Top
Image Alt

الحالة الثانية: تعارض العموم والخصوص الوجهي

  /  الحالة الثانية: تعارض العموم والخصوص الوجهي

الحالة الثانية: تعارض العموم والخصوص الوجهي

العموم والخصوص الوجهي يختلف عن العموم والخصوص المطلق؛ فالعموم والخصوص الوجهي يشتمل على عامَّيْنِ من وجهٍ وخاصين من وجه، وذلك بأن يرد حديثان الحديث الأول فيه عمومٌ وخصوصٌ يتعارضان مع الحديث الثاني الذي فيه عمومٌ وخصوصٌ أيضًا؛ فالحكم حينئذٍ يخصص عموم الحديث الأول بالخصوص الوارد في الحديث الثاني، ويخصصُ عموم الحديث الثاني بالخصوص الوارد في الحديث الأول. وبهذا نكون قد جمعنا بين الحديثين بالصفة المذكورة.

والمثال على هذا: روى الإمام البخاري والإمام مسلمٌ في (صحيحيهِمَا) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: لَا صلاةَ بعد صلاةِ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعد صلاةِ الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ)) اللفظ لمسلم. رواه البخاري في (صحيحه) في كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، الحديث السادس والثمانون وخمسمائة بتقديم وتأخيرٍ الجزء الثاني الصحيفة الثالثة والسبعون ومسلم في (صحيحه) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها الحديث الثامن والثمانون ومائتان، الجزء الأول، الصحيفة السابعة والستون وخمسمائة. وروى البخاري ومسلمٌ في (صحيحيهما) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نسي صلاةً، فليصل إذا ذَكَرَها، لا كفارة لها إلا ذلك، وأقم الصلاة لذكري)) رواه البخاري في (صحيحه) في أواخر كتاب مواقيت الصلاة باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة. الحديث السابع والتسعون وخمسمائة الجزء الثاني الصحيفة الرابعة والثمانون. ومسلم في (صحيحه) في آخر كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها الحديث الرابع عشر، وثلاثمائة والخامس عشر وثلاثمائة والسادس عشر وثلاثمائة، وزاد في رواية ((من نسي صلاة أو نام عنها)) الجزء الأول الصحيفة السابعة والسبعون وأربعمائة.

وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا ((لا صلاة بعد صلاة العصر))، فيه عموم النهي عن الصلاة في هذين الوقتين وعموم ((لا صلاة)) يعم الفريضة والنافلة والحاضرة والفائتة لكن يستثنى من هذا العموم ما دل عليه النص والإجماع، فتستثنى فريضة الوقت المؤداة قبيل غروب الشمس أو شروقها؛ فمن أدرك من صلاة الصبح ركعة قبيل طلوع الشمس فصلاته كلها أداء، وتكون حاضرة. ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبيل غروب الشمس فصلاته أداء كلها، ودليل هذا التخصيص ما رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر)) اللفظ لمسلم رواه البخاري في (صحيحه) كتاب مواقيت الصلاة. باب: من أدرك من الفجر ركعة الحديث التاسع والسبعون وخمسمائة الجزء الثاني الصحيفة السابعة والستون ومسلم في (صحيحه) كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة الحديث الثالث والستون ومائة الجزء الأول الصحيفة الرابعة والعشرون وأربعمائة.

ويخص من عموم النهي أيضًا: إعادة صلاتي الصبح والعصر في جماعة ثانية لما رواه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي من حديث يزيد بن الأسود العامري رضي الله عنه قال: ((شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، قال: فلما قضى صلاته، وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: عليَّ بِهمَا، فجيء بهما ترعد فرائصهما فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فَصَلَّيَا مَعَهُم، فإنها لكما نافلة)). قال أبو عيسى: “حديث يزيد بن الأسود حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحدٍ من أهلِ العلمِ، وبه يقول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق قالوا: إذا صلى الرجل وحده، ثم أدرك الجماعة، فإنه يعيد الصلوات كلها في الجماعة، وإذا صلى الرجل المغرب وحدها، ثم أدرك الجماعة قالوا: فإنه يصليها معهم، ويشفع بركعة، والتي صلى وحده، هي المكتوبة عندهم”. رواه أبو داود في (سننه)، كتاب الصلاة، باب: في من صلى في منزله، ثم أدرك الجماعة يصلي معهم الحديث الخامس والسبعون وخمسمائة والسادس والسبعون وخمسمائة الجزء الأول الصحيفة السابعة والخمسون ومائة والترمذي في (جامعه) أبواب الصلاة: باب ما جاء في الرجل يصلي وحده، ثم يدرك الجماعة، الحديث التاسع عشر ومائتان الجزء الأول الصحيفة الرابعة والعشرون وأربعمائة إلى السابعة والعشرين وأربعمائة والنسائي في (سننه) كتاب الإمامة إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده. الحديث الثامن والخمسون وثمانمائة الجزء الثاني الصحيفة الثانية عشرة ومائة إلى الثالثة عشرة ومائة.

