Top
Image Alt

الجملة التابعة لمفرد

  /  الجملة التابعة لمفرد

الجملة التابعة لمفرد

الجملة السادسة: من الجمل التي لها محل من الإعراب: الجملة التابعة لمفرد:

وهذا النوع من الجمل يقع في باب النعت والعطف والبدل، ولا يقع في باب التوكيد؛ لأن الجملة لا تؤكد المفرد، والجمهور ينكر وقوع الجملة عطف بيان، فالمراد بالعطف عطف النسق، وفيما يلي تفصيل ذلك:

أولًا: الجملة الواقعة نعتًا يشترط فيها أمران:

أولهما: أن تكون خبرية، أي: محتملة للصدق والكذب نحو: مررت برجل ينظف ثوبه، أو مررت برجل ثوبه نظيف، والأولى فعلية والثانية اسمية، ولا يجوز النعت بالجملة الطلبية والإنشائية، فلا يقال: مررت برجل اضربه، ولا عندي ثوب بعتكه، قاصدًا إنشاء البيع لا الإخبار بذلك؛ لأن الطلب والإنشاء لا خارجي لهما يعرفه المخاطب، فيتخصص به المنعوت.

والأمر الثاني: أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف، إما ملفوظ به كالهاء في: ينظف ثوبه أو ثوبه نظيف؛ لأنها ضمير راجع إلى الموصوف، وإما مقدر كما في قول الشاعر:

إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن

* عارًا عليك ورب قتل عار

فعار في البيت خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو، والجملة في محل جر نعت لقتل، والضمير الراجع إليه مقدر كما ترى، وكقول الشاعر:

……………. …… ……* وما شيء حميتَ بمستباح

فإن حميت جملة وقعت نعتًا لشيء في محل رفع، والضمير الراجع منها إلى الموصوف مقدر؛ لأن التقدير: حميته.

ومثل ذلك قول الله تعالى: {وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 48] فجملة {لاّ تَجْزِي} وقعت نعتًا لـ {يَوْماً} في محل نصب، والضمير الذي يرجع منها إلى {يَوْماً} مقدر حذفه مع الجار والتقدير: لا تجزي فيه، ومحل الجملة التي تقع نعتًا يطابق الحكم الإعرابي للمنعوت، فإن كان المنعوت مرفوعًا فهي في محل رفع كجملة {لاّ بَيْعٌ فِيهِ} من قوله تعالى: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ} [البقرة: 254].

وإن كان منصوبًا فهي في محل نصب كجملة {تُرْجَعُونَ فِيهِ} من قوله تعالى: {وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ} [البقرة: 281]. وإن كان مجرورًا فهي في محل جر كجملة {لاّ رَيْبَ فِيهِ} من قوله تعالى: {رَبّنَآ إِنّكَ جَامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لاّ رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 9] ويشترط فيما ينعت بالجملة أن يكون نكرة لفظًا ومعنى، كلفظ يوم في الآيات السابقة، أو معنى لا لفظًا، نحو الاسم المعرف بال الجنسية، الذي يشار به إلى فرد غير معين، كما في قول شاعر من بني سلول:

ولقد أمر على اللئيم يسبني

*فأَعِفُّ ثم أقول لا يعنيني

واللئيم هو الدنيء الأصل، الشحيح النفس، وصح نعته بالجملة نظرًا إلى معناه، فإن المعرف بال الجنسية لفظه معرفة ومعناه نكرة؛ لأنه لا يقصد به معين، فهو نكرة معنى لا لفظًا، ويُسمى نكرة غير محضة، ويشاركه في هذه التسمية كل نكرة جاءت بعد نفي أو نهي أو استفهام.

وكل نكرة تخصصت بوصف أو بإضافة إلى نكرة، أو بعطفها على معرفة، أو بعطف معرفة عليها، أو بعملها عمل الفعل، وقد تكون الجملة وصفًا لمحذوف للعلم به، ويشترط لحذفه قياسًا أن يكون بعضًا من مجرور بمِن أو في.

فالأول كقول العرب: منا ظعن ومنا أقام، وتقديره: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام، ومثله قول ابن مقبل:

وما الدهر إلا تارتان فمنهما


* أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

وتقديره: فمنهما تارة أموت فيها، والثاني كقول حكيم بن مُعَية:

لو قلتَ ما في قومها لم تِيثَم

* يفضلها في حسب ومِيسَم

وتقديره: ما في قومها أحد يفضلها، وقد يحذف في غير ذلك في ضرورة الشعر كما في قول الراجز:

ترمي بكفي كان مِن أرمى البشر

 
*…. …. …. ….. ….

وتقديره: بكفي رجل كان من أرمى البشر.

