Top
Image Alt

الحداثة، وقصيدة النثر

  /  الحداثة، وقصيدة النثر

الحداثة، وقصيدة النثر

والحداثة: موجة تلت أو كانت معاصرة للدعوة إلى الشعر الحر، لكن الحداثيين أرادوا أن تكون ثورتهم غيرَ محدودة بالثورة على نظام القصيدة الموسيقي.

أصحاب الشعر الحر تمردوا على النظام الموسيقي للقصيدة: على وحدة القافية، وعلى البيت المكون من شطرين، لكن الدعوة الحداثية تتضمن ثورة على كل ما هو موروث، وعلى كل ما هو مقدس، وتتضمن ثورة على اللغة في بِناء جملها وتراكيبها، وثورةً على اللغة في دلالاتها.

إن الحداثة مذهب يريد أن يدمر كل شيء، فالحداثة في حقيقتها مذهب فكري واجتماعي وأدبي -كما قلت- يريد أن يلغي كل ما هو موروث، وهذه دعوة في الحقيقة غريبة وعجيبة؛ لأن كل تجديد ينبغي أن يكون مرتبطًا بأسس، ومبنيًّا على قواعد، أما إلغاء كل ما هو موروث والثورة على كل ما هو مقدس، فإن شيئًا مفيدًا لن ينتج عن هذه الثورة. فدعاة الحداثة لم يكتفوا بالتجديد والتحرر الذي حدَثَ من خلال الدعوة إلى الشعر الحر، بل تعدت دعوتهم التمرد الموسيقي؛ لتنال من لغةِ الشعر في قواعدها المقررة نحوًا وبلاغةً ودلالةً.

والحقيقة أن هذه الدعوة المشبوهة يرجع تاريخها إلى أوائل القرن العشرين، وتمثلت هذه المحاولات الأولى في الحملة على البلاغة العربية وأساليبها البيانية المستمدة من القرآن الكريم، والحديث الشريف، والأدب العربي، والادعاء بأنها غير مناسبة للعصر، والدعوة إلى نبذها والبحث عن بلاغة عصرية بدلًا منها. كما تمثلت في الدعوة إلى اتخاذ العامية لغةً للأدب والكتابة.

وفي المراحل المتأخرة من القرن العشرين -وحتى يومنا هذا- تبنى هذه الدعوة الثائرة نفرٌ من الأدباء الذين رُبوا على موائد الثقافة العربية.

وهؤلاء الحداثيون الذين يريدون تدمير اللغة العربية والثقافة العربية، يموِّهون ما يدعون إليه بألفاظ، مثل: تحرير اللغة من العقلانية والمنطق، والادعاء بأن الشعر كَشْف صوفي وحدث إشراقي، ومغامرة وضَرْبٌ من السحر، وأن الشاعر يمتلك لغته ولا تملكه اللغة، هكذا يقولون هذا.

فـ”أدونيس” -مثلًا- يقول: “الشكل الشعري كالمضمون الشعري يولد ولا يبنَى، يخلق ولا يكتسب، يجدد ولا يورث”.

ويقول: “اللامحدود واللانهائي هذا مجال الإبداع، والشعر هنا سيلٌ أبدي المفاجآت، تتدافع في المد الخلَّاق نحو المجهول، الطريق التي يرتسمها الإبداع حدثية إشراقية رؤياوية، الشاعر لا ينطلق من فكرة محددة أو وضع محدد، فإن هذا الهدف لا مكانَ له في الشعر الحق. هذا يقذف به في جميع الاتجاهات حتى الأطراف القصوى، ويغير علاقته باللغة لا تعود اللغة وسيلةً لإقامة العلاقات اليومية بينه وبين الآخرين. من هنا لا تعود اللغة وسيلةً لانحباس الشاعر وراءها أو فيها والهروب من الواقع، تصبح وسيلةً لمحو الحدود كلها بين الإنسان والآخر، الإنسان والكلمة، لقد انتهى عهد الكلمة الغاية، فتُفرغ الكلمات من معانيها الموضوعة الموجودة مسبقًا في المعاجم، أو على الألسنة”.

هذه دعوة إذًا إلى تفريغ الكلمات من مدلولاتها، والتراكيب من معانيها، ودعوة إلى أن تصبح الأشعار أو أن يصبح الأدب ضربًا -كما يقولون- من السحر غير المفهوم الذي لا يُدل على معنًى معين، وتنفتح الطريق أمامهم؛ ليعبروا عما يريدون، وليقولوا ما يشاءون بدعوَى: أن الشاعر حُر في اختيار لغته وفي تركيبها، وأن الدلالات التي نعرفها ويمكن أن نفهمها هم لا يقفون عندها، بل يتعدونها إلى آفاقٍ جديدةٍ حداثية وإشراقية كما يقولون.

