Top
Image Alt

الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، من باع ذهبًا وغَيّره بذهب

  /  الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، من باع ذهبًا وغَيّره بذهب

الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، من باع ذهبًا وغَيّره بذهب

. الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل:

إذا كان الإنسان يجهل التساوي بين الصنفين؛ فلا يشتري، ولا يبيع، كما لو علم بالتفاضل، فلو علم بالتفاضل؛ كان البيع حرامًا والشراء، كذلك لو جهل التساوي يكون البيع حرامًا.

عن جابر رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصُّبرة من التمر لا يُعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر)) رواه مسلم والنسائي، وهو يدل بمفهومه على: أنه لو باعها بجنس غير التمر لجاز.

هذا الحديث رواه أيضًا الإمام الصنعاني في كتابه (سبل السلام) الذي يشرح فيه كتاب (بلوغ المرام)، ثم بيَّن معنى الصُّبرة، فقال: بضم الصاد المهملة: هي الطعام المجتمع من التمر، التي لا يُعلم مكيلها بالكيل المُسمَّى من التمر. رواه مسلم.

ثم قال الصنعاني: دلَّ الحديث على أنه لا بد من التساوي بين الجنسين، وتقدَّم اشتراطه، وهو وجه النهي. وقال الإمام الشوكاني في هذا الحديث عن الصبرة: قال في (القاموس): والصبرة بالضم ما جُمع من الطعام بلا كيل ووزن.

وقوله: ((لا يُعلم كيلها)) صفة كاشفة للصبرة؛ لأنه لا يقال لها صبرة، إلا إذا كانت مجهولة الكيل.

والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز أن يُباع جنس بجنسه، وأحدهما مجهول المقدار؛ لأن العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس شرطٌ لا يجوز البيع بدونه، ولا شكَّ أن الجهل بكلا البدلين، أو بأحدهما فقط مظنَّة الزيادة والنقصان، وما كان مظنة للحرام؛ وجب تجنبه، وتجنب هذه المظنة إنما يكون بكيل المكيل، ووزن الموزن من كل واحد من البدلين.

عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز؛ ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثنتي عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يُباع حتى يُفصَّل)) رواه مسلم، والنسائي، وأبو داود، والترمذي، وصححه.

وفي لفظ: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِي بقلادة فيها ذهب وخرز، ابتاعها رجل بتسع دنانير، أو سبعة دنانير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميَّز بينه وبينه، فقال: إنما أردت الحجارة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميَّز بينهما. قال: فردَّه حتى ميَّز بينهما)) رواه أبو داود في سننه.

الحديث في (التلخيص) له عند الطبراني في (الكبير) طُرُق كثيرة جدًّا، في بعضها: ((قلادة فيها خرز، وذهب))، وفي بعضها: ((ذهب، وجوهر))، وفي بعضها: ((خرز، وذهب))، وفي بعضها: ((خرز معلقة بذهب))، وفي بعضها: ((باثني عشر دينارًا))، وفي بعضها: ((بتسعة دنانير))، وفي أخرى: ((بسبعة دنانير)).

وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعًا شهدها فضالة. قال الحافظ: والجواب المسدد عندي: أن هذا الاختلاف لا يُوجب ضعفًا، بل المقصود منها الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه: وهو النهي عن بيع ما لم يفصل. وأما جنسها وقدر ثمنها؛ فلا يتعلَّق في هذه الحال ما يُوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذٍ ينبغي الترجيح بين رُواتها، وإن كان الجميع ثقات، فيُحكم بصحة رواية أحفظهم، وأضبطهم، فيكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذَّة. وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في (صحيح مسلم) و(سنن أبي داود).

قوله: بتشديد الصاد ((ففصَّلتها)) الحديث استدلَّ به على أنه لا يجوز بيع الذهب مع غيره بذهب؛ حتى يُفصَّل من ذلك الغير، ويُميَّز عنه؛ ليعرف مقدار الذهب المتصل بغيره، ومثله الفضة مع غيرها بفضة، وكذلك سائر الأجناس الربوية؛ لاتِّحَادها في العلة: وهي تحريم بيع الجنس بجنسه متفاضلًا.

ومما يرشد إلى استواء الأجناس الربوية في هذا المقام: ما تقدَّم من نهيه عن بيع الصُّبرة من التمر بالكيل المسمَّى من التمر؛ وكذلك نهيه عن بيع التمر بالرطب خَرْصًا؛ لعدم التمكن من معرفة التساوي على التحقيق، وكذلك في مثل مسألة القلادة يتعذَّر الوقوف على التساوي من دون فصل، ولا يكون مجرَّد الفصل؛ بل لا بد من معرفة مقدار المفصول والمقابل له من جنسه، وللعمل بظاهر الحديث ذهب عمر بن الخطاب، وجماعة من السلف، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحكم المالكي، وقالت الحنفية، والثوري، والحسن بن صالح، والعترة: إنه يجوز إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذي في القلادة، ونحوها، لا مثله، ولا دونه. وقال مالك: يجوز إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذي في القلادة، ونحوها، لا مثله، ولا دونه. وقال مالك: يجوز إذا كان الذهب تابعًا لغيره بأن يكون الثلث فما دونه.

وقال حمَّاد بن أبي سليمان: إنه يجوز بيع الذهب مع غيره بالذهب مطلقًا؛ سواء كان المنفصل مثل المتصل، أو أقل، أو أكثر.

واعتذرت الحنفية، ومن قال بقولهم عن الحديث بأن الذهب كان أكثر من المنفصل، واستدلُّوا بقوله ((ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا))، أو الثمن إما سبع أو تسع، وأكثر ما روي أنه اثني عشر.

وأجيب عن ذلك بما تقدَّم عن البيهقي من أن الفضة التي شهدها فضالة كانت متعدِّدة؛ فلا يصح التمسك بما وقع في بعضها، وإهدار البعض الآخر.

وأجيب أيضًا بأن العلَّة هي عدم الفصل، وظاهر ذلك عدم الفرق بين المساوي، والأقل، والأكثر، والغنيمة وغيرها.

وبهذا يُجاب عن الخطابي؛ حيث قال: إن سبب النهي كون تلك القلادة كانت من المغانم؛ مخافة أن يقع المسلمون في بيعها.

وقد أجاب الطحاوي عن الحديث بأنه مضطرب، قال السبكي: وليس ذلك باضطراب قادح، ولا تُرَدُّ الأحاديث الصحيحة بمثل ذلك. انتهى.

وقد عرفت مما تقدم أنه لا اضطراب، محلُّ الحجة والاضطراب في غيره لا يقدح فيه، وبهذا يجاب أيضًا على ما قاله مالك.

وأما ما ذهب إليه حمَّاد بن أبي سليمان؛ فمردود بالحديث على جميع التقادير، ولعلَّه يُعتذر عنه بمثل ما قال الخطابي: أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ.

قوله: ((حتى تُميِّز)) بضم تاء المخاطب في أوله وتشديد الياء المكسورة بعد الميم.

قوله: ((إنما أردت الحجارة)) يعني: الخرز الذي في القلادة ولم أرد الذهب.

error: النص محمي !!