Top
Image Alt

الحديث المنكر

  /  الحديث المنكر

الحديث المنكر

تعريف المنكر لغة: المنكر اسم مفعول، تقول: نكرت الشيء، وأنكرته، خلاف عرفته، ونكرته تنكيرًا فتنكر، وأنكرت عليه فعله إنكارًا.

تعريف الحديث المنكر اصطلاحًا: عرف العلماء الحديث المنكر بعدة تعريفات، نذكرها ونناقشها، ثم نذكر التعريف المعتمد في حد الحديث المنكر -إن شاء الله تعالى-:

التعريف الأول للحديث المنكر: هو الحديث الذي رواه الضعيف مخالفًا لرواية من هو أولى منه؛ سواء كان ثقة أو صدوقًا ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع؛ فالحديث المنكر تفرد بروايته راوٍ ضعيف، خالف هذا الضعيف رواية الثقة أو الصدوق مع عدم إمكان الجمع بينهما، ومقابل الحديث المنكر هو الحديث المعروف.

وإلى هذا التعريف ذهب الإمام مسلم والنووي وصوبه الحافظ ابن حجر؛ حيث فرق الحافظ ابن حجر بين الشاذ والمنكر؛ فبينهما عموم وخصوص من وجه لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة وافتراقًا في أن الحديث الشاذ راويه ثقة أو صدوق، والحديث المنكر راويه ضعيف، وقد انتقد الحافظ ابن حجر من يسوي بين الشاذ والمنكر، وهذا هو الذي استقر عليه اصطلاح المتأخرين.

قال الحافظ ابن حجر: فإن خولف -أي: الراوي- بأرجح منه لمزيد من ضبط أو كثرة عدد أو غير من وجوه الترجيحات؛ فالراجح يقال له “المحفوظ”، ومقابله -وهو المرجوح- يقال له “الشاذ”، وإن وقعت المخالفة له مع الضعف؛ فالراجح يقال له المعروف ومقابله يقال له: المنكر، وعرف بهذا أن بين الشاذ والمنكر عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة وافتراقًا في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف، وقد غفل من سوى بينهما. والله أعلم.

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: علامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها؛ فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله؛ فمن هذا الضرب من المحدثين عبد الله بن محرر، وعبد الله بن محرر العامري الجزري الحراني قاضي الجزيرة.

قال الإمام النووي عنه: اتفق الحفاظ والمتقدمون على تركه، وقال الإمام أحمد: ترك الناس حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وكذلك قال أبو حاتم، قال أبو حاتم: منكر الحديث ترك حديثه ابن المبارك، وقال الدارقطني: متروك الحديث، وكذا قال النسائي… إلى غير ذلك، وكل من نحى نحو عبد الله بن محرر في رواية المنكر من الحديث؛ فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به.

قال الإمام النووي عقب قول الإمام مسلم: هذا الذي ذكره -رحمه الله تعالى- هو معنى المنكر عند المحدثين، يعني به: المنكر المردود؛ فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثقة ضابطًا متقنًا، وقوله: “أو لم تكد توافقها” معناه: لا توافقها إلا في القليل؛ قال الحافظ ابن حجر عقب الإمام مسلم: فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون.

فعلى هذا رواية المتروك عن مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار. والله أعلم.

يلاحظ أن الإمام مسلمًا شرط ليكون الحديث منكرًا شرطين:

الشرط الأول: أن يخالف الراوي غيره من الثقات.

الشرط الثاني: أن يكون الراوي المنفرد بالحديث المخالف ضعيفًا؛ بل متروكًا؛ بدليل أنه ذكر أمثلة لهؤلاء؛ فذكر منهم عبد الله بن محرر وهو متروك الحديث -كما سبق بيان ذلك.

قسم الحافظ ابن حجر الحديث المنكر باعتبار مراتب الرواة إلى قسمين:

القسم الأول: إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف في بعض مشايخه خاصة أو نحوهما ممن لا يحكم لحديثهم بالقبول بغير عاضد يعضده بما لا متابع له ولا شاهد؛ فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد إطلاق المنكر عليه لكثير من المحدثين؛ كالإمام أحمد، والنسائي.

القسم الثاني: إن خولف مع ذلك -أي: اجتمع ضعف الراوي ومخالفة المروي لرواية من هو أولى منه سواء كان ثقة أو صدوقًا- فهو القسم الثاني، وهو المعتمد على رأي الأكثرين في تسميته بالمنكر؛ فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلًّا منهما قسمان، يجتمعان في مطلق التفرد مع قيد المخالفة، ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق غير ضابط -أي: لهذه الرواية بعينها التي وقعت فيها المخالفة- والمنكر راويه ضعيف بسوء حفظه، أو جهالته، أو نحو ذلك.

