Top
Image Alt

الحديث الشاذ

  /  الحديث الشاذ

الحديث الشاذ

من شروط الحديث المقبول المعمول به: أن يكون سالمًا من الشذوذ؛ فإذا لم يتحقق هذا الشرط في الحديث صار ضعيفًا، ومن المعلوم أن الحديث الشاذ إسناده متصل ورواته ثقات؛ غير أن المحدثين لا يكتفون للحكم على الحديث بالصحة بهذين الشرطين؛ بل لا بد للحكم على الحديث بالصحة -مع تحقق هذين الشرطين- أن يكون الحديث سالمًا من الشذوذ والعلة القادحة.

ملحوظة:

إنما لجأنا إلى الترجيح بين النصين المتعارضين، وحكمنا على الحديث الراجح بالمحفوظ وعملنا به، ورددنا المرجوح ولم نعمل به، وأطلقنا عليه الشاذ؛ لأن إهمال أحد النصين أولى من إهمالهما معًا.

ونأتي الآن للحديث عن الحديث الشاذ بشيء من التفصيل:

تعريف الشاذ لغة: هو المنفرد عن الجمهور بقولٍ أو فعلٍ.

تعريف الحديث الشاذ اصطلاحًا: هو الحديث الذي خالف راويه الثقة أو الصدوق رواية مَن هو أولى منه، سواء كان ذلك بالحفظ أو بالعدد ولم يمكن الجمع بين الحديثين بوجه من وجوه الجمع المعروفة.

شرح التعريف:

يشترط في الراوي المخالف أن يكون ثقةً أو صدوقًا؛ فإذا روى الثقة حديثًا خالف به رواية من هو أوثق منه، ولم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع المعروفة، ولم يمكن معرفة تاريخ كل نص لمعرفة المتقدم من المتأخر لنصير إلى الناسخ والمنسوخ؛ كان حديث الثقة شاذًّا مردودًا، وحديث الأوثق هو المحفوظ المعمول به.

وكذا إذا روى الصدوق حديثًا خالف به رواية من هو أولى منه؛ كأن يكون ثقة، ولم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع المعروفة؛ كان حديث الصدوق شاذًّا مردودًا وحديث الثقة هو المحفوظ المعمول به.

أقسام الشذوذ:

ينقسم الشذوذ باعتبار موضعه إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الشذوذ في الإسناد:

مثال الشذوذ الواقع في إسناد الحديث:

قال الإمام الترمذي  رحمه الله : حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس: “أن رجلًا مات على عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم ولم يدع وارثًا إلا عبدًا هو أعتقه؛ فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ميراثه”. الحديث أخرجه الإمام الترمذي، وقال: هذا حديث حسن، والعمل عند أهل العلم في هذا الباب إذا مات الرجل ولم يترك عصبة أن ميراثه يُجعل في بيت مال المسلمين.

وأخرجه أبو داود في سننه: قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس: “أن رجلًا مات…”، وأخرجه الإمام النسائي في (سننه الكبرى): كتاب الفرائض، باب: إذا مات المعتِق وبقي المعتَق، قال أبو عبد الرحمن النسائي: عوسجة ليس بالمشهور؛ لا نعلم أحدًا يروي عنه غير عمرو بن دينار، ولم نجد هذا الحديث إلا عند عوسجة.

قال الحافظ ابن حجر: تابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس.

قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة.

قال ابن حجر: فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجَّح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددًا منه.

القسم الثاني: الشذوذ في المتن:

مثال للشذوذ الواقع في متن الحديث:

قال الإمام الترمذي: حدثنا بِشر بن معاذ العقدي، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع على يمينه”. الحديث أخرجه الإمام الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود من نفس طريق الترمذي.

قال الحافظ السيوطي: قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا؛ فإن الناس إنما رووه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ، قال ابن القيم: “وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضطجع بعد سنة الفجر على شِقه الأيمن”، هذا الذي ثبت عنه في (الصحيحين) من حديث عائشة.

وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة   رضي الله عنه   أنه قال: “إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن”. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. قال ابن القيم: وسمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل وليس بصحيح؛ وإنما الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم الفعل لا الأمر به، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه.

والحديث الذي أشار إليه ابن القيم وابن تيمية: عن عائشة   رضي الله عنه   قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سكَتَ المؤذن بالأُولى من صلاة الفجر؛ قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن؛ حتى يأتيه المؤذن للإقامة». الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم.

الشذوذ الواقع في إسناد الحديث ومتنه:

مثال للشذوذ الواقع في الإسناد والمتن:

قال الحاكم أبو عبد الله: ومن هذا الجنس: حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بـ”مَرْو” الثقة المأمون من أصل كتابه قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن سيار، قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي قال: حدثنا سفيان الثوري قال: حدثني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع”.

قال أبو عبد الله الحاكم: وهذا الحديث شاذ الإسناد والمتن؛ إذ لم نقف له على علة، وليس عند الثوري عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر أو غيرها، ولا نعلم أحدًا رواه عن أبي الزبير غير إبراهيم بن طهمان وحده تفرد به، إلا حديث يحدث به سليمان بن أحمد الملطي من حديث زياد بن سوقة، وسليمان متروك يضع الحديث.

وقد رأيت جماعة من أصحابنا يذكرون أن علته أن يكون عن محمد بن كثير عن إبراهيم بن طهمان؛ وهذا خطأ فاحش وليس عند محمد بن كثير عن إبراهيم بن طهمان حرف، فيتوهمون قياسًا أن محمد بن كثير يروي عن إبراهيم بن طهمان كما روى أبو حذيفة؛ لأنهما جميعًا رويَا عن الثوري؛ وليس كذلك، فإن أبا حذيفة قد روى عن جماعة لم يسمع منهم محمد بن كثير؛ منهم: إبراهيم بن طهمان، وشبل بن عباد، وعكرمة بن عمار، وغيرهم من أكابر الشيوخ.

تعريف الحديث المحفوظ الذي يُقابل الشاذ:

هو الحديثُ الذي خالف راويه الثقة أو الصدوق رواية من هو أدنى منه مرتبةً، ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع؛ وقيل له: “المحفوظ”؛ لأن الغالب أنه محفوظ عن الخطأ.

ملحوظتان:

الأولى: الحكم على الحديث بالشذوذ إنما هو باعتبار نظر الناظر لا باعتبار الواقع؛ لأن خفاء الجمع بين النصين المتعارضين إنما هو بالنسبة للإمام الذي حكم على الحديث بالشذوذ أي: باعتبار الحالة الراهنة، وقد يأتي إمام فيفتح الله عليه فيرفع ذلك التعارض الواقع بين الحديثين بالجمع بينهما، وبذلك لا يكون الحديث شاذًّا.

الملحوظة الثانية: يُشترط للحكم على الحديث بالشذوذ: أن يكون الجمع بين النصين مستحيلًا، وألا يحكم بذلك إلا إمام من أئمة الحديث.

error: النص محمي !!