وزيد بن علي، والهادي، وأحد قولي الناصر، وأحد قولي المنصور بالله.

قال الشوكاني: ولا أدري ما صحة ذلك، فإن الذي وجدناه في كتب بعض هؤلاء الأئمة, وكتب غيرهم يقضي بخلاف ذلك.

وذهب الجمهور إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز، وحكى في (البحر) عن البعض أنه إجماع، ومنع ذلك مستندًا بأنه قد خالف في ذلك من تقدّم، واعترض عليه صاحب (المنار) بأنه اعتداد بخلاف حادث بعد إجماع الصدر الأول، وأجاب الجمهور عن حديث الباب بأجوبة:

منها: أن الجمع المذكور كان للمرض, وقوَّاه النووي كما سيأتي كلامه، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر؛ لأنه لو كان جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلّا من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم جمع بأصحابه، وقد صرّح بذلك ابن عباس في روايته.

ومنها: أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم -مثلًا- فبان أن وقت العصر قد دخل فصلاها. قال النووي: وهو باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء كما سيأتي.

قال الحافظ: وكأن نفيه الاحتمال مبني على أنه ليس للمغرب إلّا وقت واحد، والمختار عنده خلافه, وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء، وعلى هذا فالاحتمال قائم.

ومنها: أن الجمع المذكور صوري بأن يكون أخّر الظهر إلى آخر وقتها وعجّل العصر في أول وقتها، وهذا ما نميل إليه ونرجِّحه. قال النووي: وهذا احتمال ضعيفٌ وباطل؛ لأنه مخالفٌ للظاهر مخالفة لا تُحتمل.

قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي ضعّفه قد استحسنه القرطبي ورجحه إمام الحرمين وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس, بأن أبا الشعثاء -وهو راوي الحديث عن ابن عباس- قد قال به. قال الحافظ ابن حجر أيضًا: ويقوي ما ذكر من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعارض لوقت الجمع، فإما أن يُحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن يُحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج، ويُجمع بها بين مفترق الأحاديث، فالجمع الصوري أولى والله أعلم. انتهى كلام ابن حجر.

قال الشوكاني: ومما يدل على تعيين حمل حديث الباب على الجمع الصوري ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ: ((صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا، أخر الظهر وعجّل العصر، وأخر المغرب وعجّل العشاء)) فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرّح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري.

باب: الجمع بأذان وإقامتين من غير تطوعٍ بينهما:

الحديث الأول:   

عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما)) رواه البخاري والنسائي.

الحديث الثاني:

عن جابر رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلاتين بعرفة بأذان واحد وإقامتين، وأتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما، ثم اضطجع حتى طلع الفجر)) مختصر لأحمد، ومسلم، والنسائي.

الحديث الثالث:

عن أسامة رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصلّ بينهما شيئًا)) متفق عليه.

وفي لفظ: ((ركب حتى جئنا المزدلفة فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة، فصلى ثم حلوا)) رواه أحمد ومسلم.

وفي لفظ: ((أتى المزدلفة فصلوا المغرب، ثم حلوا رحالهم، وأعنته، ثم صلى العشاء)) رواه أحمد. وهو حجة في جواز التفريق بين المجموعتين في وقت الثانية.

شرح الأحاديث، واستنباط الأحكام الفقهية منها:

قوله في الحديث: ((صلى المغرب والعشاء)) في رواية للبخاري ((جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء)) وفي رواية له: ((جمع بين المغرب والعشاء)).

قوله: ((بإقامة)) لم يذكر الأذان، وهو ثابت في حديث جابر المذكور بعده، وفي حديث عبد الله بن مسعود عند البخاري بلفظ: ((فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك، فـأمر رجلًا فأذن وأقام، ثم صلى المغرب…)) الحديث.

قوله: ((ولم يسبح بينهما)) أي: لم يتنفل بين صلاة المغرب والعشاء، ولا عقب كل واحدة منهما. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): ويستفاد منه أنه ترك النفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه يتنفل عقب صلاة العشاء؛ لكونه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل؛ ومن ثم قال الفقهاء: تأخر سنة العشاءين عنهما. ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما.