تنبيهات:

التنبيه الأول: تقع الجملة الشرطية صفة كما في الحديث: ((ألا أدلكم على صاحب إن أهنتموه أكرمكم، وإن أكرمتموه أهانكم)) وكما في قول مجنون ليلى:

خليلي إلا تبكيا لي ألتمس

* خليلًا إذا أنزفت دمعي بكى لي

وكما في قول الآخر:

وإني لداع دعوة لو دعوتها

* على جبل الريان لانقض جانبه

التنبيه الثاني: ما جاء من الجمل الإنشائية يوهم الوصف، يجب حمله على غير الوصف كما في قول العجاج:

حتى إذا جن الظلام واختلط

* جاءوا بمَذْق هل رأيت الذئب قط

وهذا البيت ظاهره أن جملة الاستفهام نعت لمذق، وقد تأوله النحاة على أن الصفة محذوفة، وجملة الاستفهام معمول لها والتقدير: بمذق مقول فيه هل رأيت الذئب قط، وعليه تكون جملة الاستفهام في محل نصب مقولًا للقول المقدر، وذهب بعض النحويين إلى أنها جملة مستأنفة، والصفة محذوفة، والأصل: جاءوا بمذق مثل لون الذئب هل رأيت الذئب قط، كما يقولون: مررت برجل مثل كذا هل رأيت كذا.

التنبيه الثالث: إذا وقعت الجملة نعتًا لمنعوت، هو خبر عن متكلم أو مخاطب، أو كالخبر عنهما، جاز في الضمير الرابط أن يعود إلى المتكلم أو المخاطب، لا إلى المنعوت كما في قول عنترة:

إني امرؤ من خير عبس مَنصبًا

* شطري وأحمي سائري بالمُنْصل

وكما في قول أبي فراس:

ونحن أناس لا توسط بيننا

* لنا الصدر دون العالمين أو القبر

وكما في قوله تعالى: {وَلَـَكِنّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} [هود: 29] فلو عاد الضمير إلى المنعوت لقيل: شطره من خير عبس، ولقيل: لا توسط بينهم، ولقيل: يجهلون. ومِن عود الضمير إلى المخاطب قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] وقول دريد بن الصمة:

يا بني الحارث أنتم معشر

*زَندكم وارٍ وفي الحرب بُهَم

ولو عاد الضمير إلى المنعوت لقيل: قوم يجهلون، معشر زندهم وار.

ثانيًا: الجملة المعطوفة لها وجهان:

الأول: تعطف بحرف العطف على مفرد يشبه الفعل، وهو الاسم المشتق، فيكون محلها الإعرابي مطابقًا لما يستحقه ذلك المفرد المعطوف عليه، وتؤول بمشتق يكون تارة نكرة وتارة معرفة. ومن شواهد ذلك قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك: 19] وفيه عطف جملة {وَيَقْبِضْنَ} على المفرد {صَافّاتٍ} المنصوب، فهي في محل نصب والتقدير: صافات وقابضات.

وقال تعالى: {وَجِيهاً فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرّبِينَ (45) وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ} [آل عمران: 45، 46] وفيه عطف جملة {وَيُكَلّمُ} على {وَجِيهاً} فهي في محل نصب والتقدير: وجيهًا ومكلمًا. وقال تعالى: {إِنّ الْمُصّدّقِينَ وَالْمُصّدّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً} [الحديد: 18] وفيه عطف جملة {وَأَقْرَضُواْ} على {الْمُصّدّقِينَ} فهي في محل نصب، والتقدير: إن المصدقين والمصدقات والمقرضين. وقال تعالى: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} [العاديات: 3، 4] وفيه عطف جملة أثرن على المغيرات فهي في محل جر، والتقدير: فالمغيرات فالمثيرات. ومن شواهد ذلك في الشعر قول العلاء بن حذيفة:

وماذا عليكم إن أطاف بأرضكم

* مطالب دين أو نفته حروب

فجملة نفته حروب، في محل رفع بعطفها على مطالب دين والتقدير: أو منفي حروب. ومنه قول المجنون:

يا عمرك الله إلا قلتِ صادقة

* أصادقًا وصف المجنون أم كذب

فجملة كذب معطوفة على صادقًا، فهي في محل نصب والتقدير: وصف المجنون صادقًا أم كاذبًا، وتحتمل جملة ويرحل أن تكون في محل جر أو نصب في قول الأخطل:

وما الجار بالراعيك مادمت سالمًا* ويرحل عند المضلع المتفاقم

لأنها معطوفة على الراعيك، وهو مجرور بالباء وفي محل نصب خبر ما، فإن روعي لفظه كانت الجملة المعطوفة عليه في محل جر، وإن روعي محله كانت الجملة المعطوفة في محل نصب، وإذا جعلت ما تميمية كان محل الراعيك الرفع، وكانت الجملة حينئذ في محل رفع.

الوجه الثاني: تعطف الجملة بحرف العطف على مصدر، فتؤول بمصدر دون حرف مصدري سابق، ويكون محلها الإعرابي مطابقًا لإعراب المصدر. ومن شواهد ذلك قول الله تعالى: {وَيَرَى الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ هُوَ الْحَقّ وَيَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6] فجملة {وَيَهْدِيَ} معطوفة على المصدر وهو {الْحَقّ} ومحلها الإعرابي النصب وتأويلها: يرونه الحق والهدى أو الهداية.

