Top
Image Alt

الحديث المعضل، تعريفه، وصوره، وحكمه

  /  الحديث المعضل، تعريفه، وصوره، وحكمه

الحديث المعضل، تعريفه، وصوره، وحكمه

تعريف المعضل لغة: المعضل اسم مفعول من أعضله الأمر، بمعنى: غلبه وأعياه.

تعريف الحديث المعضل اصطلاحًا: هو الحديث الذي سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي.

شرح التعريف:

خرج بهذا التعريف الحديث المعلق الذي سقط من أول إسناده راوٍ واحد؛ كما خرج بهذا التعريف الحديث المرسل الذي سقط من إسناده الصحابي؛ كما خرج بهذا التعريف الحديث المنقطع الذي سقط من وسط إسناده راوٍ أو أكثر ولم يتوالَ السقوط.

قال الحاكم: ذكر إمام الحديث علي بن عبد الله المديني فمن بعده من أئمتنا: أن المعضل من المرويات: أن يكون بين المرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من رجل، وأنه غير المرسل؛ فإن المراسيل للتابعين دون غيرهم.

وأطلق المحدثون كلمة معضل على الحديث الذي سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي؛ إشارة إلى أن ذلك النوع من الحديث الضعيف اشتد انقطاعه فأعيى أمره الباحثين؛ فلم يهتدوا إلى عدد الساقط من الإسناد؛ فكما يُحتمل أن يكون الساقط من الإسناد راويان، يحتمل أن يكون أكثر من اثنين، أو لأن الذي حدث به فأسقط من إسناده راويين فأكثر ضيق السبيل على من يريد أن يقف على حال رواته جرحًا وتعديلًا؛ كما أن المحدث الذي حدث به أعضله حيث ضيق المجال على من يؤديه إليه، وحال بينه وبين معرفة رواته بالتعديل أو الجرح، وشدد عليه الحال، ويكون ذلك الحديث معضلًا لإعضال الراوي له.

صور الحديث المعضل:

يدخل تحت تعريف الحديث المعضل صور كثيرة من الانقطاع، منها:

  • الحديث الذي سقط إسناده كاملًا يسمى معضلًا؛ لسقوط أكثر من راوٍ على التوالي؛ حتى يدخل فيه قول المصنفين من الفقهاء وغيرهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم…
  • الحديث الذي سقط من إسناده التابعي والصحابي ويرفعه تابع التابعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن يقول الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثال ذلك: ما أخرجه الحاكم بإسناده: عن مسلمة بن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى إذا حضرته الوفاة حافَ في وصيته؛ فوجبت له النار، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى إذا حضرته الوفاة عدل في وصيته؛ فوجبت له الجنة)). أخرجه الحاكم في (معرفة علوم الحديث).

قال الحاكم: قد أعضل هذا الإسناد مسلمة بن علي، ثم لا نعلم أحدًا من الرواة وصله ولا أرسله عنه؛ فالحديث معضل.

  • الحديث الذي سقط من إسناده التابعي وتابع التابعي.
  • الحديث الذي حُذف من إسناده الصحابي ورسول الله صلى الله عليه وسلم كأن يضيف أحد أتباع التابعين قولًا إلى التابعي ويوقفه عليه ولا يضيفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يروى هذا القول مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد شرط الحافظ ابن حجر في اعتبار هذا النوع معضلًا شرطين:

الشرط الأول: أن يكون هذا القول مما تجوز نسبته إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا القول لا تجوز نسبته إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم كأن يقول التابعي الذي لم يأخذ عن أهل الكتاب قولًا لا مجال للرأي أو للاجتهاد فيه؛ فيكون هذا القول قد علمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه أسقط الصحابي من الإسناد؛ فيكون مرسلًا لا معضلًا.

الشرط الثاني: أن يروى هذا القول مسندًا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ذلك الذي أوقفه؛ فإن لم يروَ مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون معضلًا؛ بل موقوفًا على ذلك التابعي لاحتمال أن يكون ذلك التابعي قاله من طريق عنده؛ فلم يتحقق شرط التسمية من سقوط اثنين.

قال الحاكم: النوع الثاني من المعضل: أن يعضله الراوي من أتباع التابعين فلا يرويه عن أحد؛ ويوقفه فلا يذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معضلًا، ثم يوجد ذلك الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متصلًا.