هذا كلام في الحقيقة عجيب وغريب! ويُفقد الناقد مقاييسَ الحكم على العمل الأدبي.

وقد تكاثر وتناثر هؤلاء الحداثيون، وكثر كلامُهم الذي يتحدثون به عن الشعر، وتجربة الشعر، وعن اللغة، وتحرر الشاعر من كل القيود، ومن كل القواعد، والضرب بقواعد النحو والصرف والبلاغة، وكل ما يمكن أن يستهدي الناقد به في الحكم على العمل الأدبي، يضربون بكل ذلك عرض الحائط.

فمثلًا هذا واحد منهم يقول: “الشعر تجربة روحية وهيامٌ من المحدود إلى المطلق، وكما أنه انعتاق للإنسان فهو كذلك انعتاق للغة، فالشاعر يأخذ الكلمة؛ ليحررها من قيود السنين، إن الشاعر يحرر الكلمة من معانيها مِمَّا علق بها من غبار السنين، فيطهرها ويغسلها”.

وفي وضوحٍ أكثر يقول أحدُهم: “أصبح من خصائص القصيدة الجديدة ذلك التركيب غير العادي للعبارة، من حيث التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والفصل والوصل، وأصبحنا نجد الألفاظ تتناثر تناثرًا عجيبًا لا تربطها رابطة؛ إذ اختفت كثيرٌ من الأدوات النحوية التي اعتدنا وصل الجمل بها. وكذلك استعملت حروف كثيرة في غير معانيها التي وضعت لها، وتوالت الضمائر من غير أن يكون هناك ذكر لِمَن تعود إليه، ومن شأن ذلك أن يزيد من غموض القصيدة الجديدة وانفصالها عن القارئ، وقد حرص الشاعر المحدث على كسر الإطار العام للتركيب اللغوي خلال ثورته العارمة على الاتجاه العقلي الذي هيمن على اللغة”.

ويقول متبنيًا هذه الدعوة: “بوسعنا أن نقول: إن للشعر خاصةً وللإبداع عامة نحوه الخاص، ولنجرؤ قليلًا فنقول: إنه ضد النحو، تتحرك فيه اللغة وفق منطق شعري خاص، لم يعد لمقولات المطابقة في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، وحركات الإعراب، ما يقتضي وجودها من خارج النص، إنما تظل كل تلك الأسس النحوية احتمالات من شأن الرؤية أن تحرك النص بعيدًا عنها إن كان لذلك التحريك ما يقتضيه”.

ثم يقول: “من الصعب علينا أن نتفهَّم القصيدة الجديدة بعد أن تخلَّت عن أن يكون لها غرضٌ ما، وأصبحت اللغة فيها لا تشير أو تحيل إلى معنًى محدد، وإنما هي توحي بالمعنى إيحاءً بحيث لا تنتهي القصيدة عند انتهاء الشاعر من كتابتها، وإنما تظل تنمو في طقس كل قارئ من قُرائها حتى يوشك أن يصبح لها من المعاني بعدد ما لها من القراء”.

هكذا يخلطون بعض الحق بكثير من الباطل، صحيح للشعر لغته الخاصة، صحيح على الشاعر أن يضيف إلى تعبيراته إيحاءاتٍ جديدةً، لكن يتحدثون عن الإيحاء والإبداع والتجربة الروحية مع حِرصهم على تحطيم اللغة؛ وسيلةً لتحقيق الإبداع والتعبير عن التجربة.

والحقيقة أن هذه الثورة الجامحة على اللغة وعلى الفكر، لم تتوقف عند حدود، -حتى عند حدود المقدسات- وإنما أرادت أن تجرف في طريقها كلَّ ما هو موروث.

وظهرت من ثمرات هذه الحَداثة الدعوةُ إلى ما يسمى بقصيدة النثر، وهذه التسمية في الحقيقة -قصيدة النثر- يظهر منها أول ما يظهر أنه لا فرقَ بين الشعر والنثر، وهي تطوير لما سمي في القرن الماضي أو مطلع القرن العشرين عند جبران خليل جبران -الشاعر والأديب المهجري- بـ”الشعر المنثور”. جبران خليل جبران له نثر، فيه تصوير، وفيه استعارات، وفيه عاطفة، فكانوا يسمونه شعرًا منثورًا؛ لأنه امتلأ بكثيرٍ من الاستعارات والكنايات والمجازات، وأنواع الخيال.

