Top
Image Alt

الحديث السادس: ((قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم, يسب الدهر))

  /  الحديث السادس: ((قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم, يسب الدهر))

الحديث السادس: ((قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم, يسب الدهر))

تخريج الحديث: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم, يسب الدهر, وأنا الدهر, بيدي الأمر, أقلب الليل والنهار)). رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم: ((قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم, يقول: يا خيبة الدهر, فلا يقول أحدكم: يا خيبة الدهر, فإني أنا الدهر, أقلب ليله ونهاره, فإذا شئتُ قبضتهما)).

وجه الإشكال في الحديث: أن الدهر في اللغة: الزمان، وقد نص بعض أهل اللغة، على أنهما بمعنى واحد، ومعلوم أن الدهر بهذا المعنى ليس هو الله عز وجل.

ولا يمكن أن يكون الدهر اسمًا لله تعالى؛ لأنه اسم للوقت والزمن، قال الله تعالى عن منكري البعث: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّون} [الجاثية: 24] يريدون مرور الليالي والأيام، فأما قوله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل في هذا الحديث: ((يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلِّب الليل والنهار))، فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى؛ وذلك أن الذين يسبون الدهر إنما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث لا يريدون الله تعالى، فيكون معنى قوله: “وأنا الدهر” ما فسّره بقوله: “بيدي الأمر أقلب الليل والنهار”، فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بيّن أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلِّب -بكسر اللام- هو المقلَّب -بفتحها- وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله -تبارك وتعالى.

قال ابن تيمية: “أجمع المسلمون من -وهو مما يعلم بالعقل الصريح- أن الله ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان”. انتهى.

وعليه، اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث، حيث قال الله فيه: ((وأنا الدهر)). والرسول صلى الله عليه وسلم كما قال في الرواية الأخرى للحديث: ((فإن الله هو الدهر)).

قول ابن تيمية فيمن سمى الله بالدهر: وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- خطأ من سمى الله عز وجل بـ”الدهر” فقال كما في (مجموع الفتاوى): “فقوله في الحديث: ((بيدي الأمر, أقلِّب الليل والنهار)) يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان, فإنه -سبحانه- قد أخبر أن يقلب الليل والنهار, والزمان هو الليل والنهار, فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرّفه, كما دل عليه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الأَبْصَار} [النور: 43، 44]، وإزجاء السحاب: سوقه, والودق: المطر…”.

قال: “وقد أخبر سبحانه بخلق الزمان في غير موضع, كقوله: { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } [الأنعام: 1]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون} [الأنبياء: 33]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62]، وقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب} [آل عمران: 190].

وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان، ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان, فإن الزمان هو مقدار الحركة, والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها: كالحركة, والسكون, والسواد, والبياض.

ولا يقول عاقل: إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات المفتقرة إلى الجواهر والأعيان.

فإن الأعراض لا تقوم بنفسها, بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به, والمفتقر إلى ما يغايره لا يُوجد بنفسه, بل ذلك بذلك الغير, فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره, فكيف يكون هو الخالق”.

ثم قال: “إذا تبين هذا، فللناس في الحديث قولان معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم:

القول الأول: وهو قول أبي عبيدة, وأكثر العلماء: أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لردِّ ما يقوله أهل الجاهلية ومن أشبههم, فإنهم إذا أصابتهم مصيبة, أو مُنِعُوا أغراضهم, أخذوا يسبون الدهر والزمان.

يقول أحدهم: قبّح الله الدهر الذي شتت شملنا, ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا.

وكثيرًا ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا, كقولهم: يا دهر فعلت كذا, وهم يقصدون سبَّ من فعل تلك الأمور, ويضيفونها إلى الدهر, فيقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو الذي فعل تلك الأمور وأحدثها, والدهر مخلوقٌ له, هو الذي يقلّبه ويصرّفه.

والتقدير: أن ابن آدم يسبُّ من فعل هذه الأمور, وأنا فعلتها, فإذا سب الدهر, فمقصوده سب الفاعل, وإن أضاف الفعل إلى الدهر, فالدهر لا فعل له, وإنما هو الله وحده..”.

والقول الثاني: قول نُعيم بن حماد وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية: أن “الدهر من أسماء الله تعالى, ومعناه القديم الأزلي. قال: “ورَوَوْا في بعض الأدعية: يا دهر, يا ديهور, يا ديهار.

وهذا المعنى صحيح؛ لأن الله هو الأول, وليس قبله شيء, وهو الآخر وليس بعده شيء.

فهذا المعنى صحيح, إنما النـزاع في كونه يسمى: “الدهر” بكل حال, فقد أجمع المسلمون -وهو مما علم بالعقل الصريح- أن الله سبحانه وتعالى ليس هو “الدهر” الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان، فإن الناس متفقون على أن الزمان هو الليل والنهار…” اهـ.

error: النص محمي !!