Top
Image Alt

الجمع بين قوله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} وبين حديث: ((ليس أحد يحاسب إلا هلك))

  /  الجمع بين قوله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} وبين حديث: ((ليس أحد يحاسب إلا هلك))

الجمع بين قوله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} وبين حديث: ((ليس أحد يحاسب إلا هلك))

يتفاوت حساب العباد، فبعض العباد يكون حسابهم عسيرًا، وهؤلاء هم الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وتمردوا على شرع الله، وكذبوا بالرسل، وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر؛ بسبب كثرة الذنوب وعظمها.

وبعض العباد يدخلون الجنة بغير حساب، وهم فئةٌ قليلة لا يجاوزون السبعين ألفًا، وهم الصفوة من هذه الأمة، والقمم الشامخة في الإيمان والتقى والصلاح والجهاد، وبعض العباد يحاسبون حسابًا يسيرًا، وهؤلاء لا يناقشون الحساب، أي لا يدقق، ولا يحقق معهم، وإنما تعرض عليهم ذنوبهم ثم يتجاوز لهم عنها. وهذا معنى قوله -تبارك وتعالى: {فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 7، 8].

ففي صحيحي البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: {فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا هلك)).

قال النووي في شرحه للحديث: معنى نوقش الحساب: استقصي عليه. قال القاضي: وقوله: ((عُذِّب)) له معنيان:

أحدهما: أن نفس المناقشة وعرض الذنوب، والتوقيف عليها هو التعذيب لِمَا فيه من التوبيخ.

والثاني: أنه مفضٍ إلى العذاب بالنار، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: ((هلك)) مكان ((عذب)). هذا كلام القاضي.

قال النووي: وهذا الثاني هو الصحيح، ومعناه أن التقصير غالب في العباد فمن استقصي عليه، ولم يُسَامَح هلك، ودخل النار، ولكن الله -تعالى- يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء.

ونقل ابن حجر عن القرطبي في معنى قوله: ((إنما ذلك العرض)) قال: إن الحساب المذكور في الآية، إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منَّةَ الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوِهِ عنها في الآخرة. والمراد بالعرض -كما هو ظاهر من هذه الأحاديث- عرض ذنوب المؤمنين عليهم؛ كي يدركوا مدى نعمة الله عليهم في غفرانِهَا لهم.

error: النص محمي !!