Top
Image Alt

الجهود الدلالية في (الخصائص)

  /  الجهود الدلالية في (الخصائص)

الجهود الدلالية في (الخصائص)

إن لابن جني جُهودًا لا تُنكر في مجال اللغة بصفة عامة، وفي مجالِ الدلالة بصفة خاصة؛ فدراسة المعنى هي أساسُ الدراسات اللغوية وهي هدفُ اللغويين؛ ومن ثَم لا يمكن لابن جني -وهو المدرك لهذا. أن يغفل عن هذا الجانب المهم من جوانب اللغة، وبخاصة أن هذا الجانب مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأقدس كتاب.

ولأهمية البحثِ في دَلالة الألفاظ اللغوية، انبرى ابنُ جني للرد على مَن ادَّعى على العربِ عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني، وقد عقَدَ لذلك بابًا في “خصائصه” بعنوان: “باب: في الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني”؛ فقال فيه -بل في صدره-:

“اعلم أن هذا الباب من أشرف فصول العربية وأكرمها وأعلاها وأنزهها، وإذا تأملته عَرْفتَ منه وبه ما يؤنقك، وتذهب في الاستحسان له كل مذهب بك؛ وذلك أن العرب كما تعنَى بألفاظها فتصلحها وتهذبها وتراعيها وتلاحظ أحكامها -بالشعر تارةً وبالخطب أخرى، وبالأسجاع التي تلتزمها وتتكلف استمرارها. فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأفخم قدرًا في نفوسها؛ فأول ذلك عنايتها بالألفاظ؛ فإنها لما كانت عنوان معانيها وطريقًا إلى إظهار أغراضها ومراميها؛ أصلحوها ورتبوها وبالغوا في تحبيرها وتحسينها؛ ليكون ذلك أوقع لها في السمع، وأذهب بها في الدلالة على القصد، ألا ترى أن المثل إذا كان مسجوعًا لَذَّ سامعه فحفظه؟! فإذا هو حفظه كان جديرًا باستعماله، ولو لم يكن مسجوعًا لم تأنس النفس به ولا أنقت لمستمعه، أي: لاستمعاه، وضبط بكسر الميم مستمِع وضبط مستمَع، وهذا هو الأفضل.

وإذا كان كذلك لم تحفظه وإذا لم تحفظه لم تطالب أنفسَها باستعمال ما وضع له وجيء به من أجله، وقال لنا أبو علي يومًا: قال لنا أبو بكر -أبو علي الفارسي أستاذ ابن جني، وأن أبا بكر هو ابن السراج: إذا لم تفهموا كلامي فاحفظوه، فإنكم إذا حفظتموه فهمتموه، وكذلك الشعر: النفس له أحفظ، وإليه أسرعُ”.

ثم يقول ابن جني: “فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها، وحموا حواشيها وهذبوها -أي: أطرافها. وصقلوا غروبها وأرهفوها؛ فلا ترين أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ؛ بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني وتنويه بها وتشريف منه. ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصيله وتزكيته وتقديسه؛ وإنما المبغي بذلك منه الاحتياط للموعَى عليه”.

ثم يقول: فإن قلت: فإنا نجد من ألفاظهم ما قد نمقوه وزخرفوه ووشوه ودبجوه، ولسنا نجد -مع ذلك- تحته معنًى شريفًا؛ بل لا نجده قصدًا ولا مقاربًا؛ ألا ترى إلى قوله:

 ولما قضينا من منى إلا حاجة

*ومسح بالأركان من هو ماسح

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا

*وسالت بأعناق المطي الأباطح

ولا يخفى عليك أن هذين البيتين قد نُسِبَا إلى يزيد بن التصرية، كما ذكر الشيخ محمد النجار محقق (الخصائص).

يقول ابن جني: “فقد ترى إلى علو هذا اللفظ ومائه، ثم يقول: ومعناه -مع ذلك- ما تحسه وتراه إنما هو لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين وتحدثنا على ظهور الإبل. ولهذا نظائر كثيرة شريفة الألفاظ رفيعتها، مشروفة المعاني خفيضتها”.

وقد دفع ابن جني هذا الاعتراض بتفصيل رائع، مؤكدًا أن العرب إنما تحلي ألفاظها وتدبجها وتشيها وتزخرفها؛ عنايةً بالمعاني التي وراءها، وتوصلًا بها إلى إدراك مطالبها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((إن من الشعر لحكمًا، وإن من البيان لسحرًا))؛ فإن كان رسول الله صلى الله عليه  وسلم يعتقد هذا في ألفاظ هؤلاء القوم التي جُعلت مصايد وأشراكًا للقلوب، وسببًا وسلمًا إلى تحصيل المطلوب؛ عرف بذلك أن الألفاظ خدم للمعاني والمخدوم -لا شك- أشرف من الخادم.

ثم دلل بالتفصيل على اهتمام العرب بمعانيها وتقدمها في أنفسها على ألفاظها، وذلك بأكثر من دليل تراه في هذا الباب من (الخصائص)، وانتهى من هذا الباب إلى تأكيد هذه الفكرة، مؤكدًا أن اللفظ خادم للمعنى وإنما جيء به له ومن أجله، مشيرًا إلى أن من الدلائل التي تؤكد عناية العرب بمعاني ألفاظها: الحمل على المعنى وترك اللفظ؛ كتذكير المؤنث وتأنيث المذكر وإضمار الفاعل لدلالة المعنى عليه، وإضمار المصدر لدلالة الفعل عليه، وحذف الحروف والأجزاء التوامِّ والجمل… وغير ذلك؛ حملًا عليه وتصورًا له… وغير ذلك مما يطول ذكره ويمل أيسره، وذكر أن ذلك أمر مستقر.

ولم يكتفِ هذا العلامة بهذا فقط؛ ولكن جهده في الدلالة واسع وكبير؛ فقد أدلى بدلوه في دلالة سياق الحال، وفي تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني، والاشتقاق الأكبر، وتصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني، وفي إمساس الألفاظ أشباه المعاني، وفي التضمين، وفي الفرق بين الحقيقة والمجاز، وفي الدلالة اللفظية والصناعية والمعنوية، وفي قوة اللفظ لقوة المعنى، وفي الجمع بين الأضعف والأقوى، في عِقد واحد… هذا وغيره تراه على هيئة أبواب في فهارس (الخصائص) إن تصفحته، وتراه عناوين مفصلة في ثنايا الكتاب ذي الأجزاء الثلاثة.

error: النص محمي !!