ومن شواهد ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ النّاسِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [الأنفال: 47] فجملة {وَيَصُدّونَ} معطوفة على المصدر {بَطَراً} ومحلها النصب وتأويلها: خرجوا بطرًا ورئاء الناس وصدًّا عن سبيل الله، ومن ذلك قول علي بن الطفيل:

وأهلكني لكم في كل يوم

* تعوجكم علي وأستقيم

وفيه عطف جملة “أستقيم” على المصدر تعوج، ومحلها الرفع وتأويلها: أهلكني تعوجكم واستقامتي، وقول الشاعر:

سواء عليك النفْر أم بِتَّ ليلة

* بأهل القباب من نمير بن عامر

وفيه جملة بت في محل رفع بالعطف على النفر، والتأويل: سواء عليك النفر أم بياتك ليلة، وقد تعطف الجملة على مصدر ولكن تؤول بمشتق، كما أن المعطوف عليه مؤول بمشتق.

كما في قوله تعالى: {وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4] فجملة {هُمْ قَآئِلُونَ} معطوفة على المصدر {بَيَاتاً} وهو مؤول بمشتق؛ لأنه مصدر وقع حالًا، فلهذا تؤول الجملة المعطوفة عليه المشتق وموضعها نصب.  والتأويل: فجاءها بأسنا بائتين أو قائلين.

هذا وقد اشترط بعض المتأخرين في عطف الجملة على المفرد: أن يكون المفرد صفة أو حالًا أو خبرًا أو مفعولًا ثانيًا لفعل قلبي، فإن لم يتحقق هذا الشرط كان العطف عندهم للفعل خاصة، وليس للجملة كلها، ومن ذلك عندهم قوله تعالى: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} [العاديات: 3، 4] فإن المعطوف عليه في الآية وهو “المغيرات” لا يتحقق فيه ذلك الشرط، فيكون العطف للفعل وحده عطف مفرد على مفرد.

وعلى قولهم هذا يكون الفعل قابلًا للجر؛ لأنه معطوف على مجرور، فالحق أن الشرط الذي ذكروه غالب لا لازم؛ لأن الفعل لا يعطف على الاسم، كما أن الاسم لا يعطف على الفعل، وسر ذلك أن لكل منهما سمات خاصة، وقد منع المازني والمبرد والزجاج عطف أحدهما على الآخر، واحتجوا لذلك بأن العطف أخو التثنية، ولما كان الفعل لا ينضم إلى الاسم في التثنية، لم يجز العطف بينهما أيضًا.

ولا يرد هذا على عطف الجملة على الاسم المفرد؛ لأن الجملة في الأصل لا تعمل فيها العوامل، وإنما تعمل فيما تؤول به من مصدر أو مشتق، ولهذا جاز عطفها على الاسم المفرد، إذ أصبحت بالتأويل المذكور في مقام الاسم الذي لا إشكال في عطفه على نظيره.

ثالثًا: الجملة الواقعة بدلًا:

وهذه الجملة تُبدل من المفرد إذا كانت أوفى منه دلالة على المعنى المراد، فتتبعه في الإعراب، وتقدر بمشتق أو بمصدر دون حرف مصدري سابق، وقد مثل لها ابن هشام بقوله تعالى: {مّا يُقَالُ لَكَ إِلاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنّ رَبّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت: 43]، وذكر أن إنّ وما عملت فيه بدل من ما وصلتها إذا كان المعنى: ما يقول الله لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، وأما إذا كان المعنى: ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال الكفار الماضون لأنبيائهم، فالجملة استئناف.

ومثل أيضًا بقول الله تعالى: {وَأَسَرّواْ النّجْوَى الّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـَذَآ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} [الأنبياء: 3] ونقل عن الزمخشري أن جملة {هَلْ هَـَذَآ إِلاّ بَشَرٌ} بدل من {النّجْوَى} في محل نصب، ويحتمل أن تكون تفسيرية، ومثل كذلك بقول الشاعر وهو الفرزدق:

إلى الله أشكو بالمدينة حاجة

* وبالشام أخرى كيف يلتقيان

ونقل عن ابن جني أن جملة الاستفهام وهي: كيف يلتقيان بدل من حاجة وأخرى، والتقدير: إلى الله أشكو حاجتَي تعذر التقائهما، فهي في محل نصب، ومن شواهد وقوع الجملة بدلًا أيضًا قول أبي محجن:

وقد كنت ذا مال كثير وإخوة

* فقد تركوني واحدًا لا أخا لي

وقول ابن كثير:

فيا عجبًا للقلب كيف اعترافه

* وللنفس لما وُطِّنت كيف ذلتِ

وقول زهير:

فمن مبلغ الأحلاف عني رسالة

* وذبيان هل أقسمتم كل مقسم

فجملة لا أخا لي، في محل نصب بدل من واحدًا، وجملة: كيف اعترافه، في محل جر بدل من القلب، وجملة: كيف ذلت، في محل جر بدل من النفس، وجملة هل أقسمتم، في محل نصب بدل من رسالة.

error: النص محمي !!