Top
Image Alt

الجهة التي يجوز لها نقض الحكم

  /  الجهة التي يجوز لها نقض الحكم

الجهة التي يجوز لها نقض الحكم

الحالات التي يجوز فيها نقض الحكم، إمَّا أن ينقضه القاضي الذي أصدره، أو من يُعرض عليه من القضاة؛ كالقاضي الذي يولِّي القضاء، أو يتولّى القضاء بعد غيره، فتعرض عليه أحكام سلفه، أو كالقاضي المكتوب إليه لتنفيذ ذلك الحكم، وإمَّا أن يجمع ولي الأمر عددًا من الفقهاء للنَّظر في حكم بعينه، أصدره من تلحقه الشبهة، فهذا يحتاج إلى تفصيل، أي: هناك قضايا لا ينبغي أن ينقضها إلّا القاضي الذي حكم فيها بنفسه، أو من يُطلَب منه ذلك، في قضايا من الممكن أن ينقضها غير القاضي الذي حكم فيها، وماذا لو أنّ الأمير نفسه أو الوالي أو السلطان هو الذي جمع العلماء, وأمرهم بالنظر في نقض حكم من الأحكام؟ هذه الأمور تحتاج إلى نوع من البسط والتفصيل.

نقض القاضي أحكام نفسه:

 الأصل أنَّ القاضي إذا حكم فليس له أو لغيره نقض حكمه، إلّا إذا خالف نصًّا من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماعًا، لكنَّ بعض الفقهاء نصوا -كما سبق- على أنه إذا تبيّن له أنّه وَهِمَ في قضائه، أو نسي، أو قضى بخلاف رأيه وهو لا يذكر، ولكن على ما قضى به بعض الفقهاء ولم تكن بينة، فينقضه بنفسه دون غيره، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، خلافًا للإمام أبي حنيفة الذي يقول بمضي هذا الفصل، ولا يُرجَع فيه.

وهنا قعَّد الفقهاء قاعدة عامَّة يمكن الاحتكام إليها, وهي: أنَّ كل قضاء لا يعرف خطؤه إلّا من جهته -جهة القاضي الذي حكم في الموضوع- كمخالفته لرأيه السابق؛ فلا ينقضه سواه, ما لم تشهد بينة بذلك فينقضه هو وغيره.

نقض القاضي أحكام غيره:

ليس على القاضي أن يتتبع قضاء من كان قبله، أي: ليس مطالبًا ولا من شأنه، بل وليس من الأدب أن ينظر في القضايا التي حكم فيها القاضي السابق، محاولًا أن ينقضها، هذا خطأ؛ لأن أحكام القاضي السابق عليه الظاهر صحتها، ما لم يظهر خلاف ذلك، لكن إن وجد فيها مخالفة صريحة؛ أي: مخالفة بينة واضحة لكتاب الله أو لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو للإجماع نقضها. والقاعدة التي قعدها الفقهاء وجمعوا بها جزئيات هذا الموضوع؛ أنَّ ما نقض به قضاء نفسه نقض به قضاء غيره، وما لا فلا، أي: وما لا ينقض به قضاء نفسه لا ينقض به قضاء غيره، ولا فرق بينهما.

نقض الأمير والفقهاء حُكْمَ القاضي:

الواقع أنَّ الحنفية والمالكية على أنه يجوز في بعض الأحوال جمع الفقهاء للنظر في حكم القاضي، فقد جاء في (تبصرة الحكام) لابن فرحون، قال مطرَّف: “وإذا اشتُكِيَ على القاضي في قضية حكم بها، ورُفع ذلك إلى الأمير، فإن كان القاضي مأمونًا في أحكامه، عدلًا في أحواله، بصيرًا بقضائه، فأرى ألَّا يعرض له الأمير في ذلك، ولا يقبل شكوى من شكاه، ولا يُجلِس الفقهاء للنظر في قضائه؛ فإن ذلك من الخطأ إن فعله، ومن الفقهاء إذا تابعوه على ذلك، وإن كان عنده متهمًا في أحكامه، أو غير عدل في حاله، أو جاهلًا بقضائه؛ فليعزله ويولِّ غيره”.

وقال مطرف: ولو جهل الأمير فأجلس فقهاء بلده، وأمرهم بالنظر في تلك الحكومة، وجهلوا هم أيضًا أو أُكرهوا على النظر فنظروا, فرأوا فسخ ذلك الحكم، ففسخه الأمير أو رد قضيته إلى ما رأى الفقهاء، فأرى لمن نظر في هذا بعد ذلك، أن ينظر في الحكم الأول، فإن كان صوابًا لا اختلاف فيه، أو كان مما اختُلِفَ أو اخَتَلف فيه أهل العلم، أو مما اختلف فيه الأئمة الماضون، فأخذ القاضي السابق ببعض ذلك؛ فحكمه ماضٍ، والفسخ الذي تكلَّفه الأمير والفقهاء باطل. وإن كان الحكم الأول خطأ بينًا؛ أمضى فسخه، وأجاز ما فعله الأمير والفقهاء. ولو كان الحكم الأول خطأً بينًا، أو لعله قد عُرِفَ من القاضي بعض ما لا ينبغي من القضاة، ولكن الأمير لم يعزله، وأراد النظر في تصحيح ذلك الحكم بعينه؛ فحينئذ يجوز للفقهاء النظر فيه. فإذا تبيَّن لهم أن حكمه خطأ بَيّن؛ فليردُّوه أو فليردَّه. وإن اختلفوا على الأمير، فرأى بعضهم رأيًا، ورأى بعضهم رأيًا غيره؛ لم يمل مع أكثرهم، ولكن ينظر فيما اختلفوا فيه، فما رآه صوابًا قضى به وأنفذه.

وكذلك ينبغي للقاضي أن يفعل إذا اختَلَف عليه المشيرون من الفقهاء، قال مطرف: ولو كان القاضي لم يكن فصل بعْدُ في الخصومة فصلًا، فلما أجلس معه غيره للنظر فيها، وقال: قد حكمت؛ لم يُقبل ذلك منه؛ لأن المنع عن النظر في تلك الحكومة وحدها، فتلزمه بمنزلة ما لو عزل، ثم قال: قد كنت حكمت لفلان على فلان، لم يكن ذلك بقوله، أو لم يُقبل ذلك القول منه إلا ببينة تقوم على ذلك.

error: النص محمي !!