Top
Image Alt

الحديث الذي في إسناده راوٍ مختلط

  /  الحديث الذي في إسناده راوٍ مختلط

الحديث الذي في إسناده راوٍ مختلط

تعريف الاختلاط لغة: التداخل، تقول: خلط الشيء بالشيء ضممته إليه.

تعريف الاختلاط اصطلاحًا: تغير يعتري الراوي يتغير معه حفظه؛ إما لكبر سنٍّ، أو عمًى يصيبه، أو فقدان كُتبه، أو احتراقها، أو مصيبة تنزل به لا يحتملها عقله؛ فيسوء لذلك حفظه، وإنما أطلق المحدِّثون على الراوي الذي تغير حفظه لكبر أو غير ذلك أنه اختلط؛ لأن تغير العقل يؤدي إلى خلط في حديث الراوي، فيدخل في حديثه ما ليس منه؛ أو يُدخِل حديثًا في حديث، أو يرفع موقوفًا أو يقلب الأسانيد إلى غير ذلك.

أحوال المختلط:

إذا اختلط المحدِّث فلا يخلو حالُه من أحد أمرين:

الحالة الأولى: إذا لم يحدِّث الراوي بعد اختلاطه؛ كأن يمنعه أهله عن الناس، ويمنعونه من التحديث، ففي هذه الحالة لا يؤثر الاختلاط في حديثه من قريب أو بعيد، ويكون حكم حديثه بعد الاختلاط كحكمه قبل الاختلاط.

الحالة الثانية: إذا حدّث الراوي بعد الاختلاط، فيُنظر إلى الراوي عنه: هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعد الاختلاط؟ إن كان قد روى عنه قبل الاختلاط فقط، فإن حديث ذلك الراوي عنه لا يتأثر باختلاط الشيخ، ويُعرف أن الراوي لم يروِ عن ذلك الشيخ المختلط بعد اختلاطه بما يأتي، إما أن ينُص الراوي صراحة على أنه سمع من ذلك الشيخ قبل الاختلاط، كأن يقول الراوي: “حدثني فلان قبل أن يختلط”، وإما أن يُعرف أن ذلك الراوي لم يروِ عن هذا الشيخ بعد اختلاطه عن طريق التاريخ، فإذا قال الراوي: “حدثني فلان في سنة خمسين ومائة” -مثلًا- ومعلوم أن فلان هذا اختلط في سنة ستين ومائة، فيعلم بذلك أن حديثه عنه سلِم من الاختلاط، أو يقول الراوي: “حدثني فلان ببغداد”، ومعلومٌ أن فلانًا هذا اختلط بعد خروجه من بغداد، أو أن يُعرف أن الشيخ خلّط بعد خروج من روى عنه من بلده ولم يلقَ الراوي هذا الشيخَ بعد ذلك، فيعلم بهذا سلامة حديث ذلك الراوي عن هذا الشيخ من الاختلاط.

إذا مات الراوي قبل اختلاط شيخه ففي هذه الأحوال يكون حديث الراوي عن ذلك الشيخ المختلط سلِم من الاختلاط، فلا يؤثر الاختلاط من قريب أو من بعيد على حديث ذلك الراوي عن الشيخ المختلط.

ملحوظات:

1- الرواية في الصحيحين عن الثقات الذين اختلطوا:

من المعلوم أن الإمام البخاري ومسلم قد خرّجَا لرواة قد اختلطوا، ومع ذلك فإن هذا الاختلاط لم يؤثر في حديثهم، وذلك للآتي:

أولًا: أن هؤلاء المختلطين لم يُحدّثوا بعد اختلاطهم، أو لأن صاحب الصحيح قد خَرج لهم من حديث من روى عنه قبل الاختلاط، أو أن صاحب الصحيح خرّج من حديث المختلطين ما لم يخالفهم فيه الثقات، أو لأن صاحب الصحيح خرّج من حديث المختلطين ما كان على ذاكرتهم، ولم يتطرق إليه الاختلاط؛ لكثرة ملازمتهم لمن أخذوا عنه، مثل حماد بن سلمة عن ثابت.

