Top
Image Alt

الجملة الواقعة مفعولًا

  /  الجملة الواقعة مفعولًا

الجملة الواقعة مفعولًا

الجملة الثالثة: الجملة الواقعة مفعولًا: وهي الجملة المحكية بالقول أو بمرادفه، مع خلوها من حرف التفسير، وكذا الواقعة مفعولًا ثانيًا في باب ظن، وثالثًا في باب أعلم، وكذا الواقعة في باب التعليق، فهذه خمسة أنواع من الجمل الواقعة مفعولًا، وكل نوع منها محله النصب وفيما يلي تفصيل ذلك:

أولًا: الجملة المحكية بالقول:

كما في قوله تعالى: {قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ} [مريم: 30]، وقوله تعالى: {وَالْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمّ إِلَيْنَا} [الأحزاب: 18] وقول المثقب العبدي:

مثلًا يضربه حكامنا قولهم

* في بيته يؤتى الحكم

وقول بَشّامة بن حزم:

إني لمن معشر أفنى أوائلهم

* قيل الكماة ألا أين المحامون

فالجمل بعد القول في هذه الشواهد في محل نصب؛ لكونها محكية بالقول، والجمهور على أنها مفعول به للقول؛ لأنها يصح أن يُخبر عنها بأنها مقولة، كما يخبر عن زيد في نحو: ضربت زيدًا بأنه مضروب.

وذهب جماعة منهم ابن الحاجب إلى إعرابها مفعولًا مطلقًا مبينًا للنوع؛ لأنها تدل على نوع خاص من القول، كما في قول العرب: قعد القرفصاء، ورُدَّ هذا القول بأن هناك فرقًا بين الجملة المحكية بالقول وبين المفعول المطلق النوعي، فإن المفعول المطلق النوعي لا يخبر عنه بأنه مفعول، فلا يقال: القرفصاء مقعودة؛ لأنها نفس القعود، بخلاف الجملة المحكية بالقول إذ يصح الإخبار عنها بأنها مقولة.

ثانيًا: الجملة المحكية بما يرادف القول:

وهو الذي يُفهم منه القول ويدل على القول، لكنه ليس بلفظه، والجملة التي تُحكى به إن صحبها حرف تفسير لم يكن لها محل من الإعراب؛ لأنها تكون حينئذ جملة مفسرة، وذلك نحو: كتبت إليه أن افعل كذا، ونحو قول الشاعر:

وترمينني بالطرف أي أنت مذنب

* وتقلينني لكن إياك لا أقلي

وإن لم يصحبها حرف تفسير كانت في محل نصب باتفاق النحويين، ومن شواهد ذلك قول الله تعالى: {وَوَصّىَ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيّ إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ لَكُمُ الدّينَ} [البقرة: 132]، وقوله تعالى: {وَنَادَىَ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَبُنَيّ ارْكَبَ مّعَنَا} [هود: 42]، وقوله تعالى: {وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]، وقوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذّنَ رَبّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنّكُمْ} [إبراهيم: 7] وقراءة بعض القراء “فدعا ربه إني مغلوب فانتصر” [القمر:10]بكسر همزة إني، ومثل ذلك قول بشر بن أبي خازم:

وجدنا في كتاب بني تميم

* أحق الخيل بالرقد المعار

وقول ذي الرمة:

سمعت الناس ينتجعون غيثًا

* فقلت لصيدَح انتجعي بلالًا

واختلف النحويون في ناصب الجملة المحكية بما يرادف القول، فذهب البصريون إلى أنها منصوبة بقول مقدر، فمثلًا قوله تعالى: {وَوَصّىَ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيّ إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ لَكُمُ الدّينَ} [البقرة: 132] يقدر فيه لفظ قال قبل جملة {يَابَنِيّ إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ لَكُمُ الدّينَ}. وقوله: {وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] يقدر فيه: يقول إن المنافقين لكاذبون، وفي بيت بشر بن أبي خازم يقدر: يقولون أحق الخيل بالرقد المعار، وهكذا.