التعريف الثاني للحديث المنكر: قال أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ: هو الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه ولا من وجه آخر، ويلاحظ على هذا التعريف أن البرديجي أطلق على مطلق التفرد أنه منكر، ولم يقيد ذلك بالتفرد المخالف ولا بتفرد الضعيف؛ فمطلق التفرد عنه يسمى منكرًا، ويرد عليه بما رد به على الخليلي والحاكم في تعريف الحديث الشاذ -وقد سبق ذلك.

قال ابن الصلاح في التعقيب على هذا التعريف الثاني: فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصل؛ قال النووي عقب هذا التعريف: وكذا أطلقه كثيرون -أي: من أهل الحديث- والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ -والله أعلم.

التعريف الثالث للحديث المنكر: هو الحديث الذي تفرد بروايته راوٍ فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه؛ فلم يشترط في هذا التعريف المخالفة حتى يحكم عليه بالنكارة؛ بل يكفي للحكم على الحديث بالنكارة مجرد تفرد واحد من المذكورين في التعريف بروايته.

فالصواب في تعريف الحديث المنكر هو التعريف الأول الذي ذهب إليه الحافظ ابن حجر وغيره؛ حيث فرق بين الشاذ والمنكر؛ كما فرق بين التفرد المخالف وغير المخالف؛ كما بيَّن أن مجرد التفرد لا يطلق عليه أنه شاذ أو منكر -والله أعلم.

تعريف الحديث المعروف اصطلاحًا: هو الحديث الذي خالف راويه الثقة أو الصدوق رواية الضعيف ولم يمكن الجمع بين الحديثين بوجه من وجوه الجمع المعروفة.

مثال للحديث المنكر عند من يشترط للحكم على الحديث بالنكارة المخالفة:

قال الحافظ ابن حجر: مثاله: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب وهو أخو حمزة الزيات المقرئ، عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرى الضيف دخل الجنة”، قال أبو حاتم هو منكر؛ لأن غير من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا: وهو المعروف.

مثال للحديث المنكر عند من لا يشترط للحكم على الحديث بالنكارة المخالفة:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلوا البلح بالتمر؛ فإنه إذا أكله بنو آدم غضب الشيطان، وقال: بقي حتى أكل الجديد بالخلق”، الحديث أخرجه ابن ماجه كتاب الأطعمة وأخرجه الحاكم في (المستدرك)، ولم يعلق عليه الحاكم، قال الذهبي: هذا حديث منكر، لم يصححه المؤلف، أي: الحاكم.

وهذا الحديث تفرد به أبو ذكير يحيى بن محمد بن قيس الضرير أبو محمد المدني، لقبه أبو ذكير، قال الحافظ ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا، قال ابن الجوزي: قال الدارقطني عن هذا الحديث: تفرد به أبو ذكير عن هشام، قال العقيلي: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به.

قال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمد؛ فلما كثر ذلك منه صار غير محتج به إلا عند الوفاق، وإن اعتبر بما لم يخالف الأثبات في حديثه؛ فلا ضير.

ثم قال عقب حديث عائشة هذا: وهذا كلام لا أصل له من حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن الجوزي عقب قول ابن حبان: هذا مدح من ابن حبان في يحيى، وقد أخرج عنه مسلم بن الحجاج، ولعل الزلل كان من قبل ابن شداد، وقد قال الدارقطني: محمد بن شداد لا يكتب حديثه، وأما طريق يحيى بن حماد قال يحيى بن معين: سئل عن حديثه فقال: ليس له أصل، فقال: يرويه نعيم بن حماد فقال: شبه له، وقال يحيى مرة: ليس في الحديث بشيء، وقال النسائي: ضعيف ليس بثقة، وقال الدارقطني: كثير الوهم.

قال الذهبي: حديث منكر تفرد به أو ذكير، وهو مما لا يحتمل تفرده.

ملحوظتان:

الأولى: توسع كثير من المتقدمين في إطلاق المنكر فأطلقوه على مجرد التفرد ولو كان المتفرد ثقة؛ سواء خالف غيره ممن هو أحفظ وأضبط أم لا، قال ابن الصلاح: وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث، والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفًا في شرح الشاذ -وقد سبق الكلام عن هذا.

قال الحافظ ابن حجر: وهذا مما ينبغي التيقظ له، وقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد على التفرد؛ لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده.

الثانية: جمع الحافظ الذهبي بين الشذوذ والنكارة في حكمه على بعض الأحاديث؛ فيقول: هذا حديث شاذ منكر؛ فيحتمل أن يكون فعل ذلك لعدم الفرق بينهما عند الحافظ الذهبي.

والله أعلم.

error: النص محمي !!