كقوله -مثلًا:

يا ليل العشاق والشعراء والمنشدين

يا ليل الأشباح والأرواح والأخيلة

يا ليل الشوق والصبابة والتذكار

أيها الجبار الواقف بين أقذام المغرب وعرائس الفجر

المتقلد سيف الرهبة

المتوج بالقمر

المتشح بثوب السكوت

الناظر بألف عين إلى أعماق الحياة

المصغي بألف أذن إلى أنة الموت والعدم

في ظلالك تدب عواطف الشعراء

وعلى منكبيك تستفيق قلوب الأنبياء

وبين ثنايا ضفائرك ترتعش قرائح المفكرين

أنا مثلك يا ليل

أنا ليل مسترسل منبسط

هادئ مضطرب

وليس لظُلمتي بدأ ولا لأعماقي نهاية

فهذا مما سموه شعرًا منثورًا.

والحق أن النثر العربي القديم فيه قِطع كثيرة فيها استعارات ومجازات، وعواطف وخيالات، بل إن نثر المنفلوطي والرافعي في العصر الحديث أيضًا فيه هذه الاستعارات، وهذه الخيالات، وهذه العواطف. ولو أننا ادعينا أن كل هذا النثر شعر لَضَاعت الفروق بين الفنون، وهدمت الحدود بين النثر والشعر، ولا بد أن تظل هناك فروق تحدد كل فن وتعزله، أو تميزه عن الفنون الأخرى. وتسمية الشعر شعرًا منثورًا، أو تسمية قصيدة النثر، فيها في الحقيقة -هذه التسمية أو هذا المصطلح- كثير من الخلط.

لكن الدعوةَ إلى قصيدة النثر وجدت مَن يروج لها ويتحمس لها، ويكتب ويصدر ما يسميه “دواوين” ويكتب في هذه الدواوين كلامًا لا ينتمي إلى النثر الفني، ولا ينتمي إلى الشعر حتى في النمط الجديد -الذي يسمى بـ”شعر التفعيلة”.

من هؤلاء المتحمسين لهذا اللون من الكتابة والذي يسمونه بـ”قصيدة النثر”: أنسي الحاج، وهو صحفي لبناني، ولد عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين، وبدأ ينشر قصصًا قصيرةً وأبحاثًا في المجلات الأدبية منذ عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين، وعَمِلَ في الصحافة، وتولَّى رئاسة تحرير العديد من المجلات، وترجم بعضَ الأعمال من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية.

ولنقرأ بعض النماذج التي نُشرت له على أنها مما يسمى بـ”قصيدة النثر” تحت عنوان: “غيوم”، يقول:

غيوم يا غيوم

يا صعداء الحالمين وراء النوافذ

غيوم يا غيوم

علميني فرح الزوال

هل يحب الرجل ليبكي أم ليفرح

وهل يعانق لينتهي أم ليبدأ

لا أسأل لأجاب

بل لأصرخ في سجون المعرفة

ليس للإنسان أن ينفرج بدون غُيوم

ولا أن يظفر بدون جزية

لا أعرف مَن قسم هذه الأقدار

ومع هذا فإن قدري أن ألعب ضدها

هلمي يا ليِّنتي وقاسيتي

يا وجه وجوه المرأة الواحدة

يا خرافة هذيان

يا سلطانة الخيال وفريسته

يا مسابقة الشعور والعدم

هلمي إلى الثواني المختلجة نسرق ما ليس لأحد سوانا

وهمك أطيب من الحياة

وسرابك أقوى من الموت

ثم يقول:

أنا أقول لك

كل اللعنات تغسلها أعجوبة اللقاء

وجمر عينيك يا حبيبتي يعانق شياطيني

تنزلينني إلى ما وراء الماء

وتصعدينني أعلى من الحرية

أغمض عليك عمري وقمري فلا تخونني أحلام

يا نبع الغابات الداخلية

يا نعجة ذئبي الكاسرة

مَن يخاف على الحياة وملاك الرغبة ساهر يضحك

لا يُولد كل يوم أحد في العالم

لا يولد غير عيون تفتن العيون

نظرة واحدة نظرة

وعيناك الحاملتان سلام الخطيئة

تمحوان ذاكرة الخوف

وتسيجان سهولة الحصول بزوبعة السهولة

ثم يقول:

وأخافك

كيف لرجل أن يعشق مخيفة

مَن يدفع بالدافئ إلى الصقيع

والمستظل إلى الهاجرة

مَن يقذف بالصغير إلى الخارج

ويحرم الرضيع التهام أمه

ولم يحلّ وقت السوء

ولم ينهش الصدر

ليس للإنسان أن ينفرجَ بدون غيوم

ولا أن يظفر بدون جزية

فليكن للقدر حكمته

ستكون لي حكمتي

وليكن للقدر قضاؤه

ستكون لي رحمتي

لم يخلصنا يا حبيبتي إلا الجنون

شبكتك ألهتني عن الحياة

ولهوك حماني

قيود يديك طوقت قلبي بالغناء

وجَمْر عينيك عانق شياطيني

لنفسي لون عيون، قتلَ الذات المدمرين وراء باب ما

ابتسامة ما

خيانة دومًا

خيانة لا تُطاق

أفدح من أي فقد

خيانة تسلبك عمرك

تسلبك أمك وأباك

تسلبك أرضاك وسماءَك

خيانة لا أحد يستطيع شيئًا

في وقت من الأوقات لم يك أحد

كان الهواء يتنفس من الأغصان

والماء يترك الدنيا وراءَه

كانت الأصوات والأشكال أركانًا للحُلم

لم يكن أحد إلا وله أجنحة

وما كان لزوم للتخفي

ولا للحب

ولا للقتل

كان الجميع ولم يكن أحد

أحد لم يكن كاسرًا

كانت الأم فوق الجميع

وكان الولد بأجنحته

إلى آخر هذا الكلام الذي يُنشر على أنه من قصيدة النثر هكذا يسمونه!!.

ومن دُعاة قصيدة النثر أيضًا والذين يكتبونها: محمد الماغوط، وهو أديب سوري، ومن كتاباته التي نشرت على أنها من قصيدة النثر هذا الكلام:

يقول:

إعصار جديد في أمريكا

حُوت جديد في اليابان

أرز جديد في الصين

زهور جديدة في هولندا

سجاد جديد في إيران

قات جديد في اليمن

طائفة جديدة في لبنان

لغة جديدة في الجزائر

كنيسة جديدة في فلسطين

جامع جديد في السودان

هرم جديد في مصر

مصيبة جديدة في العراق

شعار جديد في دمشق

ثم يقول:

أيتها الأغصان الباردة كأطراف الموتَى

أيتها المواهب الذابلة في ربيعها الأول

أيتها السجون المزدحمة بالأحرار

أيتها القطارات الغاصة بالمهاجرين

أيتها الخُطب المرتجلة من الشرفات

أيتها المسيرات المعطلة في كل مكان

أيها المتثائبون والمتثائبات

في المطابخ.. في المقاهي

في الحقول.. في المدارس

في المعابد.. في الفنادق

في المسابح.. في المباغي.. في المُعسكرات

أما مِن عبد الناصر جديد ولو برتبة عريف

هذا يسمونه “قصيدة النثر”!.

والحق أن كثيرًا من النقاد والأدباء لا يعترفون بهذه الكتابة على أنها من الشعر في شيء، ولا أبالغ إذا قلت: إنها لا تستحق أن تنسب إلى النثر الأدبي، أو النثر الفني كذلك.

وللأديب السوري رضا الحلاق كلام عما يسمَّى بـ”قصيدة النثر” يقول فيه:

“الشعر شعر، والنثر نثر، وأنا لا أوافق بعض الإخوة الذين جاءوا ببدعة جديدة، علمًا بأنني مع تطوير التفعيلة كما حصل لأدباء الأندلس والمهجر الذين أبقوا مع التطوير خصائصَ القصيدة العربية، فالشعر شعر، والنثر نثر، ولا يقل النثر جمالًا ولا إبداعًا عن الشعر، فهناك من اشتهروا بنثرهم وتألقوا به كـ: ابن المقفع، والجاحظ، وطه حسين، والزيات، وغيرهم…”.

ثم يقول عن الذي يسمونه “قصيدة النثر” في بعض الأشعار الساخرة:

أردت اليومَ أن أهذي

*بألفاظٍ بلا معنَى

وأن أختار أسلوبًا

*ينافي الذوقَ والفن

فسم الفارَ طاوسًا

*وقلْ: طاوسنا غنَّى

وقل ما شئت من لغط

*فربُّ الشعر قد جُن

ففعلًا إذا كان الذي ينشر مما سبقت قراءته يدخل في باب الشعر، فربُّ الشعر -الذي يوحي به أو شيطان الشعر الذي يوحي به كما كان يقول القدماء- قد جُن. ورب الشعر هنا المراد به: ربُّ الشعر في الأساطير الإغريقية القديمة.

فهذه هي الموجة الأخيرة من موجات التحديث، وهي موجة لا أساسَ لها ولا حدود -كما ذكرت -.

error: النص محمي !!