ويعكر على نقل الاتفاق ما في البخاري عن ابن مسعود: أنه صلى المغرب بالمزدلفة وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر بالأذان والإقامة، ثم صلى العشاء.

وقد اختلف أهل العلم في صلاة النافلة في مطلق السفر: قال النووي: قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور، ودليلهم الأحاديث العامة الواردة في ندب مطلق الرواتب، وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر صحيحة ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل المطلقة.

وأما في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: ((صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أره يسبح في السفر)) وفي رواية: ((صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك)) فقال النووي: لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر؛ فإن النافلة في البيت أفضل، ولعله تركها في بعض الأوقات تنبيهًا على جواز تركها. وأما ما يحتج به القائلون بتركها من أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى، فجوابه: أن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق به أن تكون مشروعة ويتخير: إن شاء فعلها وحصل على ثوابها، وإن شاء تركها ولا شيء عليه.

وقال ابن دقيق العيد: إن قول ابن عمر: ((فكان لا يزيد في السفر على ركعتين)) يحتمل أنه كان لا يزيد في عدد ركعات الفرض، ويحتمل أنه كان لا يزيد نفلًا، ويحتمل أعم من ذلك.

قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): ويدل على الثاني رواية مسلم بلفظ: “صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، يعني: يتنفلون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت” ثم ذكر الحديث.

قال ابن القيم: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه صلى الله عليه وسلم صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها، إلا ما كان من سنة الوتر والفجر؛ فإنه لم يكن يدعها حضرًا ولا سفرًا. انتهى.

وتعقبه ابن حجر بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال: ((سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفرًا، فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر)) قال: وكأنه لم يثبت عنده، وقد استغربه الترمذي. وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر.

وقد ذكر ابن القيم هذا الحديث الذي تعقبه به الحافظ، وأجاب عنه، وذكر حديث عائشة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها)) وأجاب عنه.

واعلم أنه لا بد من حمل قول ابن عمر: ((فلم أره يسبِّح)) على صلاة السنة، وإلا فقد صح عنه أنه كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه.

وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به)) وفي الصحيحين عن عامر بن ربيعة: ((أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته)).

قال ابن القيم: وقد سئل الإمام أحمد عن التطوع في السفر، فقال: أرجو ألا يكون بالتطوع في السفر بأس. قال: وروي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. قال: وروي هذا عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس، وأبي ذر.

قوله: ((بأذان واحد وإقامتين)) فيه: أن السنة في الجمع بين الصلاتين الاقتصار على أذان واحد والإقامة لكل واحد من الصلاتين. وقد أخرج البخاري عن ابن مسعود أنه أمر بالأذان والإقامة لكل صلاة من الصلاتين المجموعتين بمزدلفة.

قال ابن حزم: وأما قولنا: أن يؤذن المؤذن إذا أتم الإمام الخطبة بعرفة، ثم يقيم لصلاة الظهر، ثم يقيم للعصر ولا يؤذن لها؛ فلما ذكرناه في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفًا، وهو قول أبي سليمان، وأحد قولي مالك، وقال مالكٌ مرة أخرى: إن شاء أذن والإمام في الخطبة، وإن شاء إذا أتم. وقال أبو حنيفة وأبو ثور: يؤذن إذا قعد الإمام على المنبر قبل أن يأخذ في الخطبة. وقال أبو يوسف: يؤذن قبل خروج الإمام، ثم رجع فقال: يؤذن بعد صدرٍ من الخطبة، وذكر ذلك عن مؤذن من أهل مكة.

وقال الشافعي: يأخذ في الأذان إذا أتم الإمام الخطبة الأولى. قال ابن حزم أيضًا: وأما قولنا بالجمع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين، وبمزدلفة بين المغرب والعتمة كذلك أيضًا، فلما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر المذكور.

وقد اختلف الناس في هذا:

فقال أبو حنيفة والشافعي في الصلاة بعرفة كما قلنا. وقال مالك: بأذانين وإقامتين لكل صلاة أذان وإقامة.

قال ابن حزم: وما نعلم لهذا القول حجة أصلًا، لا من سنة صحيحة، ولا من رواية سقيمة، ولا من عمل صاحب ولا تابع.