ثانيًا: خصّ العلماء الثقات الذين أصابهم الاختلاط بالبحث لمعرفة هل: كان اختلاطهم فاحشًا أم لا؟ وهل حدثوا في حال اختلاطهم أم لا؟

فيُقبل حديث من لم يحدث في حال اختلاطه، وينظر في حديث مَن حدث بعد الاختلاط باعتبار الراوي عن المختلط، وتمييز من روى عن المختلط قبل الاختلاط؛ ليُقبل حديثه ومن روى عنه بعد الاختلاط؛ ليتوقف في قبول حديثه، أما الضعفاء الذين اختلطوا فهم متروكون على الأحوال كلها قبل الاختلاط لضعفهم، وبعد الاختلاط لضعفهم واختلاطهم.

ثالثًا: ربما يتفق عروض ما يشبه الاختلاط ثم يحصل الشفاء منه، وهذا مرضٌ يعرض للرجل ولا يؤثر في حديث الشيخ ما دام أنه لم يُحدِّث في زمن اختلاطه، ولا يلبث أن يزول.

المصنفات في المختلطين من الثقات المحدِّثين:

لم يُفرد علماءُ الحديث المتقدمون المختلطينَ من الثقات بالتصنيف، وإن كان قد تُرجم لهم في كتب الرجال والتواريخ، وعرَفَ العلماء تاريخَ اختلاطهم، ومن روى عنهم قبل الاختلاط، ومن روى عنهم بعد الاختلاط، إلى أن جاء الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي المتوفى في سنة أربعة وثمانين وخمسمائة من الهجرة فأفرد للمختلطين كتابًا، ولم يقف عليه ابن الصلاح حتى قال: لم أعلم أحدًا أفرده بالتصنيف، جاء الشيخ أبو عمرو بن الصلاح  رحمه الله  فذكر في كتابه (علوم الحديث) المعروف بـ(مقدمة ابن الصلاح) ستة عشر رجلًا من الثقات الذين خلطوا في آخر عمرهم، وذكر بعضَ من روى عنهم قبل الاختلاط، وبعضَ من روى عنهم بعد الاختلاط.

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: معرفة من خلط في آخر عمره من الثقات، هذا فنٌّ عزيز مهم لم أعلم أحدًا أفرده بالتصنيف واعتنى به مع كونه حقيقًا بذلك جدًّا.

ولقد حفّز ابن الصلاح بمقولته هذه العلماء، فخصوا هذا النوعَ من علوم الحديث بالجمع والتصنيف، وكان من الذين نَشطوا لذلك الحافظ أبو سعيد صلاح الدين العلائي المتوفى في سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة.

قال الحافظ برهان الدين سَبط بن العجمي: قال شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي فيما قرأته عليه: وبسبب كلام ابن الصلاح أفرده شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي بالتصنيف في جزء حدثنا به، ولكنه اختصره ولم يبسط الكلام فيه، ورتَّبهم على حروف المعجم. قال برهان الدين: ولم أقف أنا عليه.

الإمام الحافظ أبو إسحاق برهان الدين إبراهيم سَبط بن العجمي، المتوفى في سنة إحدى وأربعين وثمانمائة من الهجرة، صنّف كتابه (الاغتباط بِمَن روي بالاختلاط).

عمل سَبط بن العجمي في كتابه:

  • أضاف ابن العجمي في كتابه إلى الستة عشر الذين ذكرهم ابن الصلاح عددًا كثيرًا.
  • لم يذكر سبط بن العجمي في تراجم الذين ذكرهم في كتابه الرواةَ الذين أخذوا عنهم قبل الاختلاط وبعد الاختلاط، أو أُبهم أمرهم ليُعرف ما يُقبل من حديثهم دون غيره.
  • أحال في معرفة من روى عن المختلطين قبل الاختلاط وبعد الاختلاط بالنسبة للستة عشر الذين ذكرهم ابن الصلاح في مقدمته إلى ما كتبه الحافظ العراقي في كتابه (النكت على ابن الصلاح) و(شرح الألفية).
  • لم يذكر في كتابه هذا مَن قيل فيه: ساء حفظه بآخرة؛ لأن النسيان يعتري كثيرًا الكبارَ في السن.
  • رتب برهان الدين كتابَه على حروف المعجم.
error: النص محمي !!