Top
Image Alt

الحديث الأول: ((ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا كل ليلة…))

  /  الحديث الأول: ((ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا كل ليلة…))

الحديث الأول: ((ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا كل ليلة…))

تخريج الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربُّنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له! من يسألني فأعطيه! من يستغفرني فأغفر له)) متفق عليه.

وأنكر طوائف المتكلمين، المخالفون للسلف من هذه الأمة هذه الصفة، كما أنكروا سائر الصفات الفعلية ونحوها لمعتقدهم العاطل، ومذهبهم الباطل من التعطيل والتحريف لنصوص الوحي المتضمنة للصفات.

وجه الإشكال في الحديث: هو صفة النزول:

المنكرون لصفة النزول: أما هذه الصفة فذهب قوم إلى إنكارها بناء على إنكارهم الأحاديث الواردة فيها كالخوارج والمعتزلة، رغم معرفة كثير منهم أنها أحاديث متواترة، مستندة في معناها إلى القرآن الكريم، ولكنهم قوم يجهلون.

وأما الطائفة الأخرى ممن أنكر هذه الصفة، فلجأ إلى التحريف والتبديل لمعاني هذه النصوص، وسلكوا في ذلك مسالك لتبرير موقفهم، مجملها يصب في الحذر من التشبيه.

والتحيز المقتضي للتجسيم، أو حلول الحوادث، أو احتوائه في المخلوقات، ونحو ذلك من الألفاظ المجملة المحتملة لمعانٍ باطلة، تروج في سوق التشنيع والتنفير من المعاني الصحيحة.

ولهذا وغيره ألبسوا الألفاظ الشرعية معانيَ لا يصح تفسيرها بها عقلًا وشرعًا وعرفًا، فقالوا: النزول معناه نزول الرحمة، أو نزول الأمر، أو نزول المخلوق، وهذا كله لا يصح أن تؤول به هذه النصوص كما سنبينه.

الردُّ على المنكرين لصفة النزول:

أولًا: فقولهم: نزول الرحمة أو نزول الملائكة، فهذا يردُّه أن نزول الرحمة والملائكة ليست مختصة بثلث الليل الآخر.

ثانيًا: أن قوله في الحديث الصحيح: ((لا أسأل عن عبادي غيري))، هو كلام الله الذي لا يمكن أن يقوله غيره.

ثالثًا: أنه قال: ((ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر)). ولا يفعل ذلك إلا الله، ولا يمكن أن يُسند ذلك إلى أمره ورحمته.

رابعًا: نزول أمره ورحمته لا يكون إلا منه، وهذا يقتضي أن يكون فوق العالم، فنفس تأويله يبطله مذهبه من نفي العلو.

خامسًا: أنه جاء في بعض الألفاظ: ((ثم يعرج))، وفي لفظ: ((ثم يصعد)).

هذه الصفة من صفات الأفعال التي كثُر فيها النـزاع بين السلف والخلف، كاختلافهم في جميع الأفعال عامة، والأفعال اللازمة خاصة. مثل الاستواء والمجيء والإتيان.

القول الحق المؤيد بالأدلة:

 هو الذي عليه سلف الأمة؛ من أن الله تعالى تقوم به هذه الأفعال، فيكون النـزول فعلًا فَعَلَه سبحانه، وكذلك مجيؤه وسائر أفعاله.

يقول الإمام ابن تيمية في تأييد هذا القول: “وهذا قول السلف قاطبةً وجماهير الطوائف” انتهى.

وذلك لأنهم يأخذون النصوص على ما وردت دون أن يفرقوا بين ما جمع الله من الصفات والأسماء والأفعال، وأما الخلف فموقفهم مضطرب جدًّا في هذه الصفة كغيرها من صفات الأفعال، منهم من ينكر النـزول إنكارًا فيقول: ما ثَم نزول أصلًا. ومنهم من يقول: إنه ينـزل نزولًا بحيث يخلو منه العرش، ومنهم من يقول: يتحرك وينتقل، وهذا يعني: أن القوم يتصورون ويتوهمون التشبيه أولًا، ويحاولون إدراك الكيفية، وبالتالي يلجئون إلى إما التعطيل أو التشبيه.

والذي ينبغي هو السكوت عما سكت عنه الكتاب والسنة، ولم يتكلم فيه سلف هذه الأمة، والبعد عن التكلف والتعمق، وهذه الألفاظ يجب عدم إطلاقها لا نفيًا ولا إثباتًا، فيسعنا ما وسع السلف فيها، وفي غيرها، وذلك أسلم.

قال الإمام ابن تيمية: “إن أبا بكر الإسماعيلي كتب إلى أهل “جيلان” إن الله ينـزل إلى سماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة:210]، وقال: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]، فنؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، ولو شاء الله سبحانه أن يُعين ذلك فعل. فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه، ثم تلَا قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7]” الآية.

وقال عبد الرحمن بن منده بإسناده عن حرب بن إسماعيل، قال: “سألت إسحاق بن إبراهيم قلت: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينـزل الله إلى السماء الدنيا))؟ قال: نعم، ينـزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، كما شاء، وكيف شاء. وقال عن حرب: “لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى، كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون} [الأنبياء: 23]”.

وروى أيضًا عن حرب قال: “هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الحديث والأثر، وأهل السنة المعروفين بها، وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، والحميدي وغيرهم، كان قولهم: إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير}[الشورى: 11].

وقال حماد بن زيد: “إن الله على عرشه، ولكن يقرب من خلقه، كيف شاء”، قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت فضيل بن عياض يقول: “إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء”، وروي مثل ذلك عن الأوزاعي وغيره من السلف؛ أنهم قالوا في حديث النزول: يفعل الله ما يشاء.

قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله: “والأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات نزول الرب يوم القيامة كثيرة، وكذلك إتيانه لأهل الجنة كيوم الجمعة”. اهـ.

ومن أقوال هؤلاء الأئمة ومواقفهم يتضح جليًّا موقف السلف الصالح من هذه الصفة وغيرها من جميع الصفات الإلهية، وهو الاكتفاء بفهم المعاني العامة للصفات، والإمساك عن الخوض فيما وراء ذلك، فهم لا يبالغون في الإثبات إلى حد التشبيه والتجسيم، كما لا يبالغون في النفي إلى حد التعطيل، بل يقفون مع ظاهر النصوص، ولا يتجاوزونها.

وأما موقف الخلف هنا كموقفهم في جميع الصفات على ما تقدم تفصيله من وجوب التأويل وعدم اعتقاد ظاهر النصوص، أما النزول فقد أوّلوه بنزول الملائكة تارة، وبنزول الأمر تارة أخرى، وقد سبق أن ناقشنا ذلك، وبيّنا أنه يؤدي إلى القول على الله بغير علم، مع بعده عما كان عليه المسلمون الأولون من الصحابة والتابعين، وهم الناس الذين يُقتدى بهم في هذا الباب وغيره، ومخالفتهم تعتبر اتباع غير سبيل المؤمنين، وهو أمرٌ في غاية الخطورة، كما لا يخفى.

هذا هو قول الإمام مالك في صفة الاستواء: “النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”، رحم الله سلفنا ما أقل كلامهم، وما أغزر معناه.

error: النص محمي !!