Top
Image Alt

الحديث الغريب عند الترمذي

  /  الحديث الغريب عند الترمذي

الحديث الغريب عند الترمذي

قال ابن رجب: والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير؛ ولا سيما في كتب الفضائل، ولكنه يبين غالبًا ولا يسكت عنه. قال: ولا أعلمه خرَّج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه حديثًا بإسناد منفرد، إلا أنه قد يخرج حديثًا مرويًّا من طرق، أو مختلفًا في إسناده وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه خرَّج حديث محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي، قال: قد يخرج عن سيئ الحفظ وعمن غلب على حديثه الوهم، ويبين ذلك غالبًا ولا يسكت عنه. قال: وقد شاركه أبو داود في التخريج عن كثير من هذه الطبقة مع السكوت على حديثهم، كإسحاق بن أبي فروة وغيره، وقد قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: ليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك شيء، وإن كان فيه حديث منكر بينتُ أنه منكر.

قال: ومراده -أي: أبو داود- أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له، أو لمتروك متفق على تركه، فإنه قد خرج لمن قيل فيه: إنه متروك, ومن قيل: إنه متهم بالكذب، وقد قال أحمد بن صالح المصري: لا يتركون إلا حديثَ من اجتمع على ترك حديثه، وحكي مثله عن النسائي.

والترمذي -رحمه الله- يخرج حديث الثقة الضابط ومن يهم قليلًا, ومن يهم كثيرًا ومن يغلب عليه الوهم يخرج حديثه نادرًا، ويبين ذلك ولا يسكت عنه، وقد خرج حديث كثير بن عبد الله المزني ولم يجمع على ترك حديثه؛ بل قد قواه قوم، وقدم بعضهم حديثه على مرسل ابن المسيب، وقد حكى الترمذي في (العلل) عن البخاري أنه قال في حديثه في تكبير العيدين: هو أصح حديث في هذا الباب، قال: وأنا أذهب إليه. قال ابن رجب: وأبو داود قريبٌ من الترمذي في هذا، بل هو أشد انتقادًا للرجال منه، قال: وأما النسائي فشرطه أشد من ذلك، ولا يكاد يخرّج لمن يغلب عليه الوهم، ولا لمن فحش خطؤه وكثر.

قال: وأما مسلم فلا يخرج إلا حديثَ الثقة الضابط, ومن في حفظه بعض الشيء وتكلم فيه لحفظه؛ لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا ما لا يقال: إنه مما وهم فيه، قال: وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك، وهو أنه لا يخرج إلا للثقة الضابط ولمن ندر وهمه, وإن كان قد اعترض عليه في بعض مَن خرج عنه.

وذكر أن السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويذمون الغريب منه في الجملة، قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان -أي: زمانه- يغلب عليهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من رواية المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصدوفًا عنه مطرحًا؛ وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة المحدثون، والأعلام من الأئمة الماضين.

قال ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث -أي: في عصره- لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير.

ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة، ومنها ما هو شاذ الإسناد، ومنها ما هو شاذ المتن، وقد اعترض على الترمذي -رحمه الله- بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، قال: وليس ذلك بعيب؛ فإنه يبين ما فيها من العلل ثم يبين الصحيح من الإسناد، وكان قصده -رحمه الله- ذكر العلل؛ ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب -كما سبق أن ذكرنا.

فالترمذي قال: الغريب عند أهل الحديث يطلق بمعانٍ:

أحدها: أن يكون الحديث لا يروى إلا من وجه واحد, ثم مثّله بمثالين وهما في الحقيقة نوعان:

أحدهما: أن يكون ذلك الإسناد لا يروى به إلا ذلك الحديث، وهذا مثل حديث حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الذكاة، قال: فهذا حديث غريب, لا يعرف إلا من حديث حماد بن سلمة عن أبي العشراء، ثم اشتهر عن حماد ورواه عنه خلق، فهو في أصل إسناده غريب ثم صار مشهورًا عن حماد، قال الترمذي: ولا يُعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث، قال: وقد خرج الترمذي في كتاب “الصيد والذبائح” هذا الحديثَ, وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه غيره. وحكى أيضًا في كتاب (العلل) عن البخاري أنه قال: لا نعرف لأبي العشراء شيئًا غير هذا.

الثاني: أن يكون الإسناد مشهورًا يروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد، ومثَّله الترمذي بحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في النهي عن بيع الولاء وهبته, فإنه لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا من هذا الوجه، ومن رواه من غيره فقد وهم وغلط.

وقد خرجه الترمذي في كتاب “البيوع” وهو معدود من غرائب الصحيح؛ فإن الشيخين خرجاه، ومع هذا تكلم الإمام أحمد عنه وقال: لم يتابَع عبد الله بن دينار عليه، وأشار إلى أن الصحيح ما رواه نافع عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الولاء لمن أعتق)) لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته.

قال ابن رجب: وروى نافع عن ابن عمر من قوله: النهي عن بيع الولاء وعن هبته, غير مرفوع، وهذا مما يعلل به حديث عبد الله بن دينار. فالغرابة هنا في روايته مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما روايته عن ابن عمر موقوفًا فأمر مروي، ولا تزول الغرابة في الأمرين.

ومن غرائب الصحيح أيضًا حديث عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما الأعمال بالنيات)), ومنها حديث أنس: “دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة وعلى رأسه المغفر” فإنه لم يصح إلا من حديث مالك عن ابن شهاب عن أنس، وأمثلة ذلك كثيرة, ولا بد أن يكون المنفرد بذلك ممن يعتمد على حفظه.

الغريب إسنادًا لا متنًا: قال الترمذي: رب حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد. ثم ذكر حديث أبي بردة عن أبي موسى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: “الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معًى واحد”, واستغربه من حديث أبي موسى.

ومن أنواع الغريب: أن يروى الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من طرق معروفة، ويروى من بعض الصحابة من وجه يستغرب عنه؛ بحيث لا يعرف حديثه إلا من ذلك الوجه.

ومن ذلك أيضًا: أن يكون الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- معروفًا من رواية صحابي عنه من طريق أو من طرق، ثم يروى عن ذلك الصحابي من وجه آخر يستغرب من ذلك الوجه أيضًا.

ومنه: ما رواه الترمذي عن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خرج من الخلاء قال: ((غفرانك)) قال عنه: حديث حسن غريب, لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، وأبو بردة هو عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري، قال: ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

error: النص محمي !!