مثاله: ما أخرجه الحاكم بإسناده عن خليد بن دعلج قال: سمعت الحسن يقول: “أخذ المؤمن عن الله أدبًا حسنا؛ إذا وُسع عليه وسع وإذا قُتر عليه قتر”.

وقد أخرج الحاكم هذا الحديث بإسناده: عن أبي حمزة قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن أخذ عن الله أدبًا حسنًا؛ إذا وُسع عليه وسع على نفسه؛ وإذا أُمسك عليه أمسك)).

وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله مثالًا آخر عقب هذا المثال الذي ذكره فقال: وشبيه ذلك… ثم ذكر بإسناده عن الأعمش عن الشعبي قال: “يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا. فيقول: ما عملت. فيختم على فيه؛ فينطق جوارحه، أو قال: ينطق لسانه؛ فيقول لجوارحه: أبعدكن الله! ما خاصمت إلا فيكن”. ثم قال الحاكم: أعضله الأعمش، وهو عن الشعبي متصل مسند مخرج في (صحيح مسلم).

والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الزهد الباب الأول من هذا الكتاب.

ثم روى الحاكم بإسناده عن الشعبي عن أنس بن مالك قال: ((كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: هل تدرون مم ضحكت؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه يوم القيامة. فيقول: يا رب؛ ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. قال: فإني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدًا إلا مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين عليك شهودًا، فيختم على فيه، ثم يقال لأركانه: انطقي. فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام؛ فيقول: بعدًا لكن وسحقًا؛ فعنكن كنت أناضل)).

ثم قال الحاكم: وأشباه هذا كثير، وفيما ذكرنا لمن تدبره غنية -إن شاء الله.

قلت: هذا المثال الأخير الذي ذكره الحاكم لا يمكن أن يقال من قبل الرأي أو الاجتهاد؛ لأنه إخبار عن أمر يتعلق بيوم القيامة وما يقع فيه، ومثل هذا لا يقال رأيًا واجتهادًا؛ فهو من الأمور الغيبية التي لا اطلاع للبشر عليها؛ فهو وإن لم يروَ مضافًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن أمثال ذلك لا تؤخذ إلا من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا النوع من الحديث يدخل في باب الحديث المقطوع لفظًا المرفوع حكمًا -وقد سبق ذلك- ولأنه قول مضاف إلى التابعي يسمى مرسلًا.

ثم إن هذا المثال لم يتحقق فيه الشرط الأول الذي شرطه الحافظ ابن حجر: وهو أن يكون هذا القول مما تجوز نسبته إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم.

ولكن هل تعتبر هذه الصورة الرابعة من صور الحديث المعضل والمحذوف من الإسناد الصحابيُ والرسول صلى الله عليه وسلم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس براوٍ؛ بل مسند إليه الكلام؟!

والصواب -والله أعلم- أن هذه الصورة لا تدخل في باب الحديث المعضل بل تدخل في باب الحديث المرسل.

غير أن ابن الصلاح جعل هذه الصورة من باب الحديث المعضل تبعًا للحاكم؛ فنقل قول الحاكم عقب الحديث الذي أعضله الأعمش؛ فقال: فقد أعضله الأعمش، وهو عند الشعبي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متصل مسند.

قال ابن الصلاح: هذا جيد حسن؛ لأن هذا الانقطاع بواحد مضمومًا إلى الوقف، يشتمل على الانقطاع باثنين الصحابي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك باستحقاق اسم الإعضال أولى.  وقد تعقبه ابن جماعة؛ فقال: وفيه نظر -أي: لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي؛ فحكمه حكم المرسل- وذلك ظاهر لا شك فيه.

حكم الحديث المعضل:

الحديث المعضل حديث ضعيف لسقوط أكثر من راوٍ من إسناده، وإذا كان العلماء قد حكموا على الحديث المنقطع الذي سقط من إسناده راوٍ واحد بالضعف؛ للجهل بعين هذا الساقط وحاله -فقد يكون ضعيفًا- فكيف يكون حال الحديث الذي سقط من إسناده أكثر من راوٍ على التوالي؟! لا شك أنه أسوأ حالًا من الحديث المنقطع.

error: النص محمي !!