وذهب الكوفيون إلى أن الجملة منصوبة بالفعل المذكور المرادف للقول، نحو: وصى ونادى ويشهد وتأذَّن ودعا، وقول البصريين أرجح؛ ويرجحه أن بعض الشواهد جمعت بين المرادف للقول وبين فعل القول، كقوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رّبّهُ فَقَالَ رَبّ إِنّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45] وقوله تعالى: {إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيّاً (3) قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً} [مريم: 3، 4].

والمحكي بالقول أو بما يرادف القول قد يكون جملة واحدة وقد يكون كلامًا، والمراد منه لفظه في حروفه وضبطه، ويسد مسد المفعول فهو في محل نصب على الحكاية، ويحكم له بحكم المفرد، فكأنه كلمة واحدة وقع عليها عمل الفعل فهو بمنزلة المفرد، لكن لا حاجة إلى تأويله بمفرد، وإذا كان هذا المحكي كلامًا كما في الآية الأخيرة: {إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} [مريم: 3] إلى آخره فهو كله في محل نصب مقول القول، والجملة الأولى منه ابتدائية، وما بعدها يعرب بحسب موقعه داخل الكلام المحكي.

ثالثًا: الجملة الواقعة مفعولًا ثانيًا في باب ظن، وثالثًا في باب أعلم:

وهذه الجملة تكون في الأصل خبرًا للمبتدأ، فإذا دخلت على جملة المبتدأ والخبر ظن أو إحدى أخواتها، صارت الجملة التي كانت خبرًا عن المبتدأ مفعولًا ثانيًا، ويكون محلها النصب، وكذلك تصير مع باب أعلم مفعولًا ثالثًا ويكون محلها النصب، كما تقول: زيد أخوه مجتهد، ثم تقول: علمت زيدًا أخوه مجتهد، أو تقول: أعلمت عمرًا زيدًا أخوه مجتهد، ومن شواهد هذا النوع في باب ظن قول ابن الزبير:

فما إن أرى الحجاج يغمد سيفه

* يد الدهر حتى يترك الطفل أشيب

وقول أبي ذؤيب:

فإن تزعميني كنت أجهل فيكُمُ

* فإني شريت الحلم بعدك بالجهل

ومن شواهده في باب أعلم وأرى قول النابغة:

نُبئت زرعة والسفاهة كاسمها

* يُهدي إلي غرائب الأشعار

وقول يزيد بن الطَّفَرِية:

خُبرتهم عَذبوا بالنار جارتهم

* ولا يُعذِب إلا الله بالنار

فالجملتان: يغمد سيفه وكنت أجهل فيكمو، في محل نصب على المفعول الثاني لأرى وتزعم، والجملتان: يهدي إلي وعذبوا بالنار جارتهم، في محل نصب على المفعول الثالث لنُبئ، وخُبر المبنيين للمجهول.

ومما يدخل في هذا النوع الجملة الواقعة مفعولًا ثانيًا لفعل من أفعال التحويل، كجملة {يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} في قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99] وكجملة {تَهْوِيَ إِلَيْهِمْ} في قوله تعالى: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ النّاسِ تَهْوِيَ إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] وكجملة {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ} [الأنعام: 6].

رابعًا: الجملة الواقعة في باب التعليق:

والتعليق: إبطال عمل الفعل لفظًا لا محلًّا؛ لمجيء ما له صدر الكلام بعده، وهو غير مختص بباب ظن وأخواتها، بل هو جائز في كل فعل قلبي، وسمي تعليقًا لأنه إبطال في اللفظ مع تعلق العامل في المحل، وتقدير إعماله والمانع من إعماله اعتراض ما له صدر الكلام، وهو واحد من ستة:

الأول: لام الابتداء كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 102] فجملة من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، في محل نصب بعلم المعلق عنها بلام الابتداء؛ لأن لها الصدر فلا يتخطَّاها العامل.