فإن قالوا: قسنا ذلك على الجمع بمزدلفة، قلنا: هذا قياس للخطأ على الخطأ، وقولكم: هذا في مزدلفة، خطأ على ما نبينه -إن شاء الله تعالى- فإن قالوا: قسنا ذلك على الصلوات الفائتات، قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان حقًّا لكان هذا منه عين الباطل؛ لأن صلاة الظهر والعصر بعرفة ليستا فائتتين، ومن الباطل قياس صلاة تصلى في وقتها على صلاة فائتة، لا سيما وأنتم لا تقولون بهذا العمل في الفائتات.

وقال سفيان وإسحاق: يجمع بين الظهر والعصر بعرفة بإقامتين فقط بلا أذان. واحتج أهل هذا القول بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بمكة وبمنى كل صلاة بأذان وإقامة، وصلى بعرفة وبجمع كل صلاة بإقامة و”جمع” علم للمزدلفة، سميت بذلك؛ لأن آدم وحواء لما أهبطا اجتمعا بها.

قال ابن حزم: هذا لا تقوم به حجة، ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأن خبر جابر ورد بزيادة ذكر الأذان، وزيادة العدل واجب قبولها ولا بد. وأما الجمع بمزدلفة -كما ذكرنا- فللخبر المذكور أيضًا، وفي هذا خلاف من السلف.

روينا من طريق حماد بن زيد وحماد بن سلمة، قال ابن زيد عن نافع قال: لم أحفظ عن ابن عمر أذانًا ولا إقامة بجمع -يعني مزدلفة- وقال ابن سلمة عن أنس عن ابن سيرين قال: صليت مع ابن عمر بجمع المغرب بلا أذان ولا إقامة، ثم العشاء بلا أذان ولا إقامة.

وقول ثان: وهو أننا روينا عنه أيضًا أنه جمع بينهما بإقامة واحدة بلا أذان، وروينا ذلك عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل، كلاهما عن سعيد بن جبير: أنه صلى المغرب والعشاء بجمع -يعني بمزدلفة- بإقامة واحدة. وذكر أن ابن عمر فعل مثل ذلك، وأن ابن عمر ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. ورويناه أيضًا من طريق مجاهد وغيره عن ابن عمر أنه فعل ذلك، وهو قول سفيان وأحمد بن حنبل في أحد قوليهما، وبه أخذ أبو بكر بن داود.

واحتج أهل هذه المقالة بما رويناه من طريق سفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان: قال سفيان: عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقال القطان: عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. ثم اتفق ابن عباس وابن عمر على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بمزدلفة بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة، وهذا خبرٌ صحيح.

وقولٌ ثالث: وهو الجمع بينهما بإقامتين، لكل صلاة إقامة دون أذان. قال ابن حزم: روينا عن حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطأة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد: أن عمر بن الخطاب جمع بينهما بإقامتين -يعني بمزدلفة. قال: ومن طريق عبد الرزاق عن بعض أصحابه عن شريك عن أبي إسحاق عن أبي جعفر: أن علي بن أبي طالب جمع بين المغرب والعشاء كل واحدة منهما بإقامة -يعني بمزدلفة- ومن طريق حماد بن سلمة: أنبأنا عبد الكريم أنه كان مع سالم بن عبد الله بن عمر بمزدلفة، فجمع بين المغرب والعشاء بإقامتين. وهو قول سفيان، والشافعي، وأحمد، في أحد أقوالهم.

واحتجوا بما رويناه من طريق مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب -مولى ابن عباس- عن أسامة بن زيد: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى مزدلفة فتوضأ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى ولم يصلّ بينهما شيئًا)) ومن طريق البخاري: أنبأنا عاصم عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما. وهذان خبران صحيحان.

وقول رابع: وهو أن الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، قال ابن حزم: روينا من طريق سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن حميد: أن عمر جمع بين الصلاتين بمزدلفة بأذان وإقامة. ومن طريق أبي داود السجستاني: أنبأنا مسدد، أنبأنا أبو الأحوص، أنبأنا أشعث بن سليم، عن أبيه: أنه كان مع ابن عمر بمزدلفة، فأذن وأقام، أو أمر بذلك، ثم صلى المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا فقال: الصلاة، فصلى العشاء ركعتين، قال أشعث: وأخبرني علاج بن عمرو عن ابن عمر بهذا، قال: فقيل لابن عمر في ذلك فقال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا. وبه يأخذ أبو حنيفة، إلا أنه قال: فإن تطوع بينهما أقام للعشاء إقامة أخرى.