ومعنى ((ترعد فرائصهما)) أي: ترجف من الخوف والفرائص جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف، تهتز عند الفزع، انظر: (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير، الجزء الثالث الصحيفة الواحدة والثلاثون، وأربعمائة، والثانية والثلاثون وأربعمائة. ومعنى ((قد صلينا في رحالنا)) أي: في منازلنا، يقال لمنزل الإنسان ومسكنه ودارِهِ: رحل وجمعه رحال، انظر: (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير الجزء الثاني الصحيفة التاسعة بعد المائتين.

ويخص من عموم النهي أيضًا: بالنص ركعتا الطواف بعد صلاتي الصبح والعصر لما رواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد والدارمي، وابن حبان، والحاكم في (مستدركه) من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت ويصلي، أي ساعة شاء من ليل أو نهار)). قال أبو عيسى: “حديث جبير حديثٌ حسنٌ صحيح”، رواه أبو داود في (سننه) كتاب المناسك، باب: الطواف بعد العصر، الحديث الرابع والتسعون وثمانمائة وألف الجزء الثاني الصحيفة الثمانون ومائة والترمذي في (جامعه) كتاب الحج، باب: ما جاء في الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح لمن يطوف الحديث الثامن والستون وثمانمائة، الجزء الثالث، الصحيفة العشرون ومائتان والنسائي في (سننه) كتاب المواقيت إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة الحديث الخامس والثمانون وخمسمائة، وصرَّحَ أبو الزبير المكي بالسماعِ من عبد الله بن بَابَاه الجزء الأول الصحيفة الرابعة والثمانون ومائتان.

وفي كتاب (مناسك الحج) إباحة الطواف في كل الأوقات الحديث الرابع والعشرون وتسعمائة وألفان الجزء الخامس الصحيفة الثالثة والعشرون ومائتان وابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت الحديث الرابع والخمسون ومائتان وألف الجزء الأول الصحيفة الثامنة والتسعون وثلاثمائة وأحمد في مسنده الجزء الرابع الصحيفة الثمانون والدارمي في (سننه) كتاب المناسك، باب: الطواف في غير وقت الصلاة الحديث الثاني والثلاثون وتسعمائة وألف الجزء الأول الصحيفة السبعون، وابن حبان في (صحيحه) كتاب الصلاة، باب: مواقيت الصلاة فصل في الأوقات المنهي عنها الحديث الخمسون وخمسمائة وألف الجزء الثالث الصحيفة السادسة والأربعون والحديث الحادي والخمسون وخمسمائة وألف والثاني والخمسون وخمسمائة وألف الجزء الثالث الصحيفة السادسة والأربعون إلى الصحيفة السابعة والأربعين والحاكم في (مستدركه) كتاب المناسك، وقال عقبه: “هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه”، وأقره الذهبي الجزء الأول الصحيفة الثامنة والأربعون وأربعمائة. وأما حديث أنس مرفوعًا: ((من نسي صلاة فليصل إذ ذكرها)) فالعموم فيه في إباحة قضاء الصلاة في أي وقت ويدخل فيه أوقات الكراهة، لكنه مخصوص بكراهة النفل المطلق، كما أفاد هذا التخصيص حديث أبي سعيد الخدري ((لا صلاة بعد صلاة العصر)) وقد تقدم. وانظر مثالًا آخر في كتاب (التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية) الجزء الثاني الصحيفة التاسعة.

error: النص محمي !!