الثاني: لام القسم كما في قول لبيد:

ولقد علمت لتأتين منيتي

* إن المنايا لا تطيش سهامها

فاللام في لتأتين لام جواب القسم، وقد عَلَّقت الفعل علم عن العمل في القسم وجوابه، وجملة القسم وجوابه في محل نصب بعلم، وهي سادة مسد المفعولين.

الثالث: ما النافية كما في قوله تعالى: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـَؤُلآءِ يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 65] فجملة {هَـَؤُلآءِ يَنطِقُونَ} في محل نصب بعلمت، وهو معلق عن العمل فيها لفظًا لتصدرها بما النافية، ونظير ذلك قولنا: لقد علمت ما زيد حاضر.

الرابع والخامس: لا، وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر، نحو: علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو، وعلمت والله إن زيد قائمًا، وهذان في القسم الملفوظ به، فتقول في القسم المقدر: علمت لا زيد في الدار ولا عمرو، وعلمت إن زيد قائمًا، وجملة القسم وجوابه في الأمثلة الأربعة معلق عنها العامل، فهي في محل نصب على المفعولية بعلمت.

السادس: الاستفهام وله صورتان:

إحداهما: أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة نحو: {وَإِنْ أَدْرِيَ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مّا تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 109] فجملة قريب أم بعيد ما توعدون في محل نصب بأدري المعلق عن العمل فيها لفظًا بالهمزة.

الثانية: أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة أو فضلة. مثال العمدة قوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىَ} [الكهف: 12] فجملة {أَيّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىَ} في محل نصب بنعلم المعلق عن العمل في لفظها، بوجود اسم استفهام فيها؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ومثل ذلك قولك: علمت متى السفر، وعلمت أبو من زيد، وعلمت صبيحة أيِّ يوم سفرك.

ومثال الفضلة قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] فجملة {يَنقَلِبُونَ} في محل نصب بسيعلم، الذي علق عنها في العمل؛ لوجود اسم الاستفهام الفضلة فيها وهو أي. وسبب تعليقه أن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وهذا التعليق يختص بالفعل القلبي المتصرف دون الجامد، والفعل القلبي هو كل فعل دلَّ على معنًى قائمًا بالقلب، نحو: علم ودرى ورأى بمعنى علم، ووجد بمعنى علم، وظن وحسب وخال.

والمراد بالمتصرف ما يأتي منه الماضي والمضارع والأمر، ويُصاغ منه اسم الفاعل ونحوه، وجميع أفعال القلوب متصرفة إلا فعلين هما: هب بمعنى احسب، وتعلم بمعنى اعلم.

وقد زاد بعض النحويين في المعلِّقات لام الابتداء وإنّ ولو وإن الشرطية ولعل وكم الخبرية، نحو قول الأخطل:

للبين منا واختيار سوائنا

* ولقد علمتِ لغير ذاك أروم

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنّةُ إِنّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} [الصافات: 158] وقول حاتم الطائي:

وقد علم الأقوام لو أن حاتمًا

* أراد ثراء المال كان له وفر

وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مّعِينٍ} [الملك: 30]، وقوله تعالى: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلّهُ فِتْنَةٌ لّكُمْ} [الأنبياء: 111] وقول لبيد:

بل أنتِ لا تدرين كم من ليلة

* طلق لذيذ لهوها وندامها

 
قد بت سامرها وغاية تاجر

*وافيتُ إذ رُفعت وعَزّ مدامها

وإنما حكم النحويون بأن الجملة المعلق عنها في محل نصب؛ لأن المعطوف عليها يظهر فيه النصب إن كان مفردًا، كما في قول كثير:

وما كنت أدري قبل عزة ما البكا

* ولا موجعات القلب حتى تولت

فلفظ موجعات منصوب عطفًا على محل جملة ما البكا، المعلق عنها أدري؛ لوجود الاستفهام.

error: النص محمي !!