وقول خامس: وهو الجمع بينهما بأذانين وإقامتين: صح ذلك عن عمر بن الخطاب، من طريق هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود: كنت مع عمر فأتى المزدلفة، فصلى المغرب والعشاء، كل صلاة بأذان وإقامة. وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: صليت مع ابن مسعود المغرب بجمع -وجمع يعني مزدلفة- بأذان وإقامة، ثم أتينا بعشائنا فتعشينا، ثم صلى بنا العشاء بأذان وإقامة.

وعن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجمع بين الصلاتين بمزدلفة، كل صلاة بأذان وإقامة. وهو قول محمد بن علي بن الحسين، وذكره عن أهل بيته، وبه يقول مالك. ولا حجة في هذا القول من خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا حجة في قول عمر وابن مسعود وعلي في ذلك؛ لأنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة، واختلف عن عمر أيضًا -كما أوردنا- فالمرجوع إليه عند التنازع هو القرآن والسنة.

قال ابن حزم: ولا حجة لأبي حنيفة في دعواه: أن إعادة الأذان للعشاء هو من أجل أن عمر وابن مسعود تعشيا بين الصلاتين؛ لأنهما لم يذكرا ذلك، ولا أخبرا أن إعادتهما الأذان إنما هو من أجل العشاء، فهي دعوى فاسدة. فإن قيل قسنا ذلك على الجمع بين سائر الصلوات إذا صليت الأولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها، فلا بد من أذان وإقامة لكل صلاة، قلنا: القياس باطل، ولا يجوز أن يعارض ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقياس فاسد.

قال ابن حزم: وقد روي مثل قولنا عن ابن عمر، وسالم ابنه، وعطاء، كما روينا من طريق ابن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، عن مسعر بن كدام، عن عبد الكريم قال: صليت خلف سالم المغرب والعشاء بجمع بأذان وإقامتين، فلقيت نافعًا فقلت له: هكذا كان يصنع عبد الله؟ قال: نعم. فلقيت عطاء فقلت له، فقال: قد كنت أقول لهم: لا صلاة إلا بإقامة. وهو قول الشافعي من رواية أبي ثور عنه، فهي ستة أقوال:

أحدها: الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وصح عن ابن عمر.

والثاني: الجمع بينهما بإقامة واحدة فقط، وصح أيضًا عن ابن عمر، وهو قول سفيان، وأحمد، وأبي بكر بن داود، وصح به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والثالث: الجمع بينهما بإقامتين فقط، روي عن عمر، وعلي، وصح عن سالم بن عبد الله، وهو أحد قولي سفيان وأحمد والشافعي، وصح به خبرٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والرابع: الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة. روي عن عمر، وصح عن ابنه عبد الله، وهو قول أبي حنيفة، وصح به خبرٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والخامس: الجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين. صح عن ابن عمر، وسالم ابنه، وعطاء، وهو أحد قولي الشافعي وبه نأخذ، وصح بذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والسادس: الجمع بينهما بأذانين وإقامتين. صح عن عمر، وابن مسعود، وروي عن علي، وعن محمد بن علي بن الحسين وأهل بيته، وهو قول مالك.

قوله: ((ثم أناخ كل إنسان بعيره)) فيه: جواز الفصل بين الصلاتين المجموعتين بمثل هذا. وظاهر قوله: ((ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا)) المنافاة؛ لقوله في الرواية الأخرى: ((ثم حلوا رحالهم، وأعنته، ثم صلى العشاء)) أمكن الجمع: إما بأنه حل بعضهم قبل صلاة العشاء وبعضهم بعدها أو بغير ذلك؛ فذاك -وإن لم يكن- فالرواية الأولى أرجح؛ لكونها في (صحيح مسلم)، ولم يرجحها أيضًا الاقتصار في الرواية المتفق عليها على مجرد الإناخة فقط.

error: النص محمي !!